الحوار المفقود
كتبه: العلامة الشيخ محمد علي المحفوظ
حرر في: 2016/05/04
القراءات: 638

ليس هناك من عاقل يمكن أن يقف موقفاً مضاداً للحوار، فهو قيمة إنسانية يتواصل من خلالها الناس ويتعرفون على بعضهم كما أنهم يكتسبون ما هو مفيد إن أحسنوا الاختيار، وفوق ذلك فإن الحوار قيمة دينية لها تأثير كبير على حياة الناس في تواصلهم وتناصحهم، وقد جاء في حديث عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، عليه السلام: «تحدثوا تعرفوا»، و»المرء مخبوء تحت لسانه فإذا تكلم عُرف».

ولا شك أننا بحاجة دائمة للتأكيد على ثقافة الحوار في واقعنا الاجتماعي والسياسي لأنه يشكل الطريق الأفضل للوصول إلى قواسم مشتركة نحن بحاجة إليها، وهذا ما تبنته المجتمعات المتقدمة التي تبنّت ثقافة الحوار على مساحات واسعة أوصلتهم إلى نتائج مذهلة وحققوا من خلال ذلك انجازات على أكثر من صعيد، سواء في الاقتصاد أو السياسة أو العلوم المختلفة، واستطاعوا أن يطوروا من أنظمتهم اجتماعياً وسياسياً، على الرغم من التعقيدات الكثيرة التي تحيط بهم. ولا شك أن النموذج الأوروبي في صناعة الوحدة الأوروبية سوقاً ونظاماً واقتصاداً، شيء جدير بالدراسة والتأمل لأخذ ما هو مفيد ومناسب.

في المقابل، نلاحظ مجتمعاتنا ما تزال تعيش الحالة الآحادية، تعشعش فيها العقد والأزمات حتى باتت وكأنها مستعصية، بل قد يراها البعض قدراً مقدّراً، علماً أن ديننا يدعو للحوار والتفاهم والسلم والتواصل وروح الجماعة الواحدة، إلا أن ما يحكم واقعنا هو خلاف ذلك حيث تعاني مجتمعاتنا من ضيق الأفق والنزعة إلى الأنانية، وهذا ما يؤدي إلى غياب المساحات التي تغذي وتنمي حالة الحوار، بينما نرى الآخرين يمتلكون سعة الصدر والنفس الطويل في إنضاج القضايا من خلال تعزيز التفكير الجمعي، والروح الجمعية، والعمل الجمعي الذي يتساوى فيه الجميع، في الصوت وإبداء الرأي وصناعة القرار، فيحصلون في نهاية المطاف على إنجاز جمعي لا يرى في أحد الفضل لنفسه على الآخرين، فيعمل المجتمع بروح الفريق وكأنه في مباراة رياضية يتنافس فيها المجتمع على تحقيق نتيجة يتقبلها الكل بروح رياضية.

نعيش نحن في حالة من الانقسام والتفاضل وانعدام الثقة، فنراوح مكاننا على أكثر من صعيد والقضية أوضح من أن تحتاج إلى مقارنة بيننا وبين من تقدموا في عالم اليوم سياسياً واقتصادياً وعلمياً، فنظرة بسيطة تكشف لنا واقع الحال فبينما تتحدث الأنباء عن إرسال مركبتين فضائيتين لاكتشاف الماء على سطح القمر، بعد أن نزلوا على سطحه سنة 1969م فإننا مازلنا نعيش اليوم، وفي القرن الحادي والعشرين، في أزمة التعليم، باعتراف شخص ولي العهد، بأن «التعليم في البحرين كارثة وطنية»! على الرغم من مرور أكثر من 90 عاماً على التعليم الرسمي، لأن الشعبي كان قبل ذلك بكثير.

وبعد أن طوروا أنظمتهم السياسية في الدول المتقدمة التي أوصلتهم إلى درجة أن يشكلوا برلماناً يضم 27 دولة يمثلها 785 عضواً برلمانياً ينتخبون كل 5 سنوات منذ سنة 1979م بينما لا نزال نراوح مكاننا في حالة من العجز الواضح عن الانطلاق في مسيرة برلمانية في بلد واحد يعرف فيه الناس بعضهم من أقصاه إلى أقصاه، ولا يتعدى كونه جزيرة صغيرة، ولا شك أن السؤال الذي يطرح نفسه؛ لماذا وصلوا إلى ما هم عليه، وبقينا على ما نحن عليه؟!

لا شك أن الأمر بحاجة إلى تأمل ووقفة جادة مع النفس وحتماً فإن الأمر بحاجة إلى حوار جاد ومناقشات هادفة لكي نعرف مكامن القوة والنجاح عند غيرنا ومكامن الضعف الموجودة فينا، فهم بشر، ونحن ايضاً، نعيش على هذه الكرة الأرضية، ولكنهم استطاعوا أن يصنعوا الفارق ويرتقوا بمجتمعاتهم. وهذه دعوة لاستثارة العقول والألباب لكي نبحث عن الأسباب من خلال حوارات ينبغي أن نفتح لها عقولنا من دون أي حواجز أو موانع من أي جهة أو طرف ولكنها قبل ذلك بحاجة إلى شجاعة لأننا من دون ذلك سوف نفقد أهم عوامل البحث عن الحقيقة ومن دون ذلك سوف نقبل بما هو موجود وربما نكتفي فنظل نراوح في مكاننا بينما يتحرك العالم من حولنا.

 وقد يكون من السهل عند البعض اختلاق الأعذار والمبررات للتغطية على كل ما هو خاطئ وعقيم والدفاع بشكل مستميت أو «متملق» عند آخرين عن واقع سيئ، ولكن هذا لن يخدم أحداً في نهاية المطاف إلا من غيّب عقله أو ضاق صدره، ذلك أن الاختباء خلف الأخطاء والمفاسد يُفاقم أحوالنا سوءاً يوماً بعد يوم.

من هنا فإننا بحاجة إلى الانفتاح على ثقافة الحوار من أجل التصحيح والتغيير، وليس من أجل أن يرى العالم أننا نتحاور، لأن العبرة تكون بالنتائج وبالأفعال والتطبيقات وليس بالكلام والشعارات. ومقارنة بين واقعنا والآخرين، ممن تقدموا وغيّروا وانطلقوا، يتضح الفارق الكبير بين ثقافتين ومفهومين؛ فبينما نراهم جادين في تحقيق تصوراتهم ومرئياتهم وتحويلها إلى حقيقة على أرض الواقع، نرى أنفسنا أصحاب شعارات لا تخدم قضايانا، ويتضح الفارق بين الثقافتين، في رؤية الشراكة التي ينطلقون منها لصياغة واقع يعتمد على حق الجميع من دون أفضليات أو امتيازات أو خصوصيات، بينما نفتقد لهذه الروح.

وهذه الثقافة، مع أننا ننتمي إلى ثقافة حيّة وراشدة جاء بها الرسول الأعظم، صلى الله عليه وآله، حين قال: «الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»، كما قال، صلى الله عليه وآله: «يد الله مع الجماعة»، وهو ما نحتاجه لبناء واقع اجتماعي وسياسي سليم، ولكنك لن تجد لهذه الرؤية المتقدمة تطبيقاً على ارض الواقع، إذا ما فتحت عينك على حقائق تتحدث عن نفسها بشكل فاضح على أكثر من صعيد في البحر والبر والسياسة والاقتصاد، وأترك الأمثلة للقارئ والمواطن لكي يضع الأمثلة والعناوين التي يراها مناسبة.

---------------

* أمين عام جمعية العمل الاسلامي في البحرين.


ارسل لصديق