الحقوق الزوجية بين الشريعة والقانون
كتبه: المحامي : حيدر عبد الرضا الظالمي
حرر في: 2012/09/26
القراءات: 3280

اهتمت الشريعة الاسلامية الغراء، اهتماما بالغاً وخاصاً بالحياة الزوجية، ورعايتها وبيان الحقوق والواجبات لكلا الطرفين بالتفصيل الدقيق، لضمان تحقيق الحياة المنشودة، ولكي تؤدي الدور الذي رسمه الله تعالى في بناء الاسرة القائمة على اساس الاحترام المتبادل، حيث وضعت الشريعة توازناً في تلك الحقوق والواجبات .

ومن خلال ملاحظة الحقوق الزوجية، نجد ان هناك نوعين من الحقوق؛ إحداها مالية، تتعلق بالمهر واثاث البيت والنفقة، والثانية، حقوق اجتماعية تتعلق بالمعاشرة الزوجية وما يترتب عليها من حقوق واحكام.

بالنسبة للنوع الاول من الحقوق، فمن مصاديقها المهر، وهو الذي تستحقه الزوجة على الزوج بالعقد عوضاً عن (البضع)*، ويسمى ايضاً (الصداق) كما في قوله تعالى: "واتوا النساء صدقاتهن نحلة". ويُعدّ المهر واجباً على الرجل دون المرأة، ويثبت بالعقد، وعادة يسمّى المهر في العقد، و يتراضى عنه الطرفان، وقد يكون مالاً او عيناً او منفعة، كما يجوز تعجيله او تأجيله، أما اثاث البيت، وهو احد المصاديق الاخرى للحقوق المالية، فهو عبارة عن تجهيز البيت بكل متحوّل، ما لم يكن فيه نهي شرعي ويشمل كذلك الجهاز تصطحبه المرأة من بيت اهلها وكذلك يشمل الهدايا التي يهديها الزوج الى زوجته والهدايا التي تأتي الى الزوجة في ايام الزواج.

أما المصداق الثالث، وهو النفقة، متمثلة في اخراج المال، وهو ما ينفقه الانسان لمن يعوله من طعام وكسوة ومسكن وخدمة.

والنفقة حق واجب للزوجة على زوجها، كما في قوله تعالى: "الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من اموالهم"، وفي الحقيقة ان الشريعة الغراء تحبب التوسعة في النفقة في حالة اليسار، وكذلك لا يجوز للزوجة مطالبة زوجها فوق طاقته وامكاناته المادية، بل لابد من مراعاة حالة الاعتدال، فـ(لا افراط ولا تفريط).

وتستحق الزوجة النفقة في كل الاحوال، الا في حال نشوزها، وهو الخروج عن طاعة الزوج فيما يتعلق من حقوق يريد استيفاءها .

اما النوع الثاني من الحقوق، وهي الحقوق الاجتماعية او حقوق المعاشرة الزوجية، فهي من اهم الحقوق في الحياة الزوجية، لانها مبنية على اساس الاحترام والحب القلبي والرضا النفسي والارتباط المعنوي، وهي حقوق كثيرة، من جملتها تعظيم حق الزوج واحترامه، والصبر عليه، و العفو عن زلاته، وكذلك تحصيل رضا الزوج، وكسب وده ورضاه، فعن الامام الباقر عليه السلام : "لا شفيع للمرأة أنجح عند ربّها من رضا زوجها"، كذلك على الزوجة رعاية الزوج وخدمته، والعمل على راحته والتودد اليه، والقيام بشؤونه وهذه تعدّ من مقومات الحياة الزوجية وديمومتها. واما حق الزوجة على الزوج، فكثير ايضا، منها: الرفق بها، وتكريمها، فلا يكون شكّاكاً مضيقاً عليها، وعلى عياله، بل يكون غيور عليها في المواقع المناسبة، وان يظهر المحبّة والاحترام لها، وان يكون ذا مظهر حسن وهيئة نظيفة وان يقوم برعايتها وإعطائها كامل حقوقها الشرعية.

وهنا ملاحظ يجب الانتباه اليها، وهي ضرورة الفصل بين حق الزوجة تجاه زوجها، وحقه اتجاهها، فان عدم قيام الزوج بوظائفه اتجاه زوجته، لا يبرر للزوجة التقصير بواجباتها تجاهه، إذ لكل واحد تكليفه الخاص به.

وقد اشار قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 الى بعض الحقوق الزوجية واقتصر على بعض الحقوق المالية كالمهر والنفقة، حيث جاءت الاشارة الى ذلك في الباب الثالث منه وتحديداً في المواد من (19 -33). حيث نرى بأن المادة (24) قد بينت التطبيق بأن النفقة تشمل الطعام والكسوة والسكن ولوازمها، وأجرة التطبيب بالقدر المعروف، وخدمة الزوجة التي يكون لامثالها معين ونفقة الزوجة واجبة على زوجها كما بينت ذلك المادة (23) التي عدّت النفقة واجبة على الازواج من حين العقد الصحيح، ولو كانت مقيمة في بيت اهلها، إلا اذا طلبها للزواج فامتنعت بغير حق.

وكذلك بين القانون ان النفقة تسقط بنشوز الزوجة في حال خروجها من دار الزوجية بدون اذن زوجها، او بدون مسوغ شرعي. اما المواد الاخرى فبينت استحقاق المرأة للمهر بمجرد انعقاد العقد الصحيح، فاذا طلقها قبل الدخول فلها نصف المهر، أما اذا كان الطلاق بعد الدخول فتستحق كل المهر المسمّى في العقد.

وقد اقتصر القانون على الامور الاجمالية لحقوق الزوجة، ولم يبين بشكل تفصيلي الحقوق الزوجية الاخرى، وخاصة الحقوق الاجتماعية والتي تعد أهم الحقوق بالنسبة لديمومة الاسرة وبقائها.

وفي الحقيقة، ان كل ذلك لا يتحقق إلا بوجود مقومات، إهمها، وجود ثقافة لدى الزوجين بمعرفة هذه الحقوق، حتى يستطيع كل طرف معرفة ما له وما عليه. يقول سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله) في هذا المضمار بأن "الامر يستلزم اعادة النظر في المناهج الدراسية لمدارس البنات، وان تدخل هذه المناهج مادة تهتم بالثقافة الانسانية الخاصة بالزواج ورعاية امور البيت وحضانه وتربية الاطفال فلا يمكن الاعتماد على الاساليب العفوية.

ومن خلال ذلك كله، نجد أن النصوص الشرعية وما عالجته من تفصيل دقيق - وهذا هو دأب الشريعة السمحاء واهتمامها واعطاء كل أمر حقه والعناية به- تقدر اهمية الحياة الزوجية، على الصعيد الاجتماعي والنفسي والاخلاقي، فكان على القانون ان ينهل من عذب هذا الماء الصافي الذي يسقي كل ظمآن، وان لا يقتصر على حقين، ومجرد معالجة سطحية لتلك الحقوق، فلو انه اهتم بالحقوق الاجتماعية، لما ضاعت عليه الحقوق بين الزوجين. وكذلك من المفترض على الدولة الاهتمام بالجانب التوعوي والجانب الاعلامي للتعريف بحقوق الطرفين ، فأنك ان لم تعرف حقك فلا يمكنك استخدامه، وان كنت تعرفه فعليك بحسن استخدامه. وانك ان لم تعرف واجباتك لم تعطها، واذا اعطيتها فبالحسنى وعن طيب نفس وكل ذلك من اجل اسمى غاية وهي رضا الله تعالى.

---------------------

*"البضع": مصطلح فقهي يعني عملية النكاح ذاتها أو التمتع.


ارسل لصديق