حوار حول سورة الشمس - القسم الثاني ... (من الآية التاسعة حتى نهاية السورة)
حوارات حول القرآن الكريم .. (34)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2016/06/21
القراءات: 561

(بسم الله الرحمن الرحيم)

قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (11) إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (12) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (13) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (14) وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا (15)

 درجات الكمال

* في قوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا}، وهو جواب الأقسام السابقة، ما هي صور الفلاح اذا زكى الانسان نفسه؟

- عظيمـة جداً نعمة العقل الذي هو مرآة للطبيعة، تعكس ما فيها من خير وشر، وحسن وقبح، وجمال ودمامة؛ وأعظم منها المشيئة التي بها يتم انتخاب الانسان لواحد منهما، ويبلغ بها البشر أرفع درجات الكمال المتمثلة في الفلاح، أَوَليس الفلاح بلوغ المنى، وتحقيق أبعد الأهداف والغايات؟

بلى؛ ولكن كيف يبلغ الانسان ذلك؟ الجواب: بتزكية النفس وتطهيرها من حوافز الشر، ورواسب الشرك، ووساوس الشيطان ولذا قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا.

قالوا: الزكاة بمعنى النمو والزيادة؛ ومنه زكاة الزرع إذا كثر ريعه، ومنه تزكية القاضي للشاهد لانه يرفعه بالتعديل.

ويبدو لي ان أصل معنى الزكاة التطهير، وبما ان الشيء الطاهر ينمو بينما لا يكون الخبيث إلا نكدا، تلازم معنى الزكاة والتطهير.

و قال بعضهم إن أجواد العرب كانوا ينزلون الروابي والمرتفعات ليسهل على أصحاب الحاجة الوصول اليهم؛ بينما اللئام كانوا يختارون الأطراف و المنخفضات هربا من الفقراء و طالبي المعروف؛ فأولئك علوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها.

 

  ركام فوق ركام

* في المقابل؛ قال تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}؛ فما هي علاقة الدس بالخيبة؟

- كما ان من زكى نفسه، وطهرها من أدرانها، وأنقذها من قيودها وأغلالها ينطلق في معارج الكمال، ويبلغ الفلاح؛ فان من دس نفسه في أوحال الجهل، و سلاسل العبودية  للمال والجاه؛ فانه يخيب ولا يبلغ أيا من أهداف وجوده؛ وذلك قوله تعالى: {وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا}. واصل الدس من التدريس، وكما قالوا: هو إخفاء الشيء في الشيء؛ فأٌبدلت سينه ياءً، كما يقال: قصيت أظفاري، وأصلها قصصت أظفاري.

والدس - وهو الإخفاء - والخيبة  تعبيران متناسقان؛ ذلك ان الخيبة - التي هي خسارة غير متوقعة، وفشل غير محتمل - تأتي نتيجة الإحجام والإنطواء والإنغلاق، والنفس مثل كتلة عظيمة من الأحجار الكريمة أٌخفيت تحت ركام من الرمل والحجر؛ ماذا تنفع هذه الكتلة لو زدناها ركاما فوق ركامها؛ انما تنفع إذا استخرجناها، ونظفناها، وأبعدنا عنها الأجسام الغريبة؛ كذلك أنت- أيها الانسان- كتلة هائلة من المواهب والفرص، بإمكانك ان تستغل كل لحظة من حياتك في العروج بنفسك درجة من الكمال؛ ولكن إذا استسلمت للضغوظ، واشتغلت بالتوافه، وتعللت بالتبريرات والاعذار؛ فان عمرك يذهب عبثا، و تخيب ظنونك.

 

 لا للطغيان

* لماذا جاء بقصة ثمود مثالا على حالة الدس والخيبة كما في قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا؟

- الدس لا يأتي من فراغ بل ضمن سلسلة من العلل، تبدأ بالطغيان الذي هو صفة ملازمة للانسان، أَوَليس الطغيان نتيجة الكبر الذاتي، والكبر يلازم الجهل  والفرح بمــا تملكه النفس دون النظر الى ما لا تملكه؟ ومن الطغيان يأتي التكذيب بآيات الله، والانغلاق دون الانذار، ومن التكذيب ينتج الحرمان.

أرأيت لو دعاك صاحبك الى مائدة في يوم مجاعة؛ فكذبته، كيف تحرم نفسك! كذلك الرسل، عليهم السلام، دعونا الى رحمة الله؛ فكذبهم قوم؛ فخابوا مثل ثمود الذين دعاهم طغيانهم الى تكذيب آيات الله؛ ولذا جاء بقصة ثمود وقال: {كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا}.

قالوا: اي: بطغيانها؛ فيكون الطغيان سبب التكذيب، وبه جاءت الرواية المأثورة عن الامام الباقر، عليه السلام، قال في تفسير الآية: «و الطغيان حملها على التكذيب»(1).

وقال بعضهم: بل الطغوى هو العذاب الطاغي الذي كذبوا به؛ والأول آظهر.

 

 أشقى الاولين

* اذا كان التكذيب صفة عامة لثمود؛ فلماذا ذكر عاقر الناقة ووصفه بانه: اشقاها كما في قوله تعالى: {إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا}؟

- التكذيب كان صفة عامة لثمود؛ ولكنه تركز في شخص واحد هو الذي عقر ناقة النبي صالح، عليه السلام، من بعد ان طلبوها آية لهم؛ فقال: ﴿إِذْ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا.

وهكذا يقوم شخص او أشخاص معدودون بالجريمة؛ ولكن الآخرين يرضون عنهم لانهم لا يقومون بها إلا ضمن سياق اجتماعي يساعدهم عليها؛ سكوت أهل الصلاح، ومجاهرة المكذبين، وصلافة المجرمين. من هنا روي عن الامام علي، عليه السلام، انه قال:

«أيها الناس! انما يجمع الناس الرضى والسخط، وانما عقر ناقة ثمود رجل واحد؛ فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا؛ فقال سبحانه: {فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ}، (سورة الشعراء: 157)، فما كان إلا ان خارت أرضهم بالخسفة خوار السكة المحماة في الأرض الخوارة»(2).

ومعنى انبعث: نهض، وانما سمي عاقر الناقة أشقى ثمود لأنه قام بما لم يجرؤ عليه غيره منهم.

وجاء في حديث مأثور عن الامام امير المؤمنين، عليه السلام، انه قال له النبي، صلى الله عليه وآله: «أتدري من أشقى الأولين؟ قلت: الله ورسوله أعلم؟ قال: عاقر الناقة. قال: أتدري من أشقى الآخرين؟ قلت: الله ورسوله أعلم. قال: قاتلك»(3).

وروي عن عمار بن ياسر انه قال: كنت أنا وعلي بن أبي طالب في غزوة العسرة نائمين في صور من النخل ودقعاء من التراب؛ فو الله ما أهبنا إلا رسول الله يحركنا بـرجله، وقد تتربنا من تلك الدقعاء، فقال: «ألا أحدثكما بأشقى الناس من رجلين؟» قلنا:  بلى يا رسول الله.قال: «أحيمر ثمود الذي عقر الناقة، والذي يضربك يا علي على هذه - ووضع يده على قرنه - حتى يبل منها هذه واخذ بلحيته»(4).

 

 تحذير السماء

* ماذا أراد النبي صالح،عليه السلام، بقوله لقومه: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا؟

- حينما يكون الذنب تحديا لسلطان الرب، يحل بصاحبه العذاب العاجل، كما كان عند ثمود؛ إذ إنهم هم الذين طالبوا نبيهم صالحا، عليه السلام، بآية مبصرة، واقترحوا عليه ان تكون الاية ناقة تخرج من الجبل، وتعهدوا بتصديقه عندئذ، والتسليم لأمره؛ ولكنهم كذبوه، وعقروا الناقة بعد ان حذرهم نبيهم من مغبة ذلك طغيانا وعتوا، {فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا}.

قالوا: معناه: احذروا ناقة الله، كما يقال: الأسد الأسد؛ أي: احذره، والصبي الصبي؛ اي: احفظه من الوقوع في البئر، ونسبة الناقة الى الله تشريف لها بوصفها آية مبصرة، وكان عليهم ان يتقوا الله فيها. اما كلمة «سقياها» فتعني: ذروها تشرب، وكان لها شرب يوم معلوم، ولهم مثله.

 

 الدمدمة هي المصيبة

* في الآيات التالية، وهي قوله تعالى:‌ {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا}؛ كيف جاء بمثل هذا العقاب الشديد والسريع؟

- انهم  كذبوا رسول الله صالحا، عليه السلام، وعقروا الناقة، وتحدوا أمر ربهم وانذاره؛ فاطبق عليهم العذاب، ولم يُبق من قراهم شيئا.

ويقال دمدم على الشيء اذا أطبق عليه، ودمدمت على الميت التراب؛ اي: سويت عليه. ويبدو ان الدمدمة هي الاطباق بتدريج؛ أي: بتكرار مرة بعد أخرى.

وانما فعل ذلك ﴿بِذَنْبِهِمْ؛ فلم يفعل بهم ظلما؛ حاشاه؛ وانما جزاء لأفعالهم، وكل من يذنب يهيىء نفسه لمثل تلك الدمدمة، ﴿فَسَوَّاهَا؛ كما يسوى القبر بعد ان يهال التراب عليه؛ طبقا بعد طبق.

 

 سبحان الجبار

* ختمت السورة بقوله تعالى: (ولا يخاف عقباها)، وهو امر طبيعي بالنسبة لله جلت قدرته؛ فلماذا افرد ذكره؟

- هل سأل الله أحدا في أولئك الهلكى: لماذا أهلكهم؟! كلا... {وَلا يَخَافُ عُقْبَاهَا}.

وسبحان الله وتعالى؛ كيف يخاف عقبى دمدمة وهو جبار السماوات والأرض؟!

وهكذا لم تنفعهم الشركاء والأنداد، ولم تنقذهم الأعذار والتبريرات.

افلا نرتدع بمصيرهم؟ كذلك كانت عاقبة قوم دسوا أنفسهم فخابوا أشد الخيبة؛ وكذلك تكون عاقبة كل من ضيع نفسه ودسها؛ إنها الخيبة والندم أعاذنا الله منهما.

تبين سورة [الشمس]

﴿و: قسماً بـ﴿الشمس ﴿و: قسماً بـ﴿ضحاها أي: بنورها ﴿و: قسماً بـ﴿القمر إذا تلاها أي: تلا الشمس في الطلوع والغروب ﴿و: قسما بـ ﴿النهار اذا جلاها أي: جلّى ظلمة الارض ﴿و: قسماً بـ﴿الليل اذا يغشاها أي: يغشى الارض ﴿و: قسماً بـ﴿السماء وما أي: ومن ﴿بناها: خلقها؛ وهو الله جلّت قدرته ﴿و: قسماً بـ﴿الارض وما أي: ومن ﴿طحاها: بسطها؛ وهو الله جلّت قدرته ﴿و: قسماً بـ﴿نفس وما أي: ومن ﴿سواها: خلقها معتدلة؛ وهو الله جلّت قدرته ﴿فألهمها: عرّفها ﴿فجورها: طريق الشر ﴿و: عرّفها ﴿تقواها: طريق الخير؛ وجواب هذه الاقسام: ﴿قد أفلح من زكاها أي: طهرها عن الكفر والمعصية ﴿وقد خاب: خسر خسارة غير متوقعة ﴿من دساها: أخفاها بالكفر والعصيان ﴿كذبت قوم ﴿ثمود بطغواها: بطغيانها ﴿إذ: في زمان ﴿انبعث: نهض ﴿أشقاها أي: أشقى قبيلة «ثمود»؛ وهو الذي عقر الناقة واسمه «قدار» ﴿فقال لهم رسول الله صالح، عليه السلام: احذروا ﴿ناقة الله ﴿و احذروا ﴿سقياها: شربها ﴿فكذبوه أي: كذبوا صالحاً، عليه السلام، ﴿فعقروها: ذبحوها نحراً﴿فدمدم: أطبق ﴿عليهم ربهم العذاب ﴿بـ سبب ﴿ذنبهم فسوّاها كما يُسوى القبر بعد أن يُهال التراب عليه ﴿ولا يخاف عقباها أي: عاقبة الدمدمة. 

------------

* (1) تفسير نور الثقلين، ج5، ص586.

* (2) نهج البلاغة، الخطبة 201، ص319.

* (3) تفسير القرطبي، ج20، ص28.

* (4) الصور: المجتمع من النخل. الدقعاء: التراب الدقيق على وجه الأرض. انظر: تفسير نور الثقلين، ج5، ص.


ارسل لصديق