في ذكرى مولده السعيد ... الامام علي، عليه السلام، والمسؤولية الجماعية للإصلاح
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2016/05/05
القراءات: 595

بعد أيام من مقتل عثمان، حملت أمواج الإضطراب السياسي سفينة الأمة بعيداً عن شواطئ الأمان، فكادت الاوضاع أن تهدد أمن واستقرار الامة جدّياً، فاجتمع المهاجرون والأنصار وفيهم طلحة والزبير، وأجمعوا على بيعة الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، فجاؤوا إليه مسرعين عارضين عليه البيعة ليكون أميراً للمؤمنين، فرفض فوراً. و دار حوار ساخن عند باب بيته، عليه السلام، وبعد شدّ وجذب، قال عليه السلام:

«...ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفيّةً ولا تكون إلاّ عن رضا المسلمين».

ثم قال: «دعوني والتمسوا غيري ، فإنا مستقبلون أمراً له وجوه وألوان. لا تقوم له القلوب ، ولا تثبت عليه العقول «.

فقالوا ننشدك الله ، ألاَ ترى ما نحن فيه ؟! ألاَ ترى الإسلام ؟! ألاَ ترى الفتنة ؟!

فقال: « قد أجبتكم وإني إن أجبتكم ركبت بكم ما أعلم «.

هكذا يصوغ أمير المؤمنين، عليه السلام، نظرية الحكم التي تحقق الاستقرار السياسي والسعادة للناس.

 ثلاثة مقومات اساس للحكم الرشيد:

1- الانتخاب العلني وليس خلف الابواب المغلقة، «بيعتي لا تكون خفية».

2- رأي الأغلبية «رضا الناس»، ثم تحملهم المسؤولية.

3- الالتزام والطاعة، «ركبت بك ما أعلم».

 

 (لتُبلبلنّ بلبلة، ولتُغربلنّ غربلة)

إن الوصول الى قمة السلطة لدى البعض، يمثل قمة النجاح وتحقيق الذات، حتى وان كان على حساب حقوق الآخرين، او عبر إشعال نيران الفتن السياسية وخلق الازمات مع المعارضين، فهي تعد لدى هذا البعض، من وسائل تعزيز الموقف السياسي وتقرّب المسافة الى المنصب، ولا يهمّ حينئذ من يدفع ثمن الازمة، وبأي شيء...؟ ربما تكون في توتر أمني وتراجع في مستوى الخدمات، او في التخلف العلمي او في هدر الثروات، وحتى في كرامة الانسان، بل وإراقة سيل من الدماء.

أمير المؤمنين، عليه السلام، يعلم جيداً أن الرغبة بمبايعته - وبغض النظر عن الدوافع والنوايا - كان يقابلها رغبات بالضد من فلول «النظام السابق»، ومن المنتفعين من عثمان، وتحديداً الامويين. ومهمة مواجهة الفساد العريض والعميق الذي أوجده هؤلاء في الامة، لم يبدأه الامام، عليه السلام، من منطلق سياسي بحت، إنما من منطلق حضاري، لذا طلب من المقربين منه والداعين الى توليه الأمر، أن يكون «لهم وزيراً خير من ان يكون أميراً..»، وعندما يتدافع الناس على دار الامام يطلبون منه مدّ يده للمبايعة، فهذا يعني - في منهج الامام علي- إعلانهم المشاركة في مسيرة التطهير التي سينطلق بها لاحقاً ضد كل رواسب الفساد والانحراف طيلة الخمس والعشرين سنةً من عمر الحكم المنحرف عن نهج رسول الله، صلى الله عليه وآله.

لذا نجده، عليه السلام، وبعد مبايعته خليفة وحاكماً، يصدح بالقول: «...ألا وإن بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه، صلى الله عليه وآله. والذي بعثه بالحق، لتبلبلنّ بلبلة، ولتغربلنّ غربلة، ولتسلطن سوط القدر، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، وأعلاكم أسفلكم...».

من هنا نعرف، أن القضية لم تكن تنافساً سياسياً على السلطة بين الامام علي، عليه السلام، وبين من سبقه في الحكم، و ايضاً الامويين الذين كانوا يتلاعبون بمقدرات الامة في العهد السابق من خلف الستار، وربما احياناً أمام الملأ، إنما تخطيط منه، عليه السلام، بأن تكون المرحلة الجديدة متسمة بالوعي واليقظة وتحمل المسؤولية، فهو يقود الامة بعلمه لا بجهلهم، كما هي السياسات المتبعة آنذاك - وماتزال وفق المنهج الميكافيلي- حيث التسطيح والتضليل والخشية من الوعي والثقافة والنقد.

 

 الإمام يبين مسؤولية الأمة

من الواضح أن الامام عليَّاً، عليه السلام، كان يجهّز الامة ويحثها على الاستعداد للمواجهة مع جبهة الباطل والبغي، متمثلة في «معاوية» المتمرد على أمر الخلافة الشرعية، بالتنحّي عن منصبه كوالي على الشام، ليحدد المسؤولية الشرعية على الامة، سواء من هم في المدينة او الكوفة او البصرة أو سائر الامصار الاسلامية، وما عليهم فعله.

نعم؛ نحن نتحدث عن الاجراءات التي قام بها أمير المؤمنين، عليه السلام، من استبدال جميع ولاة عثمان على الامصار الاسلامية، وهتافه بعد يوم واحد من بيعته: «إن كل قطيعة اقتطعها عثمان ، وكل مال أعطاه من مال الله، فهو مردود في بيت المال، فإن الحق القديم لا يبطله شيء ، ولو وجدته قد تزوّج به النساء وفُرِّق في البلدان لرددته إلى حاله ، فإن في العدل سعة ، ومن ضاق عنه الحق فالجور أضيق». لكن؛ هل ان التطهير وإقامة العوج والانحراف في الامة، من مسؤولية الامام لوحده.. وانه الوحيد المكلف بأداء هذه المسؤولية؟

المؤرخون والباحثون يقولون: إن معظم المسلمين، وربما جميعهم، لم يكونوا قد تعرفوا جيداً على منهج الامام علي، عليه السلام، من هنا كانت المفاجأة بقرارات أمير المؤمنين وفلسفته في الحياة، من قبل المقربين منه، منها المساواة في العطاء، والحزم والشدة عند الانحراف نحو الباطل، ومن أبرز ردود الفعل ما صدر عن طلحة والزبير، وما ظهر من تحالفات وقوى انقلبت على اعقابها بعد ذلك الحماس العجيب لموالاة الامام علي، عليه السلام، مما يمكن القول معه، بان تلك الفترة شكلت مرحلة اختبار عسيرة للمسلمين، ليس في الكوفة وحسب ، وإنما في كل مكان، بأن يفهموا جيداً أن الاختيار الحر للحاكم يتبعه التزام وتحمّل لمسؤولية التغيير والاصلاح التي ينهض بها هذا الحاكم، او ربما المبادرة اليها إن حصل وحدث نوع من التلكؤ او التراجع عن المهمة الموكلة اليه، او عدم قدرة على تحمل الامانة  الملقاة على عاتقه.

من هنا؛ نلاحظ شدة عتب ولوم الامام علي، عليه السلام، على المتقاعسين والمتخاذلين عن قتال القاسطين (جماعة معاوية)، والناكثين (طلحة والزبير)، والمارقين (الخوارج). وهذا «نهج البلاغة» يعجّ بكلمات وخطب الامام حول هذه المسألة، ولعل نسبة لا بأس بها من هذا الكتاب المقدس، يختص بخطب وكلمات تتعلق بما جرى على الامام، عليه السلام، في الكوفة، وما تجرعه من المتخاذلين عن نصرة الحق ومقارعة الانحراف. فهو، عليه السلام، لم يكن يرضى بأن يكون هو والصفوة من حوله، يمارسون السياسة والحكم والتجاذبات السياسية مع هذا وذاك، وتبقى الامة والشعب في وادٍ آخر، حيث الانشغال بحياتهم اليومية ومصالحهم الخاصة، إنما يجب أن تكون الأمة مشاركة بصورة فاعلة ومسؤولة عن أي انحراف او قصور في الدولة.

وإذن؛ فان الحروب التي خاضها الامام علي، عليه السلام، مع تلك الفئات الضالة الثلاث، والتعبئة الشاملة لأهل الكوفة، كانت بالحقيقة تمثل ميدان اختبار نفسي، اكثر مما هي استعراض للقدرات العسكرية في ساحة المعركة، مما يمكن القول معه، لاسيما المعارك الضارية التي خاضها جيش الامام، عليه السلام، ضد الفئة الباغية بقيادة معاوية، فقد كانت للتجهيز والاستعداد لتسيير الجيش بأكبر عدد ممكن، لم يكن برغبة منه لقتال أهل الشام، أو لزجِّ المسلمين في الحرب، أو لتحقيق مصلحة سياسية كما يحصل اليوم، إنما كل ذلك كان يريد منه، عليه السلام، تذكير المسلمين دائماً بما اختاروه بأنفسهم بعد مقتل عثمان، وأن يعيشوا في ظل العدالة والمساواة والقيم الانسانية التي افتقدوها طويلاً بعد رحيل الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم.


ارسل لصديق