أبى إلا أن يكون خطيباً مجاهداً وشهيدا
كتبه: مصطفى الصفار
حرر في: 2016/05/04
القراءات: 660

ليست العبرة بالكثرة والكَم دائماً، إنما النتائج هي المؤثرة في مسيرة الشعوب والأمم الناهضة، ففي تاريخ الشعوب، هنالك تضحيات جسام، ولكن النتائج متواضعة، وربما كانت مخيبة للآمال.

وفي العراق؛ تعلّم الرساليون الأباة من مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، التصدّي للانحراف ومواجهة الباطل، اينما كان. فكانوا مثل قطرات المطر تجمعت حتى تحولت الى سيل هادر من الدماء الزكية أطاحت - في نهاية المطاف - بصنم بغداد. ومن هؤلاء الرساليين الابطال، الشهيد الشيخ باقر العيداني، احد شهداء المنبر الحسيني من مدينة البصرة.

إنه: الشيخ باقر ابن الملا عبد الله ابن الشيخ سلطان العيداني، من خطباء المنبر الحسيني.

ولد في قضاء شط العرب في مدينة البصرة عام 1937م.

التحق بالدراسة في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف، منذ نعومة أظفاره، واتصل بفضلاء الحوزة وأساتذتها ونهل من معين علمها قرابة العشر سنوات، بعدها عاد إلى محافظة البصرة واتجه إلى خدمة المنبر الحسيني، ملتزماً مهمة الوعظ والإرشاد في مختلف مناطق المحافظة. وكان يخصص وقتاً خاصاً بعد كل مجلس حسيني، لاستقبال أسئلة الجمهور في المسائل الشرعية.

لقد كان الشهيد الشيخ العيداني شديد الحب لأهل بلده، ويبدي بالغ الحرص على هدايتهم وتسليحهم بالوعي والثقافة الدينية، فكان يفضّل التبليغ داخل العراق على خارجه، لاسيما وانه يرى أبناء جلدته في المناطق النائية بمحافظة البصرة يحتاجونه أكثر، في بيان أمور دينهم.

ومن أبرز صفاته التي عرف بها اجتماعياً؛ تجنبه المحرمات، ووقوفه عند الشبهات حتى أنه اشترى قطعة أرض سكنية، ثم اتضح فيما بعد أن هذا البائع أحد عناصر حزب البعث البائد، وقد استولى على هذه الأرض غصباً. الامر الذي استوقف الشهيد، وأخذ يبحث عن مالكها الحقيقي، واتضح أنه قد مات وتفرق أبناؤه في محافظات العراق، فذهب إلى ورثته كلهم، وأرضاهم جميعاً ثم تصرف بالأرض.

الى جانب هذه الخصلة الايمانية، كان لا يقبل بالجور والظلم، ولا يخاف في الله لومة لائم، فتعرض إلى مضايقات من قبل النظام البعثي، ولكنه لم يلن لهم، حتى تعرض إلى السجن في مديرية أمن البصرة.

وبالرغم من مطالبات السلطات البعثية بأن يتضمن مجلسه مدحاً وثناءً للسلطات الحاكمة، وتجنب الحديث عن الظلم والطغيان، إلا ان التجاهل كان جوابه، بعد خروجه من السجن، فواصل طريقه دون الخوف من تكرار الاعتقال.

بالمقابل، كان يحرص على التواصل مع طلبة الجامعات من المؤمنين المخلصين، ويتداول معهم الشؤون الفكرية والثقافية، وكيفية التصدّي للأفكار الدخيلة، مثل الماركسية والقومية وتفنيدها، في وقت كان التيار الماركسي قد جرف عدداً لا يستهان به من طلبة الجامعات. كما تتم مداولة المسائل الدينية وتشجيع الطلبة على الالتزام بتعاليم الدين وقيمه ومبادئه، وهذا ما كان يمثل مقاطعة صريحة مع ما كان تروج له ثقافة النظام آنذاك، الامر الذي دعا سلطات «الأمن» لمراقبته عن كثب، وبين فترة وأخرى يُستدعى إلى مديرية أمن البصرة، لتوجيه التحذيرات والتهديدات اليه لثنيه عن مهمته الرسالية. ليس هذا وحسب؛ بل كانت للشيخ الشهيد، لقاءات مع وجهاء المؤمنين والطليعة المؤمنة من اعضاء الحركة الاسلامية، وكان هذا يتم خلال المجالس الحسينية التي يُدعى اليها، وبعد انتهاء المجلس، يبقى عدد معين من الحضور ويتم اللقاء الخاص في ظروف أمنية صعبة. وقد رصد أزلام النظام هذه التحركات، عندما اندسوا في الحضور في هذه المجالس، ولاحظوا بقاء البعض عند انتهاء المجلس، وقد شنّت سلطات «الأمن» حملة اعتقال لمجموعة من أولئك الشباب المؤمن ومنهم الشيخ الشهيد عندما كان في مجلس عزاء بمنطقة الحكيمية بمحافظة البصرة. وفي عام 1987 للميلاد قرر الشهيد، الرحيل إلى مدينة النجف الأشرف، عندما فقدت مدينة البصرة، أمنها خلال الحرب العراقية - الايرانية. وبينما هو مشغول بنقل الأثاث من داره في قضاء شط العرب (التنومة) وإذا بسيارة تقف بالقرب منه، وينزل منها عدد من جلاوزة النظام، ثم تقدم أحدهم و اتجه الى الشهيد، الذي كان واقفاً قريباً من سيارة الحمل، وأطلق عليه عدة عيارات نارية، فسقط الشهيد في الحال، مضرجاً بدمائه. وقد صادف الحادث في شهر رجب الأصب.


ارسل لصديق