بسببها عارضوه ... عدالة علي، عليه السلام، تأخذ من الظالم وتنصف المظلوم
كتبه: الشيخ نزار السلطاني
حرر في: 2016/05/05
القراءات: 505

إنّ مشكلة البعض من معاصري الامام علي، عليه السلام، في تلك الحقبة الزمنية، كانت تكمن في عدالته الحقّة التي لم يحتملوها لأنها لم تتفق ومصالحم الذاتية، فكانت العدالة عنده، عليه السلام،  غير قابلة للمساومة، كما انه لم يكن مستعداً يوماً لأن يلين في هذا المجال، ولعل السبب في وجود تلك المشكلة، تطبّع المجتمع الاسلامي، منذ وفاة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، على التضحية بالعدالة في علاقته بالحكام وذوي النفوذ.

وبعد عودة الخلافة السليبة اليه، عليه السلام، قدم للمسلمين وللعالم الصورة الحقيقية للعدالة، كقيمة مقدسة وتطبيقات عملية، وقد سجلها التاريخ المؤالف والمخالف، وكان، عليه السلام، يؤكّد أنه ليس ممن ينحرف عن العدالة قيد شعرة، حتى أن أصحابه كانوا يطلبون منه شيئاً من «المداراة» فكان يرفض ذلك، لانه لا يريد الحصول على المكاسب السياسية مقابل إلحاق الظلم وتضييع حقوق الضعفاء.

فالإمام، عليه السلام، عندما مسك بزمام الأمور في فترة حكمه الشريف قال: «فلما أفضت إليّ (أي الحكومة) نظرتُ إلى كتاب الله وما وضع لنا وأمرنا بالحكم به فاتبعته وما استسن النبي صلى الله عليه وآله فاقتديته» .فلذا عمل، عليه السلام، جاهدا على إزالة كل صور الانحراف الذي مارسه الخلفاء من قبله، فألغى كل أشكال التمايز في توزيع الثروة على الناس، فلم تعد هنالك محسوبية ومنسوبية.

 

 الشمولية في العدالة

اتصف حكم أمير المؤمنين، عليه السلام، بالعدالة الشاملة في جميع المجالات ولكل الأشخاص كما جاء في هذا البيان الذي ذكره، سلام الله عليه: «وأيم الله لأنصفن المظلوم من ظالمه ولأقودن الظالم بخزامته حتى أورده منهل الحق وان كان كارها». وهكذا كان عليٌ عليه السلام، إنساناً عادلاً مع الجميع وفي كل زمان ومكان، ولا يُحابي أحدا مهما كان. همه الاكبر إعادة توزيع المال والثروات بالتساوي بين الناس كافة. فالكل له حق وعليه واجبات.

باشر الإمام علي، عليه السلام، بعد إعلان هذا البيان العادل في تطبيقاته، فقال لكاتبه، عبيد الله ابن أبي رافع: «ابدأ بالمهاجرين فنادِهم وأعطِ كل رجلٍ ممن حضر ثلاثة دنانير، ثمّ ثنّ بالأنصار فافعل معهم مثل ذلك»، فقال، عليه السلام: «هذا كتاب الله بين أظهرنا وعهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، وسيرته فينا، لا يجهل ذلك إلاّ جاهل عاندَ عن الحق مُنكر، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، (سورة الحجرات:13)».

 

 العدالة في كلمات علي، عليه السلام

لقد ساد العدل في زمان أمير المؤمنين، عليه السلام، وزال الظلم من بلاد المسلمين، فوصل مرحلة لم يشهدها العالم مثله، وقد تجسّدت هذه العدالة في كلمات بليغة هدرت منه في مناسبات عديدة: «وَلَوْ شِئْتُ لاَهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ، إِلَى مُصَفَّى هذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هذَا الْقَمْحِ، وَنَسَائِجِ هذَا القِزِّ، وَلكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ، وَيَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الاْطْعِمَةِ ـ وَلَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوِ بِالْـيَمَامَةِ مَنْ لاَ طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ، وَلاَ عَهْدَ لَهُ بِالشِّبَعِ ـ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى،  وَأَكْبَادٌ حَرَّى...». حتى قال، عليه السلام: «أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ: أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلاَ أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ، كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا، تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلاَفِهَا، وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا، أَوْ أُتْرَكَ سُدىً، أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً، أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلاَلَةِ، أَوْ أَعْتَسِفُ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ».

وهذا درسٌ لنا، فهو، عليه السلام، كان بامكانه الوصول الى الغنى والثروة بالطرق التي لم يستطع أي إنسان أن يصل إليها قط، فقال في إحدى خطبه:  ولكن...! «هيهات»، أي مستحيل أن يغرّني الهوى يسوقني جشعي، أو أبيت وبطني ملؤها الطعام وحولي بطونٌ جائعة وأكبادٌ عطشى. فهذا هو أمير المؤمنين، عليه السلام، يؤثر الناس على نفسه، وهكذا يبين للعالم أجمع، كيف يجب أن يكون الحاكم والقائد الحقيقي الذي يقود المجتمع؟ وكيف يتعامل معهم بالعدالة التي أمر الله تعالى بها، كما جاء في كلماته الشريفة، بأن الحاكم العادل يجب أن يكون أحد أفراد المجتمع، ولا يتميز عنهم إلا كونه قائداً يتحمل المسؤولية، ليس إلا، ويشاركهم في مكاره الدهر، ويكون المثال لهم في اختيار أقل الطعام، وأخشن اللباس، وأزهد المعيشة، حتى قال، عليه السلام، بان على القائد أو الحاكم أن لا يكون في كثرة الأكل والشرب، «كالبهيمة المربوطة همّها علفها...». فعلينا أن نقتدي بأمير المؤمنين، عليه السلام، بأن نجتهد في  الاقتداء به من أجل التقدم والمضي للوصول إلى مرضاة الله تعالى.

ومن عدالته، عليه السلام، انه لا يترك الأمور تسير كيف ما اتفق، بل كان يتفقد أوضاع السوق ليكون على بينة بما يجري فيها، كما كان، عليه السلام، يراقب أحياناً صفقات البيع التي كانت تجري بين المشتري والبائع، لتعليمهم الحرام والحلال، وليبين لهم آداب المعاملات، وكان، عليه السلام، يخرج باكراً يطوف أسواق الكوفة، فينادي: «يا معشر التجار؛ قدموا الاستخارة، وتبركوا بالسهولة، واقتربوا من المبتاعين، وتزينوا بالحلم، و تناهوا عن الكذب واليمين، وتجافوا عن الظلم، وأنصفوا المظلومين، ولا تقربوا الربا، وأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين».

فكان يجوب الاسواق بحثاً عن الفقراء والمساكين والمحتاجين ليقضي حوائجها ويزودهم بالطعام والشراب، فيأخذ حقهم من الظالم، وهكذا؛ كان يقتدي برسول الله، عندما كان يحوم حول الناس ليرعى مصالحهم.

 

 الحاكم يبدأ بالعدالة من نفسه

كان أول ما طبق العدالة على نفسه وأسرته، ثم على الناس، فقد ساوى بينه حاكم أعلى، وأمير للمؤمنين، وبين أفقر الناس، في معيشته وفي مسكنه، كما كان يحرص على التواضع لأصغر الناس، فكان حاكماً عادلاً بمعنى الكلمة، طبق العدالة الإلهية التي شرعها الله -عزّ وجل- بل كان القرآن الكريم الذي يسير على الأرض، في عطفه على الصغير واحترامه للكبير وضرب خيشوم الكفار حتى قالوا: «لا إله إلا الله».

عاش في بيت متواضع لا يختلف عمّا يسكنه فقراء الأمة، وقيل كان البيت بالإيجار. أما طعامه فكان الشعير الذي تطحنه زوجته، الصديقة فاطمة الزهراء، عليها السلام، وهذا هو ديدنه عندما كان خليفة. أما عن سلوكه العام، فكان يمشي بين الناس بشكل طبيعي كأحدهم، لا تحفّه الحمايات والمرافقون، كما يفعل الحكام من غيره، كما كان يجالس الفقراء ويشاركهم طعامهم، ويجلس معهم على التراب.

ومن كلماته الشهيرة في هذا المجال: «...ألا إن امامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد»، لذا نهيب بكل من منحه الله فرصة الحكم او تولي مسؤولية حكومية تجعل امور البلاد والعباد بيده، أن يقتدي بسيرة أمير المؤمنين،  عليه السلام، على قاعدة «...ولكن أعينوني بورع واجتهاد»، وهو المنهج الذي أنشأه أمير المؤمنين، عليه السلام، لتكون حالة مؤصلة عند المجتمع كما كانت في حكمه، عليه السلام، وهذه الاستقامة على جادة الصواب، لن تأتي من فراغ وإنما تأتي من روح القرآن الكريم والسيرة النبوية، التي ساعدت في تثبيت دعائم الحكم الإسلامي وتطبيق قوانينه، حينما كان يضع معاونيه والحكام على الأقاليم على أساس الكفاءة وليس المحسوبية والمنسوبية.

ومن جملة الخطوات المتميزة التي اتخذها الإمام علي، عليه السلام، العمل على استرجاع الاموال المنهوبة والموزّعة بالباطل من قبل الحكام من قبله، وخاصة في عهد عثمان بن عفان.

ذاك العهد الذي مكّن بني أمية من رقاب المسلمين، بعد ان كانوا «طلقاء»، فعاثوا في الارض فساداً، بالاستيلاء على الأراضي والاموال واستخدامها لتقوية نفوذهم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي. وهنا تتجسد لنا شجاعة أمير المؤمنين وقدراته الفائقة، ليس بالبطش والتسلّط على الآخرين، إنما في تطبيقه العدالة التي أمر بها الله - تعالى- والتي تضمن للناس العيش الكريم وان تسود القيم الانسانية والاخلاقية بحيث «لا تَظلمون ولا تُظلمون».


ارسل لصديق