المدرّسي والإطار الجديد لعلم الأصول
علم أصول الفقه من دون أرسطو
كتبه: سماحة الشيخ حسن البلوشي
حرر في: 2012/09/25
القراءات: 3141

لم تكن علاقة أرسطو بالحضارات التي وَفَدَ عليها علاقةً بسيطةً، بل إنها اتسمت بكثير من التعقيد والتداخل واللبس. و لربما أكثر ما تصدق هذه الفكرة على علاقته بالحضارة الإسلامية. فترجمة كتبِهِ تداخلت مع كتب فلاسفةٍ آخرين، حتى باتت بعضُ أفكار الآخرين تنسب له غلطاً، وفي الوقت نفسه فإن بعضَ كتبه نسبت لغيره كذلك. كما أن آراءَه تم قراءتها وتوظيفها بطرق متعاكسة. ومن جهة أخرى، فإن دخوله في حقول العلوم الإسلامية، تفاوتت من حيث العمق والتأثير والشكل؛ فهو موجود بين النحويين البلاغيين، وصديق ملازم لكثير من المتكلمين والفلاسفة، كما أنه حاضر بين الأصوليين والفقهاء. وعلى الرغم من تعقد هذه العلاقة بين التأثير والتأثر، والتحوير والتعديل، فإن الذي لا شك به، هو سعة التأثير العميق لما يسمى بـ"الإطار المعرفي الأرسطي" في كثير من حقول المعرفة الإسلامية.

في سياق علم أصول الفقه في الإطار الشيعي الإمامي، قدّم المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرّسي (دام ظله)، أطروحة تجديدية يحاول فيها تأسيس علم الأصول؛ وهو أحد الحقول التي وفد عليها أرسطو، ضمن إطارٍ معرفي جديدٍ لن يكون لأرسطو فيه تلك المساحة التي كانت له في الإطار القديم لعلم الأصول. ولاستجلاء هذه الفكرة ستعرض هذه المقالة، أولاً: سمات الإطار المعرفي الأرسطي، ثم تتناول ثانياً: الكيفية التي من خلالها تحرر المرجع المدرّسي من الإطار الأرسطي، ثم تبيّن ثالثاً: الإطارَ المعرفي الجديدَ الذي يَنبي عليه المرجع المدرّسي علم الأصول، ورابعاً وأخيراً: نعرض لبعض التطبيقات والآفاق الأصولية التي تترتب على هذا التحوّل.

الإطار المعرفي الأرسطي

إن أرسطو الذي نعرفه اليوم ليس هو الذي عرَفَه العلماءُ المسلمون في القرون الأولى من تاريخ الإسلام، بل إن العلماء المسلمين أنفسهم تفاوتوا في قراءته. وقد يكون الوقت مبكراً الآن ـ حتى تنجز بحوث أكثر دقة في هذا المجال ـ لتحديد الوقت والكيفية التي وفد أرسطو إلى علم أصول الفقه الشيعي[1]. لكن ما يمكن إدعاؤه عموماً أن حقلي الكلام والفلسفة هما أولى الحقول التي حاولت الاستفادة من أرسطو منطقاً وفكراً في تأسيس مقولاتها وجدلياتها[2]. وللطبيعة الموسوعية للعلماء آنذاك، فإنه من السهل إذا ما هيمن إطارٌ معرفي معيّن على عالم ما في حقل معين أن يتسرب إلى بقية الحقول التي يهتم بها. ولربما هذا ما حصل فعلاً، إذ أن المتكلمين والفلاسفة استعانوا بمنطق أرسطو في تأسيس جدلياتهم، ثم ما لبثوا أن وظّفوه في حقول معرفية أخرى؛ كأصول الفقه واللغة.

ربما يمكن القول أن المحور الرئيس للإطار المعرفي الأرسطي هو "الاستدلال"، فكيف نبني إستدلالاً علمياً لأيّ قضية؟ ثم ما هو الإستدلال الأكثر قيمة من الناحية العلمية؟ في معرض الإجابة على السؤال الأول، أسس أرسطو فلسفته في "التعريف" وما يلحقها من بحوث عميقة ومفصلة في الجوهر والعرض وتوابعها، تلك البحوث التي تنصب بشكل مباشر في خدمة باب التعريف، كما تعكس فلسفته لعالم الطبيعة أيضاً. وفي معرض الإجابة على السؤال الثاني، أسس أرسطو فلسفته في "البرهان" المنطقي وما يلحقه من بحوث عميقة ومفصلة في مستويات المعرفة، والبديهيات، والمسلمات . . الخ. فالاستدلال يكون علمياً وصحيحاً إلا إذا استطاع الباحث أن يعرّف ويميّز عناصره بشكل واضح، ثم يبني قياسه على أساس برهاني يقيني. فالقضية اليقينية هي ما كانت عناصرها الأولية يقينية، وما دون ذلك فهو ظن يقارب اليقين أو وهم يقارب الجهل. وحقلة الوصل بين "التعريف" والمعرفة "البرهانية" هي "القياس"؛ الذي يتلخص جوهره في إكتشاف "الحد الأوسط" بين مقدمتين. ولأن للقياس أنواعاً فقد صرف أرسطو وقتاً طويلاً في تحليلها، وبيان أنواعها، وطرقها ليحدد في نهاية الأمر أوْثَقَ الأقيسة الإستدلالية علميةً.

المدرّسي والتحرر من أرسطو

لم تتسم في يوم ما علاقة السيد المدرّسي بأرسطو بالصلح بل إنه ومنذ مسيرته الفكرية التي ابتدأها في مقتبل عمره وحتى اليوم يُعتبر ناقداً بلا هوادة لأرسطو وفكره. فلا يكاد المرء يتصفح أيّ عمل فكري للسيد المدرّسي، ويكون لأرسطو فيه رأيٌ، إلا ويجد رأياً السيد المدرّسي ناقداً له. وهذا ما يثير تساؤلاً حقيقياً؛ كيف ثار السيد المدرّسي على أرسطو وإطارِهِ المعرفي، في الوقت الذي ترك هذا الإطار بصماته على عموم أدبيات الحقول المعرفية في الوسط الشيعي الإمامي؟ فمن المنطق، ومروراً بالكلام والفقه والأصول وإنتهاءً بالأخلاق، نجد أن لأرسطو حظوة في الحضور والتأثير. لعله من الممكن إرجاع هذه "الثورة" المعرفيّة على أرسطو من قبل السيد المدرّسي إلى ثلاثة عوامل رئيسية.

العامل الأول: ينحدر السيد المدرّسي فكرياً ونسبياً من أبٍ؛ آية الله السيد محمد  كاظم المدرّسي - قدس سره- عُرِفَ بإنتمائه لمدرسةٍ فكريةٍ يطلق عليها اليوم بـ"المدرسة التفكيكية"[3]، تلك المدرسة النقدية في الوسط الحوزوي والتي تأسست على يد الميرزا مهدي الأصفهاني في مدينة مشهد المقدسة. مما تتسم به هذه المدرسة، هي روحها النقدية لكل من علوم الكلام والفلسفة والتصوف الرائجة في الحوزات العلمية الشيعية والتي تمثل ميراث القرنين السابقين. استطاعت المدرسة التفكيكية على مدى جيل من روادها أن تطوّر العديدَ من المفاهيم النقدية لبعض المسلمات في حقول الكلام والفلسفة، على رأس هذه المفاهيم تطويرَ نظريةٍ في المعرفة، وآليةٍ معينة في قراءة النص الديني. وقد صرّح السيد المدرّسي بهذا الانتماء قائلاً: "إن هذه المنظومة الدراساتية من الكتب التي وفقت لتحريرها خلال ثلاثة عقود من الزمن تعتمد على منهج محدد، يعرفه الناقد فور النظر إليها (...)، والسؤال كيف انتمى المؤلف إلى هذا المنهج، ولماذا؟ وفي الجواب أقول وبكلمة واحدة، السبب المباشر بعد توفيق الله وألطاف النبي والائمة من أهل بيته (ع) هما والداي، والدتي (...) و والدي - استاذي والمربي الكبير، الذي علمني كيف أستلهم من أحاديث النبي وأهل بيته، وفن الدراسة فيها، ودرّسني منذ نعومة أظفاري المعارف الإسلامية التي كان قد أتقنها عند معلمه الكبير آية الله العظمى الميرزا مهدي الاصفهاني"[4]. هذه البيئة الفكرية سلّحته بروح النقد وآلياته، إلا أنهان كطبيعة أيّ آلية نقدية تعمل بمعول الهدم، فهي تقوم بتدمير الأسس الفكرية لكنها تُبقي المكان خالياً من دون بناء. وهنا يأتي دور العامل الثاني.

العامل الثاني: إنتماء السيد المدرّسي، لتيار النهضة الذي عمّ العالم العربي ـ الإسلامي في ستينيات القرن الماضي أتاح له فرصة التواصل مع العصر.  مرتكزات خطاب النهضة آنذاك هو (المعاصرة)، والذي يعني فيما يعني، التواصل والإنفتاح على منتجات العصر الحديثة، والاستفادة منها بما يتناسب مع الفكر الإسلامي. ومن يطالع فكرَ السيد المدرّسي، يرى بوضوحٍ حضور عنصر المعاصرة والإنفتاح في عمله الفكري. هذا التواصل العصري مستعيناً بالنقد للموروث وفّرا فرصة له لبناء فكري جديد، كما أتاحا له إمكانية قراءة أرسطو وتراثه وعموم الفكر اليوناني ضمن سياقه الطبيعي. وهذا ما نجده في كتاب "الفكر الإسلامي" وكذلك بصورة أعمق وأشدّ في كتاب "المنطق الإسلامي"، الذي يمكن عدّه تفصيلاً لنظرية المعرفة والمنهج المنطقي للسيد المدرّسي. إذ أنه هناك قَرَأَ أرسطو في سياقه التاريخي، كما وَضَعَ جهودَه بجانب الحقول المنطقية الجديدة. وهناك أيضاً قدّم رؤيتَهُ البنائيّة للمعرفة وسبيلَ الوصول إلى التفكير المنطقي الصحيح.

العامل الثالث: من يعرف السيد المدرّسي عن قرب لا يمكنه تصور إمكانيةَ قبولِهِ بإطار معرفي مثل أرسطو؛ خصوصاً بصورته التي وصلت للعالم الإسلامي. فالسيد المدرّسي شخصية حركيّة تتسم بالروح العملية والمغامرة، تتحدى الواقع وتخوض التجارب، لا تؤمن بالعمل البسيط بل بالروح المركّبة. وقد إنعكست هذه الروحية على مساره العملي في نشاطه الاجتماعي والسياسي، كقائد حركي ميداني يخوض غمار الواقع ويقتحم العقبة، وكذلك على مساره الفكري الذي يتسم بالتركيب، ومعالجة الأمور بالتجريب والإختبار العملي. فمقولاته العامة التي قدمها كانت في الغالب ترى الواقع وتسعى إليه؛ إذ أنه ابتداءً من التعامل مع القرآن الكريم وآلية التدبر التي هي منهج عملي بحت، ومروراً بمعالجاته الأصولية التي تنادي بفقه الواقع وتبحث عن آليات عملية تطبيقية للواقع الفقهي، وإنتهاءً بفكره السياسي التوافقي، يبدو روحاً واقعية عمليةً تعكس في جانب منها شعار "العلم والعمل"، والآية الكريمة: "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا "، كما أنها تتسم بالتركيب في الحلول لا التبسيط بثنائيات صلبة. هذه السمات الشخصية لا يمكنها التعايش مع إطار معرفي مثل إطار أرسطو.

المدرّسي والإطار المعرفي الجديد

الإطار المعرفي الجديد الذي يقدّمه السيد المدرّسي يمثّل مزيجاً من تراث المدرسة التفكيكية والفكر العلمي العقلاني المعاصر، والإبداع الشخصي في تطوير بعض المفاهيم في استنطاق التراث الديني. وإذا جاز لنا تلخيص الملامح العامة لهذا الإطار الجديد، فيمكننا القول أنه يرتكز على ثلاثة محاور رئيسية.

المحور الأول: يفرّق السيد المدرّسي بشكل قاطع وصريح بين العقل كقوة (أو نور حسب التعبير الديني) تختزن القدرة على الكشف والحكم، وبين المعقول الذي يمثل المكشوف المحكوم بنور العقل. كما يفرّق بين العلم؛ كقوة مُتفرِعة عن نور العقل، تختزن القدرة على التمييز والتدقيق والكشف، وبين المعلوم الذي هو نتيجةٌ أو موضوعٌ لهذه القوة[5]. هذا التمييز بين العقل والعلم من جهة، والمعقول والمعلوم من جهة أخرى، يحاول المحافظة على "سلطة" العقل وهيمنتِهِ الفعّالة على مدار قيامه بعملية الكشف والتعقل والحكم على الأمور. وبالتالي فإن المعايير الأساسية للعقل في المجال العلمي والأخلاقي والنفعي اليومي تظل مهيمنة على المفاهيم والأدوات والمناهج التي يُنتِجُها العقلُ نفسُهُ لكل حقلٍ أو موضوعٍ علمي. وهذا يعني فيما يعني الحفاظ على مقدر من ثوابت العقل ومعاييره وفتح الباب لمتغيرات الواقع وتفاصيله.

المحور الثاني: وهو نتيجة رئيسية للتأسيس السابق، أن السيد المدرّسي بما قدم من حقيقة العقل أعاد تعريف "اليقين" العقلي أو العلمي، وذلك من جهتين؛ الأولى: أنه نقل مجال اليقين البرهاني ـ كما يحلو لأرسطو التعبير ـ من المكشوف والمعقول والمعلوم إلى المعايير العقلية وثوابتها، أي نقله من الواقع إلى المسلمات العقلية. الثانية: أنه أعتبر اليقين الممكن على أرض الواقع ـ غالباً وفيما عدا البديهيات الأولية ـ هو اليقين الإطمئناني أو ما يعبر عنه في أدبيات العقلانية المعاصرة بـ"اليقين الإحتمالي" الذي يعطي مجالاً لاحتمال المخالفة، فليس اليقين ما كان صِدْقُهُ 100% مع الواقع، بل ما دون ذلك بما يحقق الإطمئنان العقلائي المنهجي[6].

المحور الثالث: وهو نتيجة لسابقيه؛ أن الحقائق العلمية والعقلية سواءً في المجال الطبيعي أم الإنساني ليست بسيطة بل مركبة، مما يستدعي تنوعاً مناهجياً يتناسب مع كل حقلٍ وموضوعٍ، ويستدعي أيضاً تراكماً خبروياً يعتمد على التجريب. بكلمة؛ فإن الحقيقة العلمية أو العقلية بحاجة إلى تأسيسٍ منهجي يتناسب معها حقلاً وموضوعاً وفي الوقت نفسه بحاجة إلى فعّالية العقل لحظةً بلحظة في الكشف والحكم. وهذا المحور يمثل البعد العملي والواقعي في نظرية السيد المدرّسي للمعرفة.

هذه الملامح العامة ـ وتفاصيل أخرى ـ للإطار المعرفي الجديد الذي يقدمه المرجع المدرّسي، سيكون لها تأثير كبير عندما توّظف في المجال الأصولي، فهو سيتعامل مع نفس المسائل الأصولية، لكن بخلفيّة معرفيّة مغايرة، سيكون لها طابعها وآفاقها.

الإطار المعرفي الجديد وآفاقه الأصولية

لم يكن السيد المرجع المدرّسي أول من أكتشف عمق تأثير الإطار الأرسطي على البحث الأصولي عند الشيعة الإمامية، بل ربما يمكن عدّ العلامة الشيخ محمد رضا المظفّر (قدس سره)، أول من أشار لذلك بشكل صريح، حين تناول بحث "حجية خبر الواحد" في آية "النبأ" في كتابه "أصول الفقه"؛ إذ أنه رأى كيف أن التقابل الشائع بين العلم والجهل يستمد جذوره من التراث اليوناني، في حين أن التراث الديني يقابل بين العقل والجهل، إلا أن ما يمكن إدعاؤه أنّ السيد المدرّسي، أوّل من خرج من الإطار الأرسطي في بحثه الأصولي، على الرغم من التدافع والتنازع القديم بين بعض الفقهاء والأصوليين مع بعض مفردات التراث اليوناني؛ كالذي نجده في بعض كتب الشهيد الثاني، أو بعض تراث الإخباريين. هذا الخروج من الإطار الأرسطي له العديد من الآثار والآفاق، وها هنا أشير إلى ثلاثة آفاق رئيسية وأترك بعضها الآخر لمناسبة أخرى.

أولاً: الخروج من الإطار الأرسطي يعني في ما يعني إعادة تعريف معنى "اليقين" و"العلم" اللذان يمثلان جوهر بحث "القطع" في علم الأصول، بل وعلى أساسهما بُنيَ تقسم علم الأصول منذ زمن الشيخ الأنصاري، حيث قسّم "فرائدَهُ" إلى ثلاثة رسائلٍ، أولها: القطع، ثم الظن، ثم الشك. برفض القطع المنطقي، والقبول بالقين العقلائي، ومراعاة التناسب بمقدار العلم المطلوب – الحجية- للأداة الأصولية، فإن بحث "الحجية" سيتغير جوهرياً، وسيفتح الباب لأدوات أصولية جديدة لكشف الحكم الشرعي، كما وفي الوقت نفسه ستحدد دائرة حجية بعض الأدوات الأصوليّة الأخرى[7].

ثانياً: وهو أفق مرتب على النقطة السابقة، تَعَطَّلَ بحثُ مقاصد الشريعة وقيم الدين أصولياً في الفكر الأصولي الشيعي لفترة طويلة؛ وذلك لظروف حضارية واجتماعية وسياسية، إلا أن إحْكامَ تعطيله على المستوى العلمي يرجع في بعض منه إلى الإطار الأرسطي، إذ أن البحث عن اليقين المنطقي في علل الشريعة ومقاصدها لتكون حجيةً في الدليل الشرعي، يكاد يكون نادراً، وهذا جمّد أدوات أصولية كان يمكن لها أن تؤدي دوراً مهماً في البحث الأصولي، كبحث ملاكات الحكم، والقياس الصحيح، ومحكمات الكتاب والسنة باعتبارها أصول استنباطية تتناسب مع العلم الاطمئناني....الخ[8].

ثالثاً: وهو أفق مرتبط بآلية الاستنباط وأقرب لتوظيف الأدوات الأصوليّة في الفقه منه إلى المجال الأصولي البحت. وخلاصته أنّ الخروج من الإطار المعرفي الأرسطي بالبديل الذي يقدّمه السيد المدرّسي يراعي البُعد الواقعي والتجريبي في تعريف القضايا التي تكون موضوعاً للحكم الشرعي. ففي حين أن الإطار الأرسطي يبحث عن التعريف الكامل (بالنوع والجنس) للموضوعات، وهو مما أرهق الفقه طويلاً، فإن الإطار المعرفي الذي يقدّمه السيد المدرّسي يسعى لفهم الموضوعات ضمن سياق الواقع الاجتماعي للقضية؛ وذلك بالتكامل بين العمق الفقهي للفقيه والخبرية العلمية لأهل الخبرة والعلم بواقع الأمور. وهذه المسألة تبدو أهميتها أكثر وضوحاً في القضايا التي ترتبط بالفقه الجمعي المتربط بالمجتمع والدولة...الخ[9].

هذه بعض آفاق الإطار المعرفي الجديد الذي يوّظفه السيد المدرّسي في علم الأصول، وهناك بلا شك آفاق أخرى لها أبعاد أصولية مهمة على آلية الاستنباط الفقهي. ولعلها تبشر لعصر جديد للفكر الأصولي والفقهي، وهو العصر الذي يكون فيه "أصول الفقه من دون أرسطو".

عالم دين من الكويت.

-------------------------------------------

[1] حسب علمي، فإنه وإلى اليوم لم تنجز دراسات مختصة في هذا الموضوع علاقة أرسطو بعلم أصول الفقه الشيعي الإمامي.

[2] يمكن مراجعة: محمد تقي المدرسي، العرفان الإسلامي؛ بين تصورات البشر وبصائر الوحي.

[3] يمكن مراجعة: روبرت غليف، الإستمرارية والإبداع في الفكر الشيعي: العلاقة بين الأخبارية والمدرسة التفكيكية. مجلة البصائر، العدد (49) السنة 22 - 1432هـ/ 2011م. http://albasaer.org/index.php/post/420

[4] محمد تقي المدرسي، التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده، ج4، مقدمة الكتاب، طهران ـ إيران، ط1، 1994.

[5] محمد تقي المدرسي، التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده، ج3، إنتشارات المدرسي، طهران ـ إيران، ط1، 1994. ص86.

[6] محمد تقي المدرسي، التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده، ج1، إنتشارات المدرسي، طهران ـ إيران، ط1، 1991. ص36.

[7] يمكن مراجعة بحث الإمارة الشرعية للسيد المدرسي: التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده، ج2، إنتشارات المدرسي، طهران ـ إيران، ط1، 1992. ص101.

[8] محمد تقي المدرسي، التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده، ج1، إنتشارات المدرسي، طهران ـ إيران، ط1، 1991. ص93.

[9]محمد تقي المدرسي، التشريع الإسلامي؛ مناهجه ومقاصده، ج3، إنتشارات المدرسي، طهران ـ إيران، ط1، 1994. ص363.


ارسل لصديق