أمير المؤمنين (عليه السلام)، في شعر السيد سليمان الحلّي الكبير
كتبه: محمد طاهر الصفار
حرر في: 2016/05/05
القراءات: 653

ثمة تعميم في الألفاظ يكاد يطغى على ترجمات هذه الفترة ـ التي يعيشها الشاعر ـ من قبل الكتاب والمؤلفين الذين وثّقوا لشعراء تلك الفترة، فالمفردات التي استخدموها في ترجمة أي شاعر تجدها نفسها عند ترجمة كل الشعراء الذين عاصروه، ولا تجد من يميّز هذا الشاعر عن ذاك، إلا بمكان وتاريخ الولادة والوفاة، حتى تكاد تجزم أن المتنبي لو عاش في تلك الفترة لما اختلفت تلك الألفاظ عندهم ولا تجد من يميزه عن غيره من الشعراء بألفاظ جديدة.

فقد أولع كُتَّاب ومؤلفو تلك الفترة عند ترجمتهم لأي شاعر بألفاظ روتينية فتجد هذه الجمل تتكرر دائما: (كان فاضلا، أديبا، شاعرا، له مكانة كبيرة في المجالس الأدبية، فصيح اللسان، حسن الحديث، غزير الحفظ، سريع الخاطرة ...... الخ).

ونحن هنا لا نريد أن نحاكم هذه الظاهرة التي اشتهرت في ذلك الوقت فربما هناك أسباب نجهلها جعلت أولئك الكتاب والمؤلفين ينقلون لنا الترجمة كما وصلت إلينا وهم مع كل ذلك لهم الفضل الكبير واليد البيضاء علينا في نقل هذا التراث الثر من أدبنا الإسلامي والعربي، كما لا ننسى أن لكل عصر لغته وأسلوبه، ولكن الذي دعانا إلى هذا القول، هو التفاوت الذي يصل أحيانا إلى قدر كبير بين شعراء تلك الفترة، مما يستلزم تغيير الألفاظ، ويحق لنا أن نتساءل: هل علينا أن نكرر نفس عبارات الكتاب السابقين عندما نريد أن ننفض الغبار عن شعر أحد أولئك الشعراء وتسليط الضوء على شعره الذي وجدناه يرتقي كثيراً على شعر الكثير من أقرانه من الشعراء ؟ أرى أننا سنجحف بحقه ونغبن شعره إن فعلنا ذلك.

لم يكن قصدي أن أطرق باب النقد الأدبي حينما وجهت وجهي وقلمي الخجولين نحو هذه القامة الأدبية السامقة التي ظلمها الكتاب والمؤلفون والزمن والتاريخ معاً، ألا وهو السيد سليمان الكبير عميد أسرة آل شهاب المزيدية الحسينية العلوية والتي تمثّلتُ سيدها يقف بوجهه المشرق وبيده صولجان الشعر وبين يديه أفراد أسرته فوارس توارثوا مملكة الشعر بعده وقد حمل لواءهم حفيده السيد حيدر الحلي.

فتلك الأسرة ما زالت تنتظر من يكتب تاريخها المجيد وإنجازاتها وما تركته من ثروة علمية وأدبية، ويحدد دورها في التاريخ العلمي والأدبي والسياسي، فكل من تطرق لذكرها لا يعدو تلكم المفردات التي ذكرناها، ولعل ـ بل من المؤكد ـ أن من نقاد الحداثة ستقفز من بين ترهات حداثته، هذه العبارة: «إنها أسرة قديمة عاشت في الماضي، والأدب الآن لا يحتاج إلى أدبها وللزمن حدود»!! نقول له: صدقت يا سيدي الناقد الحصيف، صدقت إن للزمن حدود ولكن هل هناك حدود لمؤثرات الزمن وقد فاقت بعض تلك المؤثرات الأزمان اللاحقة ولا تزال بعضها إلى الآن حية وستبقى؟ فلم يجد الكثير من العباقرة على كل المستويات الإبداعية من يضع تفسيرا لعبقريتهم في زمنهم بل وحتى في الزمن الذي تلا زمنهم، في حين أن هناك أزمان موجودة ميتة ومؤثرات لا تتخطى حدود اللامبالاة ولنا أن نرد عليه بسؤال واحد فقط: ما مدى المؤثرات التي سيتركها هذيانك ؟

عذري من إطالة المقدمة ولكنني أحببت قبل الإبحار في شعر السيد سليمان أن أشير إلى أن شعره فاق في شعريته الكثير من شعر من عاصروه ورغم أني أختلف مع قول جول لمتر: (إن الأدب الجميل لا يشرح بل يسمع) كون أغلب الشعراء صنّاع جمال ولكن قلة منهم من يربط ذلك الجمال بالحقيقة، إلا أني أجد نفسي أتفق مع لمتر عند قراءتي الضئيلة لشعر السيد سليمان فما قدرها أمام هذا العالم الساحر بالجمال والحقيقة معا؟

 

 الحلّة تشعّ علماً وأدباً

لقد كان السيد سليمان ينبوعاً شعرياً تدفّق من عين الشعر الصافية وتدفّقت منه عيون الشعر فهو من أسرة آل شهاب العلوية الحسينية التي كان لها سجل حافل في الميادين العلمية والأدبية والسياسية، ونسبه يرتقي إلى مؤسس العربية الأول فهو: سليمان الكبير ابن داود بن حيدر الشرع ابن أحمد المزيدي ابن محمود بن (شهاب) ـ جد الأسرة ـ ابن علي ابن محمد ابن عبد الله ابن أبي القاسم ابن أبي البركات ابن القاسم ابن علي ابن شكر ابن أبي محمد الحسن ابن أحمد ابن أبي الحسن علي ابن محمد ابن عمر ابن يحيى ابن الحسين ابن زيد ابن الإمام زين العابدين علي ابن الحسين ابن علي ابن أبي طالب (عليهم السلام)، وقد لقب بالكبير تمييزاً عن حفيده السيد سليمان الصغير والد السيد حيدر الحلي، وتشير المصادر إلى أن موطن أسرة (آل شهاب) هو الحلة السيفية كما يقول ابن عنبة الحسني في عمدة الطالب وكان جده السيد حيدر الشرع متولي الأمور الشرعية وحل النزاعات في المزيدية، وهناك ضريح لوالد السيد حيدر الشرع وهو ضريح السيد أحمد المزيدي وهو مزار معروف يدل على ذلك، كما يعزز ذلك أن منطقة هناك بها بساتين وأراض تسمى (الشهابية)، ولا يعلم على وجه التحديد تاريخ هجرة هذه الأسرة إلى النجف الأشرف حيث ولد السيد سليمان الكبير.

كانت ولادة السيد سليمان عام (1141هـ) في النجف وأشارت المصادر إلى أنه درس فيها ـ كباقي أقرانه ـ علوم العربية والفقه لكنه زاد عليها الطب وبرع فيه حتى لقب بـ (الحكيم)، لكن تلك المصادر لم تشر إلى العلماء الذين درس على أيديهم، ولا الفترة التي درس فيها تلك العلوم، كما أنها لم تذكر طبيعة حياته والظروف التي جعلته يغادر النجف في عام (1175هـ) إلى الحلة في الوقت الذي كان أقرانه من طلاب العلم يغادرون الحلة إلى النجف، وتبقى تلك الأسباب مجهولة، ومهما تكن تلك الأسباب فقد كان لوجوده في الحلة أثر كبير في إعادة الروح العلمية والثقافية لتلك المدينة التي تدهورت فيها الحياة الثقافية، وأسدل الستار على قرون مضيئة بالعلم والأدب.

ولعل السيد سليمان كان يحمل في داخله هدفاً سامياً ونبيلاً من هجرته تلك فقد تحوّلت داره إلى مدرسة وملتقى لطلاب العلم والأدب والعلماء والأدباء، فكان من أبرز رواد هذه المدرسة الشيخ أحمد النحوي والشيخ درويش التميمي وابن الخلفة والسيد صادق الفحام والسيد شريف بن فلاح الكاظمي وغيرهم، إضافة إلى إغاثته المرضى القادمين من القرى والأرياف وهو يمارس مهنته الإنسانية الطب.

 

 التصدّي لظلم وجور العثمانيين

كوّن السيد سليمان في الحلة أسرة سجلت في تاريخ الحلة والعراق أروع الصفحات المشرقة في الميادين العلمية والأدبية والسياسية، وكان لها دور كبير ومؤثر على الواقع الإجتماعي والثقافي والسياسي، فقد نهج أبناؤه منهجه وتوارثوا عنه علمه وشعره فكانت أسرة علمية أدبية بامتياز، يقول الشيخ محمد علي اليعقوبي في البابليات (ج1ص194) والسيد محسن الأمين في أعيان الشيعة (ج7ص298) والأستاذ عمر كحالة في معجم المؤلفين (ج4ص263) : (اتقن ـ أي السيد سليمان ـ العلوم وبرع في الطب والأدب وصنّف بكل علم وفن كتاباً) وذكر الأستاذ محمد الخليلي ترجمته في كتابه (أدباء الأطباء)، ويصف الخاقاني في البابليات دار السيد سليمان بقوله: (وقد عدّها الحلّيون آنذاك مدرسة يُحجُّ إليها من مختلف القرى والأرياف)، كما يصف السيد سليمان بأنه (من مؤسسي دولة الأدب في الحلة) ووصف أسرته بـ (مؤسسي نهضة الحلة الأدبية في القرن الثالث عشر).

 وكان للسيد سليمان أربعة أولاد أكبرهم السيد حسين الذي كان ملازماً لوالده وورث عنه مهنته إضافة إلى مكانته العلمية والأدبية والإجتماعية، فقد كانت له هيبة وجلالة عند حكام الحلة وولاة بغداد العثمانيين، وقد لُقّب بالحكيم، ولقمان عصره، ومحيي الموتى لعلاجه الحالات المستعصية والميؤوس منها فـ (نهض بزعامة الأسرة بعد أبيه) كما يقول اليعقوبي، وللسيد حسين قصيدة في ديوانه وثّق فيها الغزو الوهابي يقول عنها الباحث محمد حسن علي مجيد في كتابه (الشعر في الحلة ص152): (ومن الغريب أننا لم نظفر من الشعر الحلي في الحوادث الوهابية سوى قصيدة واحدة للشاعر السيد حسين بن السيد سليمان الكبير).

أما ثاني أولاد السيد سليمان فهو داود الذي وصفته المصادر بأنه كان: (فقيهاً عابداً صالحاً أديباً) وقد ألّف داود كتاباً عن سيرة النبي والأئمة المعصومين (عليهم السلام) وختمه بسيرة أبيه، وله ديوان أيضاً، وكان من أعلام هذه الأسرة ابنه السيد سليمان الصغير والد السيد حيدر الحلي، والسيد عبد المطلب بن داود بن مهدي بن سليمان الكبير، والسيد مهدي بن داود بن سليمان الكبير صاحب  كتاب (مصباح الأدب الزاهر) والذي افتتح مدرسة يقيم فيها الصلاة والتدريس، وأبرز أعلام هذه الأسرة  السيد حيدر الحلي الذي وصفه السيد محمد القزويني بـ (أشعر الطالبيين).

فلا تزال هذه الأسرة عيناً تتفرّع منه ينابيع الشعراء، فكان من فرع السيد حيدر ابنه السيد حسين ثم السيد عباس بن السيد حسين، ومن فرع أخيه داود السيد علي والسيد عبد المطلب، وقد عدّ الشيخ محمد علي اليعقوبي في البابليات أربعة عشر شاعراً من أعلام هذه الأسرة وأورد نماذج كثيرة من شعرهم، كما جاءت ترجمتهم في أدب الطف للسيد جواد شبر، وأعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، والأعلام للزركلي، ومعجم رجال الفكر والأدب في النجف.

ولم يقتصر نشاط هذه الأسرة وإنجازاتها على الميادين العلمية والأدبية، فقد كان لها دورها السياسي في مقاومة الإحتلال العثماني الظالم، والذي تخطى حدود القصائد والخطب ليصل إلى المواجهة، فقد تعرّضت دور آل سليمان إلى الحرق والنهب عدة مرات على يد العثمانيين، وضاع بسبب ذلك الكثير من الثروة الأدبية والعلمية لهذه الأسرة بعد قيام السيد عبد الله بن السيد سليمان الكبير بقتل حاكم الحلة العثماني المستبد، كما قاد أخوه السيد علي بن سليمان انتفاضة أهل الحلة المناهضة للعثمانيين والتي انتهت بإعدامه مع مجموعة من أفراد أسرته وقطع رؤوسهم وإرسالها إلى داود باشا في بغداد، وهناك الكثير من الأحداث المتشعبة التي جرت لهذه الأسرة والتي نادرا ما يجود الزمان بمثلها تركناها خشية الإطالة، ولنعد إلى شعر السيد سليمان الكبير عميد هذه الأسرة.

 

 

 إيمان بالمنهج لا تشوبه شائبة

لعل أول ما يتبادر إلى القارئ لديوان السيد سليمان إنه اقتصر على أهل البيت (عليهم السلام) مدحاً ورثاءً ابتداءً بالرسول الكريم ثم أمير المؤمنين فالزهراء فالحسين (عليهم الصلاة والسلام) وقد غُلب على شعره أحداث الطف، فهو ملتزم بخط ثابت لا يحيد عنه، منطلقاً من إيمان لا تشوبه شائبة بالمنهج الذي يسير عليه.

بلغت قصائد الديوان (33) قصيدة في (1906)  ابيات اعتمد فيها الشاعر على مخزون لغوي وعلمي وتاريخي واسع ورغم أنه حذا نهج الأقدمين في نمطهم الشعري المألوف في مثل المقدمة الطللية وغيرها إلا أن النفس الشعري الطويل يشيع ويأخذ أبعاداً وجدانية عميقة تجلّت في إيمان الشاعر وحبه لمن أخلص له، لقد شُغف شاعرنا بشخصية الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام) فملأت كيانه و وجدانه و روحه و ضميره فهام بهذا الكمال الانساني والذروة من الخلق البشري فاذا بقلمه يسكب هذا الوله شعراً يفصح فيه ما أفاضت عليه جوارحه يقول من قصيدة بلغت (80) بيتا:

 

حارت بكنهِ صفاتكَ الأحلامُ

وتعذّر الإدراكُ والإلهامُ

وتخالفت فيكَ الظنونُ فلم تحط

بدقيقِ معنى وصفكَ الأفهامُ

يا سرَّ سرِّ اللهِ بل يا نوره

هل كيف تدركُ ذاتكَ الأوهامُ

وتباينت فيكَ العقولُ ففرقةٌ

عرفت وقد عجزت وقومٌ هاموا

وعصابةٌ جحدتكَ بعد تيقّنٍ

حسداً فضلّت منهم الأحلامُ

ولذا يصحُّ فيكَ يا مولى الملا

إعلان خير الخلقِ والإعلامُ

 

ثم يشير إلى بعض فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) يوم خم والآيات التي نزلت بحقه في القرآن:

 

واسأل لمن جمعت حدائجُ خُمِّها

ومن المبخبخُ مُكرَها أيُلام ؟

واسأل عن الأعرافِ فيمن أُنزلت

والحِجرُ والأنفالُ والأنعامُ

من ردَّ شمسَ الأفقِ بعد غروبِها

من كلّمَ الأمواتَ وهيَ عظامُ

 

فأمير المؤمنين هو المثل الأعلى للشاعر وهو حينما ينبري للقصيدة فإنه لا يماري ولا يحابي بقول الحقيقة ومن أحق بالمدح من علي بن أبي طالب وقد جاء مدحه في القرآن، يقول من قصيدة بلغت (81) بيتاً:

 

لقد أوجبت آي الكتاب ودادهم

وود سواهم لو زكا غير واجبِ

بهم من عليٍّ آية الله آية

سمت بهم في الفخر أعلى المراتبِ

هو العروة الوثقى حوى أي عصمة

هو الآية الكبرى رقى أي غاربِ

فلو لم يكن خير الورى وإمامها

لما جاز أن يرقى خيار المناكبِ

ولو لم يكن سيف النبوة لم تقم

لها حجة من بين تلك المذاهبِ

ولو لم يكن يوم الغدير مؤمّراً

لتفسير (بلّغ) كان ليس بصائبِ

ولو لم تُفسّر فيه (أكملت دينكم)

لعاب علينا قولنا كل عائبِ

ولو لم يكن مولى الورى مثل حيدرٍ

(فما هو إلا حجة للنواصبِ)

إذا قلتُ: نفس المصطفى كنتُ صادقاً

وإن قلتُ: عين الله لستُ بكاذبِ 

فإن أطمع الأقوام مدح سواكم

فمدحكَ في الدارين أوفى مكاسبي

أتخشى سليمانٌ وجدُّكّ حيدر

له العزمة الكبرى بكل النوائبِ

سروركَ يضحى بالمنى غير ذاهبٍ

وحزنك يمسي بالهنا غير آئبِ

فصلى عليه الله ما ذر شارق

وما أرضعت روضا ثدي السحائبِ   

 

ويسترسل شاعرنا في تعديد فضائل أمير المؤمنين (ع) ومناقبه التي لا تحصى فيذكر بالتفصيل حروبه ومواقفه مع النبي (ص) في بدر وأُحد وخيبر والخندق وحنين ثم يستعرض حادثة الغدير ويقدم أدلة كثيرة على أحقية الإمام (ع) بالولاية كما يستعرض احداثاً كثيرة جرت بعد وفاة الرسول الاعظم (ص) يطول شرحها ولا يسعها هذا المقال

 

فلا فضل إلا وهو فيه مقدم

فتأخيره في العقل أشنا الغرائبِ

أمن كان مفضولاً كمن كان فاضلاً

سواء وذو عيب كخالي المعائبِ

فيا شنعة عمياء تاه بصيرُها

مناقبه قد عُودلت بمثالبِ

لقد نهجت نهج الضلالِ بغيِّها

وقد بدّلت أسدَ الوغى بالثعالبِ

متى كنت يا نفس الرسول مؤخّراً

عن الرتبة القصوى وعالي المناصبِ ؟

إذا كنت أيام النبي مقدّماً

فمن بعده أولى بأعلى المراتبِ ؟  

 

ويدل مدح السيد سليمان لأمير المؤمنين (ع) على تضلعه في القرآن الكريم وتفاسيره والاحاديث النبوية الشريفة إذ استعار في مدحه بعض هذه الآيات الكريمة والاحاديث الشريفة في حقه (ع) يقول من قصيدة بلغت (83) بيتاً:

 

فدعها والمسير فحيث تهوى

طلاب دونه أعلى الطلابِ

إلى ظل الإله وسر قدسٍ

تلألأ من ذرى أسمى حجابِ

إلى البطلِ الكمي وبحرِ جودٍ

 سواحله الندى دون العبابِ

إلى علمِ الهدى ومنارِ قدسٍ

يلوحُ بفصلهِ فصلُ الخطابِ

إلى نورِ العليِّ ومن لديه

وهو في أمِّ الكتابِ

صراطٌ مستقيمٌ بل حكيمٌ

بأمرِ اللهِ في يومِ الحسابِ

قسيمُ النارِ والجنّاتِ بين

الخلائقِ كلها يوم المآبِ

ومن قد قال فيه الله: (بلّغ)

لأحمد بعد تعظيم العتابِ

وإلّا لم تكن بلّغتَ عني

ولم تكُ سامعاً فيه جوابي

فقامَ له بها بغديرِ خُمٍّ

خطيباً مُعلناً صوتَ الخطابِ

ألا من كنتُ مولاه فهذا

له مولىً ينوبُ بكم منابي

فوالوا من يواليه وعادوا

معاديه وفوزوا بالثوابِ

بأمر الله قوموا بايعوه

على نهج الهداية والصوابِ

فبايعه الجميع وما تأبّى

شريفٌ أو دنيٌّ في الصحابِ

فمنهم مؤمنٌ سرّاً وجهراً

 ومنهم من ينافقُ في ارتيابِ 

 

ويقول من قصيدة أخرى في نفس الغرض بلغت (51) بيتاً

 

كم زاحمتها تيمها وعديّها

يا للرجال لوهمها المشنوعِ

هذي الخلافة بينهم مظلومةٌ

ما بين مفضولٍ إلى مصفوعِ

عدلت بحيدرةٍ عتيقاً ويلها

قبحاً لها من تابعٍ متبوعِ

كم دافعَ الأهوالَ دونَ محمدٍ

واحسرتاه لدافعٍ مدفوعِ

 

وكل قصائده حملت هذا الحس المفرط من قوة العاطفة وصدق الاحساس وشدة الانفعال.

كما أنه على جانب كبير أيضاً من سعة الخيال وعمق التفكير وجودة التصوير وبلاغة التعبير، يقول من قصيدة بلغت (82) بيتاً:

 

صهرُ المختارِ قسيمُ النارِ

حميُّ الجارِ من النقمِ

مولودُ البيتِ ومحيي الميــتِ

وليُّ الله على الأممِ

وزينُ الزينِ أبو الحسنيــنِ

ومهدي الحَينِ إلى البُهمِ

وأخو الهادي وخليفته

والعروة منه لمعتصمِ

فالدين به وبصارمهِ

عن كل أذى يلقاه حمي

نطق القرآن بمدحته

فولايته أوفى النعمِ

وتمنى بعض فضائله

عمر لو تحصل للقرمِ

إذ قال حُبي بثلاثٍ لو

أحظى فيها لَعَلَت قدمي

بل لو أحظى بواحدةٍ

لحقرت بها حمر النعمِ

منها التزويج بفاطمةٍ

أم العظما ذات العظمِ

وإخاء رسول الله له

لما آخى بين الأممِ

وعطيته علم الهيجا

في خيبر عن منع العلمِ

 

ويضمن قول النبي (صلى الله عليه وآله): (يا علي ما عرف الله إلا أنا وأنت، وما عرفني إلا الله وأنت وما عرفك إلا الله وأنا).

عليٌ ليس يدري من علي

سوى الباري وأحمد والكتابِ

وعن مولد أمير المؤمنين الشريف في بيت الله الحرام يقول السيد سليمان من قصيدة بلغت (112) بيتا:

 

من شرّف البيتَ به

وشُرِّفت كوفانُه

إن ينكروا ما خصه

من فضلهِ ديانُه

أو يغمطوا أفضالَه

يشهد له فرقانُه

أو يجحدوا خُمَّا فقد

قالت به عدوانُه *

 

لقد شُغف شاعرنا بشخصية الامام علي بن ابي طالب عليه السلام فملأت كيانه ووجدانه وروحه وضميره فهام بهذا الكمال الانساني والذروة من الخلق البشري فإذا بقلمه يسكب هذا الوله شعراً يفصح فيه ما أفاضت عليه جوارحه.

------------

* تنويه للقارئ العزيز: حصل تغيير في نمط عدد من الأبيات المدورة الواردة في المقال، لضرورة فنية.


ارسل لصديق