المائدة الرمضانية والتأمل في الواقع الفاسد
كتبه: محمد علي
حرر في: 2016/06/21
القراءات: 572

الإسلام دين قائم على البناء والمعرفة والعلم، وفي نفس الوقت يدعو للأخذ بالأسباب لتحقيق التطلعات والوصول إلى الأهداف، وعدم الخضوع إلى منطق التبرير والعجز، ولذلك كانت إحدى المهمات العظيمة التي تكفّل بها رسول الله، صلى الله عليه وآله، هي تحرير الإنسان من أغلاله وقيوده كما ذكر ربنا عز وجل: {وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ}، (سورة الأعراف: 157).

وقد عمل الإسلام على تحقيق ذلك من خلال جانبين يرتبطان ببعضهما ارتباطاً وثيقا، ولا يمكن الفصل بينهما، بحيث يُؤخذ بجانب فقط بينما يترك الى جانب الآخر:

الجانب الأول: مجموعة من المظاهر التي تعطي للإنسان المسلم شخصية مميزة ومستقلة من خلال العبادات والسلوكيات الجمعية التي تربط بين الناس، كالصلاة والصوم والحج وغيرها.

أما الجانب الثاني: الالتزام بمنظومة القيم والمفاهيم التي تدفع باتجاهها تلك العبادات والسلوكيات كالصدق والإخلاص وحسن الخلق وتحمل المسئولية.

وشهر رمضان المبارك يمثل أحد المظاهر العبادية التي تكتنف مخزوناً عظيماً من القيم والمفاهيم السامية التي يعمل الإسلام على غرسها في نفوس أبنائه، ولذا قال عنه رسول الله، صلى الله عليه وآله: «أيها الناس انه قد اقبل إليكم شهر الله تعالى بالبركة والرحمة والمغفرة»، وهذا يمثل امتيازاً ليس له مثيل بالنسبة للمسلمين لو عملوا على فهمه والانفتاح عليه بصورة واعية، ولتمكنوا من تحقيق نهضة كبرى في حياتهم على جميع الأصعدة؛ الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، كما جرب المسلمون ذلك بنجاح في صدر الإسلام، فحققوا الانتصارات وامتدوا في الآفاق وقدموا نموذجاً رائعاً للعالم.

إذن؛ أمامنا في شهر رمضان المبارك فرصة كبيرة للتأمل ومراجعة الذات على كل الصعد، بدلاً من الاكتفاء بجعل شهر رمضان المبارك مجرد تراث فلكلوري لقضاء الوقت في مظاهر لا تمت إلى العقل والواقع بصلة.

إن الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، يوجهنا لاستثمار هذه الفرصة العظيمة في شهر رمضان المبارك من اجل بناء الذات والانطلاق نحو تغيير الواقع من خلال استثمار الجهد والزمن وتوظيف كل ما عندنا من اجل ذلك، لذا يقول، صلى الله عليه وآله: «...شهرٌ هو عند الله أفضل الشهور، و أيامه أفضل الأيام، و لياليه أفضل الليالي، و ساعاته أفضل الساعات. و هو شهر قد دعيتم فيه إلى ضيافة الله و جعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، و نومكم فيه عبادة، و عملكم فيه مقبول، و دعاؤكم فيه مستجاب؛ فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة، و قلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه، و تلاوة كتابه، فإن الشقيّ من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم».

ولو تدبرنا في هذه التوجيهات السامية لرأينا فيها زاداً حقيقياً لكي نطلق نهضة كبرى في حياتنا؛ ولكن المؤلم أن نرى عكس ذلك، فبدلاً من أن يرحم الناس بعضهم البعض في شهر الرحمة، وإذا نلاحظ واقع الاسواق يشهد مع حلول الشهر الكريم، ارتفاعاً جنونياً لأسعار المواد الغذائية، وبدلاً من أن نستثمر أوقاتنا التي هي أثمن ما عندنا، وإذا بنا نرى بعض الفضائيات ووسائل الإعلام، التي من المفترض بها أن تملأ عقول الناس بالمعرفة والفكر، لأننا أمة القلم وأمة العلم، نراها تنفق وتُعد برامجاً ذات محتوى هابط وسطحي، همّها إثارة الغرائز وقضاء الوقت، بل والانفصال عن الواقع المرير الذي نعيشه، وكأننا أمة قد أنجزت ما عليها، ووصلت إلى سطح القمر وصنعت ما صنعت ولم يبق عليها إلا أن تقضي أوقاتها في وسائل الترفيه والعبث، وبينما يصنع الآخرون ويزرعون ويكتشفون، نبقى نحن مجموعة من المستهلكين، نمثل الأسواق المفتوحة لكل جديد في عالم اليوم بلا حول ولا قوة.


ارسل لصديق