دور مكاتب البحث الاجتماعي في الحد من حالات الطلاق
كتبه: المحامي : حيدر عبد الرضا الظالمي
حرر في: 2016/06/23
القراءات: 1268

قال تعالى في كتابه المجيد: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا).

الآية الكريمة، توضح الدور المهم للباحث الاجتماعي، والذي عبّرت عنه الآية بمصطلح (الحَكَم)، ولو دققنا بهذا التعبير وتأملنا فيه؛ لوجدنا ان القرآن قد أعطى هذا الشخص الذي يتولّى مهمة الاصلاح بين الزوج والزوجة مصطلح (الحكم) وهذا يدل على عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وتبيّن الآية ان الباحث اذا كان صادقاً مع الله، ومع نفسه في اصلاح ذات البين، فإن الله تعالى سيوفقه في هذه المهمة، وقد ورد عن الإمام الصادق (ع) : (صدقة يحبها الله إصلاح بين الناس إذا تفاسدوا).

 

مهارات وطرق للنجاح

وهذا يؤكد أن مهمة الاصلاح بين الناس، وخاصة الاسرة، هي مسؤولية شرعية واخلاقية، فكيف بمن امتهن هذه المهنة اليوم واصبحت له وظيفة في المحاكم والتي يطلق عليه (الباحث الاجتماعي)، فالباحث الاجتماعي هو الشخص المعد اعدادا مهنيا ونظريا وعلميا لممارسة طرق الخدمة الاجتماعية، والخدمة الاجتماعية هي في الاصل رسالة مهنية وانسانية تستهدف حل المشكلات الاجتماعية التي تعاني منها الاسرة من خلال الاداء الصحيح والممارسة الفعالة، وعليه؛ لابد للباحث الاجتماعي ان يتسلح بالمهارات والفنون في التعامل مع النفس والآخرين، ومنها:

1- الوعي بالذات، فعلى الباحث الاجتماعي الناجح ان يدرك قدراته وامكاناته واتجاهاته، ويستثمرها استثماراً حقيقياً.

2- الاهتمام بهندامه ومظهره الذي يتقبله الجمهور لكي يستطيع ان يلفت نظر الآخرين بأناقته.

3- الاتزان والبشاشة أمام الآخرين، فهي علاج سحري يستميل قلوب الناس، الى جانب حب الآخرين والرغبة السامية في مساعدتهم، لأن ذلك من صميم عمله.

4- التزام جانب الامانة والصدق والمرونة والاخلاص وغيرها من القيم الفاضلة والصفات الحسنة، خلال العمل.

5- الحذر من الوقوع في التناقض بين القول والعمل.

6- امتصاص غضب المتخاصمين، وذلك بهدف التمكّن من معالجة مشكلاتهم.

7- القدرة على تحمّل ضغط العمل، ثم القدرة على بناء علاقات مهنية مع الجميع.

8- القدرة على الاقناع؛ وهو العلاج العقلاني لبعض الافكار غير المنطقية التي يحملها البعض.

9- الوعي بالقضايا الاجتماعية، والقدرة على كتابة التقارير وتوثيق العمل باستمرار، وتسجيل ما يرد من الاستفسارات، ثم تقييم العمل، و أن يستخدم الاسلوب الفني الذي يتوافق مع طبيعة المشكلة،

كل هذه الصفات جديرة بأن تجعل صاحبها رائداً وقائداً وموجهاً اجتماعيا ناجحاً للعلاقات الاجتماعية في المجتمع، وانساناً يَصدق عليه «مصلحا» او كما يُسمى بالاصطلاح القانوني «باحثاً اجتماعياً».

 

الغاية القصوى، المصالحة

وقد وجه مجلس القضاء الاعلى بإنشاء مكاتب البحث الاجتماعي وتفعيل دور الباحث الاجتماعي امام محاكم الاحوال الشخصية والمواد الشخصية وذلك بإصدار قواعد تنظيم عمل البحث الاجتماعي رقم (1) لسنة 2008 والتعليمات الملحقة بها، والتي حددت آلية عمل الباحث الاجتماعي والخطوات التي عليه اتباعها في اداء مهمته، ومن اهم هذه القواعد؛ إحالة حالات الطلاق وبعض الدعاوى الاخرى التي يقيمها احد الزوجين تجاه الآخر، الى مكتب الباحث الاجتماعي في المحكمة قبل نظرها من المحكمة، والسير في اجراءاتها، لتقريب وجهات النظر بين الزوجين وتحقيق المصالحة بينهما.

كما اشترطت هذه القواعد في الباحث الاجتماعي، الالمام بعلوم الاجتماع والأسرة، وتوفر الخبرة والممارسة اللتين تمكنانه من اداء دوره بأفضل وجه، وأشارت القاعدة السادسة فقرة (5) منها الى ان عمل الباحث الاجتماعي وجهده سيكون تحت انظار السيد رئيس مجلس القضاء الاعلى من خلال ما يرفع له من احصاءات شهرية وفصلية وسنوية، ويستشف من هذه القواعد ان الغاية او الهدف الذي يقصده رئاسة مجلس القضاء من اصدارها؛ هي ان يسعى الباحث الاجتماعي في اجراءاته لتحقيق الصلح بين الزوجين، وبذل الجهد في هذا الاتجاه، ولا علاقة له بما تحتويه الدعوى من حقوق وادعاءات ودفوع، ومن ثم لابد لكل باحث ان يتبع اسلوباً او منهجاً يختلف تماماً عن اسلوب القاضي في الفصل في الدعوى.

ولا يستطيع الباحث ان يقوم بهذا الدور ما لم يحقق قناعة لدى الزوجين مفادها ان اجراءاته هدفها المصالحة بينهما، لا انتزاع الحقوق او اعطاءها من أحدهما الى الآخر، او تثبيت التقصير من أحدهما تجاه الآخر، وعليه ان يحرص على ترسيخ هذه القناعة لديهما، بدءاً من ورقة التبليغ التي يطلب فيها حضورهما الى مكتبه، وان يتجنب العبارات القسرية والإلزامية في طلب الحضور، وان يستعاض عنها بعبارات الاستضافة والترحيب كي لا يتولد انطباع لدى المطلوب حضوره، بأنه في المقام المدافع والمُدعى عليه، وان يكون الباحث دقيقاً في كل خطوة يخطوها؛ لان اجراءات المحاكم قد تزيد من الهوة والخلاف بين الزوجين.

وعلى الباحث ايضاً ان يتعرف على السبب الحقيقي للخلاف او المشكلة بينهما لكي يستطيع ان يضع لها الحلول وان يستمع للزوجين على انفراد ومجتمعين، خاصة وان المشرع العراقي نص في المادة 34 فقرة ثانياُ من قانون الاحوال الشخصية العراقي رقم 118 لسنة 1959 على اخضاع الزوجين للبحث الاجتماعي وعدم الاعتداد بالوكالة في اجراءات البحث الاجتماعي لاعتبارات شخصية تتعلق بخصوصية وقدسية العلاقة الزوجية.

وعلى الباحث ان يغوص في أعماق المشكلة ويحدد سبب نشوئها؛ فقد يكون سببها الاهل او الجانب الاقتصادي او تصرفات احد الزوجين، او اسباب اخرى، وبعدها يقوم بتقريب وجهات النظر بينهما مذكراً اياهما بالمودة والعشرة والرحمة التي بينهما، وان يستعين بمبادئ الشريعة الاسلامية، ومبادئ الاخلاق والقيم الاجتماعية، والاعراف السامية التي تقدس الرابطة الزوجية وتحترمها، وان يحذر من العواقب الوخيمة التي تصيبهما مع اولادهما، نتيجة افتراقهما، وان يمارس دوره في البحث الميداني، وزيارة اهل الزوجين ونصحهم بوجوب المحافظة على الحياة الزوجية للطرفين، وان يتصل بأي شخص له تأثير في الزوجين وذويهم وان يأخذ الباحث وقتا كافياً في سعيه للصلح والتوفيق بين الزوجين، وان تكون جلسات المصالحة في فترات متباعدة، لان الوقت قد يساهم في عودة النفوس الى هدوئها، ومن ثم زيادة فرص الصلح بينهما.

اذا مارس الباحث الاجتماعي هذا الدور، عن دراية وعلم، وفق قواعد البحث المشار لها، فإن قناعة جديدة ستتولد لدى الزوجين ولدى عامة الناس، وسيسود مفهوم اجتماعي وعرفي مفاده ان دعاوى الاحوال الشخصية التي تقام من احد الزوجين تجاه الآخر، واجراءات الباحث الاجتماعي التي تتخذ فيها، لا تمثل بداية لمشروع طلاق او تفريق بينهما، وانما هي مشروع لطلب المصالحة، يسعى له من اقام الدعوى، وانه بإقامة هذه الدعوى يستعين بإجراءات الباحث الاجتماعي وإمكانات المحكمة لتحقيق هذه الغاية بينهما، ويبتغي منها حل رضائي عادل يحل محل الخلاف او ينهي المشكلة بينهما، وبذلك يحل خلاف او ينهي مشكلة بينهما.

ولكن ومع شديد الاسف نلاحظ اليوم ان دور البحث الاجتماعي قد تراجع في المحاكم وبشكل كبير، ولأسباب عديد منها؛ عدم اختيار الاشخاص المناسبين من ذوي القدرة والكفاءة والاختصاص ممن يستطيع ان يمارس دور الباحث الاجتماعي بكل جدارة وبدون تململ، ولديه من القدرة والادوات العلمية التي تمكنه من اصلاح ذات البين، وكذلك عدم وجود الدعم الكافي من قبل مجلس القضاء الاعلى وعلى كافة الاصعدة لمكاتب البحث الاجتماعي لكي يستطيع الباحث ان يمارس عمله بكل يسر وسهولة، اضافة الى كثرة الدعاوى المرفوعة في المحاكم وعدم وجود الاعداد الكافية من الباحثين الاجتماعيين لاستيعاب اعداد الازواج المتخاصمين، واخيرا يمكن ان نقول ان الآية القرآنية السابقة ذكرت عبارة (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) أي كلما خلصت نية الحكم او المصلح او ما يسمى اليوم بالباحث الاجتماعي كلما تحقق الصلح ببركة وتوفيق الله سبحانه وتعالى.

------------

* ماجستير قانون


ارسل لصديق