التوبة ومسارات التغيير في الشهر الفضيل
كتبه: الشيخ إبراهيم الاشتري
حرر في: 2016/06/26
القراءات: 454

خلقنا الله ليرحمنا ولنربح عليه، ونرفل في آلائه، ومن ثم ننهل من عذب إحسانه، فما بالنا عن هذا غافلون ؟!

تتعدد في هذا الشهر الفضيل سبل النجاة؛ فالأنفاس تسبيح، والنوم عبادة، والصلاة قربان، وليس هذا فحسب؛ بل إن من أعظم أبواب الرحمة الإلهية وسبل تغيير الذات؛ نعمة التوبة وبابها الرحيب التي منَّ الله بها على عباده، ففتح إليهم بابها منيبين، وجعل لهم في التوبة ملاذاً آميناً، وملجأً حصيناً، يلجه المذنب، معترفاً بذنبه، مؤملاً في ربه، نادماً على فعله، ليجد في قربه من ربه وبارئه، ما يزيل عنه غفلة الذنب، وزهو المعصية، فينير الباري ظلام القلوب، وتتغير الحياة من شقاء المعصية وشؤمها، إلى نور الطاعة وبركتها.

وقد دعا الله عباده إلى التوبة مهما عظمت ذنوبهم وجلَّت سيئاتهم، ووعدهم بقبول التوبة، حين قال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ}، (سورة النحل: 119)، وكذلك يبدل السيئات حسنات رحمة منه وعطفاً بالعباد، فقال عزوجل، مبعدا التائبين من شدة العذاب: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا}، (سورة الفرقان: 70).

فلماذا اذن نسدل ستار الغفلة على القلوب، ونحجبها عن الفلاح، وربنا يقول: {...وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، (سورة التوبة: 31)؟ فهل يعذر القابع في الذنوب، لاسيُّما أنّ التوبة الصادقة كفيلة بأن تمحو الذنوب الكبيرة إلا الشرك -والعياذ بالله- فربنا يقول: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا}، (سورة النساء: 48). ونبينا الاكرم يحذرنا أن ندع التوبة في شهر الطاعة والغفران بقوله: «الشقي من حُرم غفران الله في هذا الشهر العظيم» ويقول علماء البلاغة: إن الجملة هنا تدل على الحصر، أي إن الشقي هو مَن حُرم غفران الله في شهر رمضان المبارك فقط، وليس في أي شهر آخر.

فالشقاء منحصر في مَن شُقي في شهر رمضان وحُرم غفران الله فيه، لا غير. هذا هو الظاهر البلاغي للجملة، ومعناه أن الشقيّ كلّ الشقيّ هو الذي يحرم غفران الله في هذا الشهر خاصة.

 

الاستعداد للتغيير 

ولا عجب فإن شهر رمضان هو شهر الله سبحانه وتعالى، اختص به دون باقي الشهور، فهو شهر لتنظيم حياة الإنسان والتغيير نحو الأفضل والتطهر من كل دنس، والطاعة لله سبحانه، وفيه يغفر الله للإنسان كل يوم وليلة أضعاف ما يغفر في سواه من الشهور، كما خصّه بليلة القدر التي هي أعظم من ألف شهر، ويغفر الله فيها ما لا يغفر في غيرها من الليالي والأيام، وكذلك يغفر الله في أوله ووسطه وآخره. فشهر رمضان هو شهر (المغفرة العام) فمن لم يُشمل بالعفو فيه فهو الشقي حقاً، فما علينا الا أن نصمم على بلوغ أعلى مراتب التغيير في هذا الشهر الفضيل، ومسارات التغيير التي خطها الائمة الطاهرون عديدة ومن جملتها:

المسار الاول: عدم تأخير التوبة

إن الموت يأتي والانسان في غفلة من أمره، وهذا ما وعظ به الصالحون أبناءهم فقد قال لقمان لابنه: «يا بني لا تؤخر التوبة، فان الموت يأتي بغتة»، ومن ترك المبادرة الى التوبة بالتسويف كان بين خطرين عظيمين.

الأول: أن تتراكم الظلمة على قلبه من المعاصي حتى يصير رينا وطبعا فلا يقبل المحو.

الثاني: ان يعاجله المرض او الموت فلا يجد مهلة للاشتغال بالمحو، ولذلك قيل ان اكثر صياح اهل النار واحسرتاه من سوَّف، فيا ايها المذنب بادر الموت واستبق الخيرات، واغتنم حياتك قبل موتك فان الموت يأتي بغتة؛ نعم فربنا القائل تعالى: {...وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}، (سورة لقمان: 34).

المسار الثاني: الصوم الخاص

فبعد الكف عن المفطرات كلها علينا أن نضيف صوما آخر، ألا وهو صوم الجوارح، ككف السمع عن محرماته كالغيبة ونحوها، وكف البصر عن محرماته كالنظر إلى المرأة الأجنبية بريبة، وحجب اللسان عما لا يحل له من كذب واعتداء على الآخرين، وهكذا.

 المسار الثالث: صوم النوايا

فالصائم لا يتوقف عند هذا الحد فحسب، بل يتسامى ليصل الى عصمة النوايا والفكر أيضاً عن المحرمات. فلا يفكر في النوايا السيئة تجاه الاخرين بل لا يحدث نفسه بها، وهذا الورع الدقيق عصمة عن المحرمات وكفا عنها، فالجوارح والجوانح تصوم عن ارتكاب الذنوب والتفكير فيها، ولا شك في كونه قاعدة للتوبة الصادقة.

المسار الرابع: التصميم والإرادة الفولاذية

فمن يملك العزيمة والتصميم على الالتزام بالمسار الأول والثاني، يكون ذا مبادئ صلبة قائمة على أساس رصين ومتماسك لا يتمكن شياطين الانس والجن من المساس بها أو ثنيه عن مسيرة التوبة وتغيير الذات.

 

التوبة بالسعي الجادّ

فإذا أردت أن تكون حبيب الله، فكن من التائبين؛ فقد قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «التائب حبيب الله، والتائب من الذنب كمن لا ذنبه له» ومن أراد أن يفرح الله فعليه أن يتوب، فالإمام الباقر يقول: «الله أشد فرحاً بتوبة عبده من رجل أضل راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله تعالى أشد فرحاً لتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها»، وقال الصادق، عليه السلام: «إن الله يفرح بتوبة عبده المؤمن إذا تاب كما يفرح أحدكم بضالته إذا وجدها». كما أن ستر الله يكلِّل التائب ويكفِّر عنه؛ فعن رسول الله، صلى الله عليه وآله: «إذا تاب العبد توبة نصوحاً أحبه الله وستر عليه، قيل: وكيف يستر عليه؟ قال: يُنسي ملكيه ما كانا يكتبان عليه، ويوحي الله إلى جوارحه وإلى بقاع الأرض أن اكتمي عليه ذنوبه، فيلقى الله تعالى حين يلقاه وليس شيء يشهد عليه بشيء من الذنوب»

فما علينا في رحاب هذا الشهر العظيم الا أن نبادر في التوبة ونعجل بالإنابة، فإنا لا ندري إذا جن ليل هل نعيش الى الفجر.

 رغب الله سبحانه وتعالى عباده في التوبة وفتح لهم بابها ونهاهم عن اليأس من رحمته والقنوط من مغفرته، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ}، (سورة التحريم: 8).

فيجب أن تكون التوبة قبل فوات الأوان لأنَّ الموت إذا حضر الإنسان فإنَّ التوبة لا تنفع، لقوله، عز وجل: {وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً}، (سورة النساء: 18)، وفرعون خير شاهد: {...حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ * الآن وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}، (سورة يونس: 90-91)، أي الآن تتوب وتغير ذاتك ؟!، فلم ينفعه ذلك شيئا. فهل ننتظر التوبة اذن تطرق أبوابنا لنتوبّ! أم علينا أن نكفر عن ذنوبنا في هذا الشهر الفضيل بغسلها بماء الحسرة والندامة، والندم على ما مضى، والخوف على ما بقى من العمر، وأن لا نستصغر الذنوب فنقع في الكسل، ونستغيث إلى الله ليعصمنا عن الذنوب، فإنَّه العاصم الكافي.


ارسل لصديق