شهر رمضان يوقظ آمال التغيير والتنمية الشاملة
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2016/06/21
القراءات: 642

تسعى دول العالم، بمؤسساتها الحكومية وغير الحكومية، جاهدة الى تغيير واقع شعوبها نحو الافضل، ومعالجة المشاكل التي تعانيها وعلى مختلف الاصعدة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والصحية والامنية، واعتمدت في سبيل ذلك، منهج وضع الأُطر والقنوات العامة المفروضة على الانسان من الخارج، والتي تهدف تحقيق ذلك، وشرعت لأجل ذلك التشريعات وسُنت القوانين ووضعت الانظمة، وصرفت في سبيل ذلك المليارات، وأسست المؤسسات ومراكز البحوث والدراسات، بل وخُصصت العلوم العامة والتخصصات الفرعية، واهتمت بعلوم الاجتماع والنفس والتعليم أيما اهتمام.

 

بين الردع الخارجي والباعث الداخلي

1- الردع الخارجي:

من أجل حماية الامن الداخلي، شُرعت عقوبات رادعة لمن يتجاوز عليه، كما وضعت لتحقيق هذه الغاية، قوات أمن، ومحاكم وغيرها، ورغم كل ذلك لم توقف هذه التجاوزات، ولم تصل بمجتمعاتها الى مستوى الامان الحقيقي؛ ذلك ان هذه الاجراءات انما تكون وفي معظم حالاتها، بعد وقوع التجاوزات أولا، واهم من ذلك انها لا تعالج جذر المشكلة، التي تكمن في نفس الفرد الذي يرتكب هذه الانتهاكات، في حين كان المفترض الاهتمام بمنظومات الامن ان تفكر في التغيير الذاتي لابنائها، لانه يقضي على الانتهاكات قبل حدوثها، بينما القوانين تعاقب الافراد بعد ارتكابها، وان كانت العقوبات بحد ذاتها رادعة ايضا.

2- الباعث الداخلي:

ثم توصلت هذه الدول الى مسألة الاهتمام بما يعرف اليوم بـ»التنمية البشرية». بمختلف مسمياتها ونطاق اختصاصاتها لتحقيق هذه الغاية. والتي هي في حقيقة الامر تهتم بتطوير الانسان كفرد ليكون عنصرا فاعلا في المجتمع، بمعنى إحداث التغيير الذاتي للوصول الى التغيير الاجتماعي الشامل عبر تغيير مجموع، او معظم افراد المجتمع.

بحيث تكون القيم والثقافة الذاتية للإنسان هي المحرك والباعث له نحو توجيه جهوده للبناء لا للهدم.

وعليه؛ يمكن القول: إن منهج التغيير الذاتي للفرد نحو الرقي، هو المنهج الأصح للوصول الى مجتمع يتميز بالرقي؛ ذلك ان المجتمع هو عبارة عن مجموعة افراد، فإذا تغير الافراد على المستوى الشخصي، سيتغير المجتمع تبعاً لذلك التغير الذاتي، وسيكون كل عنصر فاعل، مساهم في حيوية المجتمع لا عيالاً عليه، او مسيئاً اليه، ومن ثم تقلّ الحاجة الى الأطر والاجهزة الرقابية وأدوات الردع لتسيير شؤون المجتمع.

ولكن؛ ما هو سبيلنا؛ افراداً ومؤسسات وحكومات، الى هذا التغيير الذاتي المنشود؟!

 

محطة التغيير الذاتي الكبرى

شهر رمضان الفضيل ربيع القلوب وحياة النفوس ومبعث الخير ووسيلة التقرب الى الله تعالى، وهو قنطرة تقربنا الى الله تعالى وهو المدرسة التي تتربى فيها عقولنا على وعي الحقائق وإدراك المعارف وانتهاج الحكمة في معالجة الحوادث، فشهر رمضان هو محطة التغيير الذاتي الكبرى وهو مدرسة تربوية، شريطة ان ينظر اليها الانسان كمدرسة يتعلم فيها القيم والمبادئ الاخلاقية والروحية، أما الذي يدخل هذا الشهر الكريم كما يدخل أي شهر آخر، فانه سوف لا يصبح بالنسبة اليه مدرسة بل قد يسبب له انتكاسة وهبوطا في المستوى الروحي، بدلاً من ان يدفعه نحو الامام، فما ينبغي علينا فعله في هذا الشهر لنحقق هذا التحول المطلوب ؟

وهذه أهم حقيقة يجب ان ندركها في هذا الشهر الفضيل؛ فالصيام بحد ذاته مدرسة؛ لانه يربي في الانسان الارادة ويزوده فوق ذلك بصفة التقوى؛ هذه الصفة التي بها يقاوم الانسان ضغط الشهوات، والتقوى اعظم سلاح بيد الانسان، بواسطتها يسخر الطبيعة ويذللها، ويقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، فالهدف من الصيام هو تنمية ملكة التقوى في نفس الانسان؛ ولكن هل بإمكان الانسان ان ينتفع بالصيام دون ان يسعى من اجل الحصول على هذه الصفة المثالية؟ الجواب؛ كلا، فالذين يصومون دون ان يخلصوا لله تعالى عبادتهم، ودون ان يوحوا الى انفسهم بالدافع الحقيقي للصوم، ويصومون دون ان يتورعوا في ايام وساعات صومهم ويوم افطارهم، فان مثل هؤلاء لا يمكن ان يستفيدوا من شهر رمضان الفائدة المرجوة، كما جاء في الحديث الشريف: «كم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش».

 

التقوى قاعدة المجتمع

هناك الكثير من الانظمة التي يحافظ بها الاسلام على استقامة الفرد والمجتمع وصلاحه والتي من شأنها ايجاد الديناميكية والحيوية داخل المجتمع المسلم، وحفر القنوات التي تجري عبرها طاقات وفاعليات افراده في الاتجاه الصحيح. والحديث عن هذه الانظمة والقنوات ليس حديثا مقتضباً لكثرتها وتشعبها، إلا ان تلك الانظمة والقنوات تعود الى نقطة محورية واحدة هي التقوى؛ تلك الارضية الثابتة التي يبني عليها الاسلام الكيان الاجتماعي؛ فالتقوى هي القاسم المشترك لكل التوجيهات والتعاليم السماوية، ولو انتزعنا التقوى من مجتمع، فلن يكون اسلاميا حتى ولو طبق القوانين الاسلامية لان التطبيق الخالي من الروح (التقوى) هو تطبيق أجوف. ولو تدبرنا القرآن العظيم، نجد انّ التقوى هي محور اساس لآيات القرآن؛ فلماذا شرع الصوم؟ ولماذا الحج؟ ولماذا الزكاة؟ ولماذا شرع القصاص؟ كل ذلك للتقوى.

فالتقوى هي محور سؤال بعضنا عن بعض ومحور ثقتنا ببعض، ومن ثَمّ هي اساس وقاعدة كيان مجتمعاتنا، اذ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}، (سورة النساء، الآية:1) وفي آية أخرى، يجعل القرآن العدالة، التي هي قوام المجتمع، أحد افرازات التقوى؛ اذ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، (سورة المائدة، الآية:8)، وفي آية اخرى يجعل القرآن، الخير والرفاهية والسعادة، التي تبتغيها الحكومات لشعوبها، مبنية على اساس التقوى؛ إذ يقول تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}، (سورة الاعراف، الآية:96)، وفي آية اخرى يجعل القرآن الحكيم، التقوى ركيزة للبناء الاجتماعي الاسلامي ويقول: {...لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ}، (سورة التوبة، الآية:108).

والقرآن الكريم حين جعل التقوى محوراً للسلوك، لم يحصره في اطار الفرد، وإنما جعله تياراً اجتماعياً، فكان خطابه جماعياً؛ ﴿هدى للمتقين، و﴿موعظة للمتقين، و﴿العاقبة للمتقين؛ واذن؛ اكتساب التقوى هو محور التنمية الفردية والاجتماعية، وهي التغيير الذاتي بحد ذاتها

 

خطوات على طريق التغيير والتقوى:

1- استقبال الشهر ضرورة

ان اول خطوات التغيير الذاتي في هذا الشهر، ضرورة استقباله، فمع اطلالته يستقبله الناس حسب درجة ايمانهم ومدى معرفتهم بفضائل ومكارم هذا الشهر العظيم، فبعضهم يستقبله في غُرة شهر رجب، والبعض الآخر في الايام الاولى لشهر شعبان، وبعضهم في منتصفه او في نهاياته، بينما البعض الآخر لا يستقبله بالاساس! فهو يدخل عليه الشهر ويخرج، دون ان يشعر به، وقد بلغنا أن رسول الرحمة، كان يصوم شعبان كاملاً تعظيما لشهر رمضان الكريم.

2- الاعتراف بالنواقص

علينا ان ندخل مدرسة شهر رمضان المتكاملة لكي نزكي انفسنا من خلال معرفة الله، وتلاوة القرآن الكريم، وتزكية الانسان لنفسه بان يعترف سلفاً بأخطائه ونواقصه، فالإنسان الذي يرى نفسه انه كامل، لن يتذوق طعم التزكية.

3- التوبة

ان اهم عطاء يمكن ان نستفيد منه في هذا الشهر؛ ولوج باب المغفرة والتوبة الى الله سبحانه وتعالى، فما دامت لياليه افضل الليالي، وأيامه افضل الايام، وساعاته افضل الساعات، فان كل لحظة من هذا الشهر تدعونا لاستثمارها عبر الرجوع والعودة الى الله، والى رياض الايمان، بالتوبة من الذنوب، والتوبة تعني فيما تعني؛ الندم والحسرة على ما أفرط العبد في جنب الله، وعلى ما ارتكب من ذنوب تراكمت حتى اصبحت حجابا بينه وبين الله.

ان الكثير من الناس يدعي التوبة، ولكن في واقع الامر يعيش الازدواجية في شخصيته؛ ففي داخل قلبه يستشعر عدم اقتراف الذنب ويعيش طيلة حياته في حالة من التبرير والخداع الذاتي، {يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ}. (سورة البقرة، الآية:9)

4- التدبر في القرآن والسنة

إن شهر رمضان هو شهر القرآن وربيعه، ففي طياته تلك الليلة المباركة التي هي خير من الف شهر، أي إنها خير من ثلاثين الف ليلة، وسر هذا التفضيل يكشفه لنا القرآن الكريم في قوله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، (سورة القدر، الآية: 1) ولذا فمن المظاهر الكبرى لعظمة شهر رمضان، انه ربيع القرآن الذي ينبغي لنا ان نستثمر اوقاته في تلاوته، وان نعقد العزم على ختمه اكثر من مرة، والتدبر فيه وإجالة النظر في آياته وما تنطوي عليه من أبعاد فكرية واجتماعية وسياسية واقتصادية واخلاقية وغيرها. فلا ينبغي ان تكون تلاوتنا مجرد قراءة عابرة.

5- ربيع الدعاء

شهر رمضان هو ربيع الدعاء، والدعاء مدرسة للانسان، يستطيع من خلال التتلمذ فيها، ان يسمو الى أعلى عليين ويصقل ذاته ويبلور مواهبه ويتعرف على الطاقة الكامنة في نفسه ليستخرج كنوزها من خلال الدعاء، فلو تدبر الانسان المسلم في أدعية شهر رمضان المبارك لحصل على جزء لا يستهان به من هذه الاهداف.

6- شهر المواساة

ان اهم ما فرض علينا في هذا الشهر العظيم، المواساة للاخوان، لاسيما وأن المؤمن يصوم ويمتنع عن الشهوات والطعام والشراب ليحسّ بألم الجياع والفقراء والمعوزين الذين هم بجوارنا، إن المواساة تعني ان تنفق مما عندك من مال او كلمة طيبة او خدمة انسانية للآخرين، كما ان مواساتنا لمن فقد عزيزاً او عيادة مريض، او ارشادنا للذي ضلّ في عمله عبر توجيهه ونصيحته لكي يتوفق في عمله الدنيوي والاخروي، كلها تدخل في باب المواساة للاخوان، ومن هنا يقول رسول الرحمة في خطبة شهر رمضان: «...اتقوا النار ولو بشق تمرة».

 

الاستثمار في الشهر الفضيل

وهكذا؛ فما دام الافراد يسعون الى تحقيق طموحهم بالتنمية الشاملة، وكذلك سعي الحكومات والدول للتطور في ميادين الاقتصاد والاجتماع والثقافة والعلم والامن وغيرها، فانهم سيدركون أخيراً ان التغيير الذاتي.

وغرس القيم هو المنهج الاسلم لتحقيق هذا الهدف، لذا صار من الاهمية البالغة ان يكون شهر رمضان المبارك حقلاً للاستثمار، ومحطة للبرمجة وإعادة الحسابات بالالتفات الى جانب التقوى، وما دام هذا الشهر مدرسة التقوى، وانها اساس وقاعدة كيان مجتمعاتنا وركيزة للبناء الاجتماعي، وان العدالة التي هي قوام المجتمع، فان الخير والرفاهية والسعادة التي تبحث عنها الحكومات لشعوبها، مبنية على اساس التقوى.

وما دام شهر رمضان، هو شهر المواساة والاهتمام بشؤون المسلمين، فان لهذا الامر اهمية اقتصادية كبرى تتضمن القضاء على الفقر والبطالة، فاذا ما نجحنا باستثمار الشهر الكريم و إدامة زخم العطاء الى شهر رمضان القادم، وجعلنا العطاء الذي غُرس في شهر رمضان هذا العام، قيمة ثابتة في النفس، فان هذا الامر سيدفع عجلة الاقتصاد والتنمية الاقتصادية، ومن ثم الاجتماعية، سيدفعهما الى الامام، وما ينعكس منهما على الواقع التعليمي والصحي والتكنولوجي والاستقلال السياسي، وغيرها من جوانب الحياة.

كذلك؛ فان لشهر رمضان بركة عظيمة تتمثل في استثارة المشاعر الخيّرة في المجتمع، حيث التعاطف والتراحم وانتشار المودة بين افراد المجتمع مما يعزز أواصر الاخوة في الايمان، فالمؤمن الغني يحسّ في اعماق وجدانه بالحنان تجاه الفقير، فالذين فرقتهم نزغات الشيطان، تجمعهم مائدة هذا الشهر على حب الله تبارك وتعالى، فتزول الاحقاد وتضمحل العداوات؛ ذلك لان النفوس تسمو عندما تجتمع في رحاب الرحمة الالهية.

ورسالتنا الى المسؤولين في الدولة واصحاب القرار، استثمار نعمة هذه المشاعر الخيّرة التي تتوهج في نفوس الناس، وما احوجنا اليوم الى هذه المشاعر في دعم وحدة شعوبنا وتوحيد الكلمة والصف!

كما ان كون شهر رمضان، شهر الدعاء وشهر التوبة والغفران، سيدعو الافراد الى مراجعة انفسهم والتوبة عن ذنوبهم، ولاسيما تلك التي تؤثر في المجتمع، وتسبب له الضرر، فيتحول الفرد من التأثير السلبي الى التأثير الايجابي والبناء، سواء أ كان وزيراً أم قاضياً أم معلماً أم عاملاً او غيره من اصناف المجتمع.


ارسل لصديق