الشباب في القرآن الكريم
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2016/06/22
القراءات: 1344

القرآن الكريم؛ وإن لم يتناول موضوع الشباب بشكل مباشر، إلا أنه تناول شيئاً عن هذا الموضوع عندما تحدّث عن «الفتوة»، كونها المضمون الصالح للشباب، علماً أن اللغويين لا يربطون دائماً مفردة «الفتى» بالحالة العمرية، او بمرحلة الشباب، فقد جاء في «لسان العرب»: «قال القتيبي: ليس الفَتى بمعنى الشابّ والحَدَث إنما هو بمعنى الكامل الجَزْل من الرجال، يَدُلُّك على ذلك قول الشاعر: إنَّ الفَتى حَمّالُ كلِّ مُلِمَّةٍ، ليسَ الفَتى بمُنَعَّمِ الشُّبَان، وقال ابن هرمة: قَد يُدْرِكُ الشَّرَفَ الفَتى، ورِداؤُه خَلَقٌ، وجَيْبُ قَمِيصِه مَرْقُوعُ».

مع ذلك؛ يبدو واضحاً من الأمثلة القرآنية أن الفتوة، في معناها المادي والمعنوي، اجتمعت في نماذج رائعة ومعبّرة، لتكون قدوة للشباب والفتيان في طريق التكامل الانساني، لذا نجد الكتاب المجيد يضرب أفضل الأمثلة وأجملها في عدد من الأصفياء من الأنبياء الذين اختارهم الله - عزّ وجل - لرسالاته ووحيه.

فكان المثال الأول؛ النبي إبراهيم، عليه السلام، فإنه كان يتطلّع إلى الآفاق الواسعة، ويفتش عن الحقائق الناصعة، ويملك الشجاعة العالية، فيتأمل ويفكر في ملكوت السموات والأرض، حتى أدلّه الله - تعالى - على الحقيقة، وتبرأ من الأصنام ومن كل المشركين، فقال الله - تعالى - في كتابه الكريم: {وَكَذلكَ نُري إِبرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَمَاوَاتِ وَالأرضَ وَلِيَكونَ مِنَ المُوقِنِيـنَ}. (سورة الأنعام: 78)

فكيف تعرّف المشركون على أن النبي ابراهيم هو الذي حطم أصنامهم؟ تجيب الآية الكريمة في (سورة الانبياء: 60):﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ، وبهذا يصبح إبراهيم، عليه السلام، القدوة لكل الفتيان والشباب الموحدين الشجعان الرافضين للوثنية والشرك والانحراف والضلال. والمثال الثاني الذي يضربه القرآن الكريم للفتيان والشباب هو النبي يوسف، عليه السلام، وهو الذي آتاه الله العلم والحكمة عندما بلغ أشده، وأصبح الفتى، القوي، الصابر، الصامد أمام عواصف الشهوة، والإغراء بالجنس، والاغراء بالمال والجاه، وأمام ضغوط الاضطهاد، والقمع، والتهديد بالسجن، والمكسر لكل القيود، وأغلال العبودية، وأغلال الشهوات، وهذا ما يعبر عنه القرآن الكريم: {وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ...}. «سورة يوسف: 30» وفي مكان آخر يبين القرآن الكريم منزلته الرفيعة: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَينَاهُ حُكماً وَعِلماً وَكَذَلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ}. (سورة يوسف: 22)

والمثال الثالث هو النبي موسى، عليه السلام، وهو الذي عاش في أحضان زوجة فرعون، وترعرع وشبّ غير بعيد عن أجواء الطاغوت والجبروت والترف والدلال، بعد ان اتخذه فرعون ولداً، بيد أن موسى، عليه السلام، بقي متمسكاً بجذوره الرسالية، ومرتبطاً بأصله الإلهي الرباني، يتجنب معونة الظالمين، وينتصر للمظلومين ويدافع عنهم، ويَمُدُّ يَدَ العَونِ والمساعدة للضعفاء والمحتاجين، وكان يتحمل الآلام والمعاناة والمطاردة والهجرة من أجل ذلك، ويؤثر على نفسه ولو كان به خصاصة.

قال الله عزّ وجل: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاستَوَى آتَينَاهُ حُكماً وَعِلماً وَكَذَلِكَ نَجزِي المُحسِنِينَ} (سورة القصص: 14)

والمثال الرابع؛ أهل الكهف، قال الله سبحانه وتعالى فيهم: {إِنَّهُم فِتيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِم وَزِدنَاهُم هُدىً}. (سورة الكهف: 13)

إن هذه الصور والأمثلة الواقعية الجميلة والمعبِّرة عن الأبعاد المختلفة تنطلق من مفهوم صحيح للفتوة، والشباب، والقوة، وهو التوحيد في العبودية ورفض العبوديات الأخرى، والسيطرة على الشهوات والرغبات، ونصرة المظلومين والدفاع عنهم، ومساعدة الضعفاء والمحتاجين، والتمرد على الواقع الفاسد ورفضه بشجاعة وتضحية.

وقد ورد توضيح هذا المفهوم للفتوة والشباب، ومضمونها الحقيقي عن أئمة أهل البيت، عليهم السلام، وذلك من خلال ذكر المصاديق الصحيحة لها، فقد ورد عن أبي قتادة قال: «كنا عند أبي عبد الله الصادق، عليه السلام، إذ تذاكروا عنده الفتوة، فقال، عليه السلام:

وما الفتوة؟ لعلكم تظنون أنها بالفسوق والفجور! كلا؛ إنما الفتوة طعامٌ موضوع، ونائل مبذول، وبشر مقبول، وعفاف معروف، وأذى مكفوف، وأما تلك فشطارة فتى».

وعن أمير المؤمنين علي، عليه السلام، قال:

«نظام الفتوة احتمال عثرات الأخوان وحسن تعهد الجيران»، ولذا أصبح الاتصاف بالفتوة أجمل زينة للإنسان، كما ورد عن الامام علي، عليه السلام، في غرر كلماته وحكمه: «ما تزيّن الإنسان بزينة أجمل من الفتوة».

وفي مقابل ذلك نجد القرآن الكريم يضرب أمثلة أخرى للشباب المنحرف والتائه والمغرور والضال والجاهل، وأورد ذلك في قصة ابن نوح حيث قال تعالى: {وَنَادَى نُوحٌ ابنَهُ وَكَانَ فِي مَعزِلٍ يَا بُنَيَّ اركَب مَعَنَا وَلا تَكُن مَعَ الكَافِرِين * قَالَ سَآوي إِلَى جَبَلٍ يَعصِمُنِي مِنَ المَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ اليَومَ مِن أَمرِ اللهِ إِلا مَن رَحِمَ وَحَالَ بَينَهُمَا المَوجُ فَكَانَ مِنَ المُغرَقِينَ}. (سورة هود: 42-43)

ومثال آخر يتحدث عنه القرآن الكريم، يعبر عن حالة الانحراف في الشباب، حيث العقوق للوالدين والتمرد على الله - تعالى - والتوغل في الجهل والغيّ، فقال تعالى: {وَالذِي قَالَ لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَن أُخرَجَ وَقَد خَلَت القُرُونُ مِن قَبلِي وَهُمَا يَستَغِيثَانِ اللهَ وَيلَكَ آمِن إِنَّ وَعدَ اللهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَاهَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ}. (سورة الأحقاف: 17)

من هنا يكون الولد الشاب الصالح، قُرَّةَ عينٍ لأبيه، وامتداداً للمسيرة الصالحة، ويكون الولد الفاسد عدواً لأبيه وضرراً عليه .

وأخيراً؛ ندعو الله -سبحانه- بالآية الشريفة: {رَبَّنَا هَب لَنَا مِن أَزوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعيُنٍ وَاجعَلنَا لِلمُتـقِينَ إِمَاماً}.

هيأة التحرير
 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99


ارسل لصديق