مفاتيح الإيمان في شهر رمضان الدعاء نموذجاً
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2015/11/26
القراءات: 795

قال تعالى: {وُإِذَا سَألكَ عِبَادِي عَنِي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعوَةَ الدَّاع إِذَا دَعَانِ}، (سورة البقرة: 186).

لو كُلفنا بعمل ما، وأنجزناه؛ بالتأكيد نحن قد أدينا ما علينا من الواجب فقط، لأنه واجب، أما إذا استتبعنا ذلك الواجب بعمل إضافي يُترجم حاجة الذات ويرسم لوحة الضعف البشري، فحتماً نكون قد اعترفنا بفقرنا وعجزنا وضعفنا أمام مالك الملك. لذلك نحن مدعوون دائماً بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى مع كل عمل عبادي أو غيره، لنثبت حقيقة المخلوق الضعيف المحتاج إلى غيره على الدوام.

 

ما هو الدعاء؟

إنه تعبير حي عن عدة حقائق تتلخص في كلمة واحدة هي كلمة «الحاجة» فلا يوجد إنسان كامل لا يحتاج إلى أحد لأن الكمال من صفات الباري عز وجل، وإذا كان الإنسان لا يملك صفة الكمال فبالتأكيد هو مُحتاج إلى غيره، والحاجة دليل العجز البشري. وهو طلب الأدنى من الأعلى مع الخضوع والاستكانة.

 

أهمية الدعاء

للدعاء أهمية كبيرة في الإسلام، ولذا ورد في فضله ما ورد من الآيات والروايات، وإذا تتبعنا مفردات القرآن الكريم نجد لفظة «الاستجابة» هي الكلمة التي تأتي في صدر الجواب عن كل لفظة «دعاء» وردت في الكتاب العزيز، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، (سورة غافر: 60)، وقال أيضاً: {... وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنْ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ}، (سورة الانبياء: 76)، وقال: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ...}، (سورة الأنبياء: 83-84)، وقال أيضاً: {وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنْ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ}، (سورة الأنبياء: 87-88).

إن سرعة الاستجابة الربانية للدعاء، هي سر عظمته وأهميته، لذا يتضمن الدعاء على عدة أسرار منها:

1- الدعاء طاعة لله سبحانه وتعالى، واستجابة لأمره بالدعاء.، قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ}، (سورة غافر: 60).

2- الدعاء توحيد لله تبارك وتعالى، حيث تساءل المفسرون عن نوعية الدعاء الوارد في الآية: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، (سورة غافر: 60)، فقال بعضهم: «إنه طلب الحاجة من الله تعالى»، وتفرد ابن عباس بتفسير آخر حيث قال: إنه توحيد الله، ويبدو لي أن ابن عباس التقط إشارة خفية من الآية حيث أرهف سمعه إلى ضمير ﴿ادْعُونِي، وعرف أن المعنى؛ لا تدعو من دوني أحدا، وحقاً إن الإنسان إما أن يدعو ربه أو يدعو الأنداد، والله يأمرنا بدعوته دون الأنداد»(1)

3- الدعاء سلامة من الكبر، قال تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}، (سورة غافر: 60).

قال الشوكاني عند تفسيره لهذه الآية الكريمة: «والآية الكريمة دلت على أن الدعاء من العبادة؛ فإنه سبحانه وتعالى أمر عباده أن يدعوه، ثم قال: "إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي".(2)

يتضح من ذلك أن الدعاء عبادة، وتركه استكبار، وقد ورد عن الرسول، صلى الله عليه وآله، ما يؤكد هذا الكلام؛ حيث جاء عن النعمان بن بشيرك: «أنه، صلى الله عليه وآله، قال: «الدعاء هو العبادة».(3)

4- الدعاء محبوب لله عز وجل، إذ إن الله تعالى لا يأمر بشيء غير محبوب لديه، قال الإمام الباقر، عليه السلام: «ما مِنْ شَيْءٍ أَحَبَّ إلى اللهِ مِنْ أَنْ يُسأل».(4)

5- الدعاء سبب لانشراح الصدر، ففيه تفريج الهم، وزوال الغم، وتيسير الأمور، ولقد احسن الشاعر إذ قال:

وإني لأدعو اللهَ والأمرُ ضيِّقٌ

عليَّ فما ينفكُّ أن يتفرجا

ورُبَّ فتىً ضاقت عليه وجوهُهُ

أصاب له في دعوة الله مخرجا

6- الدعاء اعتراف بسلطان الله الفعلي والمباشر على الخليقة.(5)

7- الدعاء يلهم الأمل ويرفع اليأس، ويعيد القلب إلى حيويته ونشاطه وعنفوانه.

8- الدعاء علامة التوكل على الله تعالى.

9- الدعاء سبب لدفع غضب الله تعالى، قال رسول الله، صلى الله عليه وآله: «من لم يسأل الله يغضب عليه»، ففي هذا الحديث دليل على أن الدعاء من العبد لربه من أهم الواجبات وأعظم المفروضات؛ لأن تجنب ما يغضب الله منه لا خلاف في وجوبه.(6)

 وقد أجاد الشاعر في قوله:

لا تسألنَّ بُنَيَّ آدمَ حاجةً

وسل الذي أبوابُهُ لا تُحجبُ

اللهُ يغضبُ إن تركت سؤالَه

وبنيُّ آدمَ حين يُسألُ يغضبُ

10- الدعاء يفتح للعبد باب المناجاة ولذائذها مع الله تعالى.

11- الدعاء يدعو إلى المودة بين المؤمنين، حيث أن دعاء المسلم لأخيه المسلم عن ظهر الغيب مستجاب عند الله تعالى، وهذا يدل على موافقة باطنه لظاهره، وهو دليل على التقوى والصدق والترابط بين المسلمين، فهذا مما يقوي أواصر المحبة، ويثبت دعائمها، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمْ الرَّحْمَنُ وُدّاً}، (سورة مريم: 96)، والدعاء بلاشك من أبرز مظاهر العمل الصالح.

12- الدعاء سلاح المؤمن، قال الإمام الصادق، عليه السلام: «الدُّعَاءُ سِلاَحُ المُؤْمِن وعَمُودُ الدِّينِ ونُورُ السَّمَاوَاتِ والأَرضِ»(7)

13- الدعاء سبب للثبات والنصر على الأعداء، وقد جاء في القرآن الكريم ما يؤكد هذه الحقيقة، حيث قال تعالى عن طالوت وجنوده لما برزوا لجالوت وجنوده {قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}، (سورة البقرة: 250)، فماذا كانت النتيجة، قال تعالى: {فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ}، (سورة البقرة: 251).

وكذلك ورد كثير من الادعية الخاصة بالحروب والنصر على الاعداء، ولعلّ أشهرها (دعاء أهل الثغور) للإمام زين العابدين، عليه السلام. وهذا الدعاء وغيره هو أحد أهم عوامل نصرنا اليوم على الارهابيين.

14- الدعاء مفزعُ المظلومين، وملجأ المستضعفين. فالمظلوم أو المستضعف إذا انقطعت به الاسباب وأُغلقت في وجهه الابواب ولم يجد من يرفع عنه مظلوميته ويعينه على من تسلط عليه، ثم رفع يديه إلى السماء وبث إلى الجبار العظيم شكواه، نصره الله وأعزه، وانتقم ممن ظلمه ولو بعد حين. ولهذا دعا نوح، عليه السلام، على قومه عندما استضعفوه، وكذبوه. وكذلك فعل نبي الله موسى عليه السلام حيث دعا على فرعون عندما طغى وتجبر، وتسلط، ورفض الهدى ودين الحق، فاستجاب الله للنبيين، وأنزل بالظالمين الخزي والعار في الدنيا، وسوء العذاب في الآخرة.

هذه النقاط هي بعض ثمرات الدعاء وليس كلها، إذ هناك الكثير من الثمرات والاسرار.

 

كيفية الدعاء

أما كيفية الدعاء من ناحية الهيئة الجسمية، والأقوال المسنونة في الافتتاح والانتهاء، وما جرى مجرى ذلك يحتاج إلى بسط وإطالة، وقد حدَّدت النصوص الإسلامية، عن النبي وأهل بيته، صلوات الله عليهم اجمعين، آداباً للدعاء وقررت شروطاً خاصة، لا بد من مراعاتها من قبل الداعي كي يتقرب إلى خزائن رحمة الله وبركة عطاياه، وإليك شيئاً من ذلك:

1- الطهارة، فمن آداب الدعاء أن يكون الداعي على وضوء.

2- الصدقة.

3- الصلاة، حيث يستحب أن يصلي الداعي ركعتين قبل أن يشرع بالدعاء.

4- البسملة، من آداب الدعاء أن يبدأ الداعي دعاءه بالبسملة.

5- الثناء على الله تعالى وحمده وشكره على كل شيء.

6- الدعاء بالأسماء الحسنى، لقول الله تعالى في كتابه العزيز: {وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}، سورة الاعراف: 180).

7- الصلاة على النبي وآله، عليهم السلام، والتوسل بهم إلى الله تعالى، فإنهم مفتاح كل أبواب الخير، وقد ورد عن النبي، صلى الله عليه وآله: «كل دعاء محجوب حتى يصلي على محمد وآله».

8- الاعتراف والإقرار بالذنب أمام الله تعالى.

9- ذكر المسألة وطلب الحوائج من الله وتسمية الحوائج.

10- حسن الظن بالله، وأنه أهل للمسألة والاجابة.

11- البكاء والتباكي. وعدم القنوط من رحمة الله سبحانه. والإلحاح في الدعاء. هذه أهم الشروط والآداب.

واخيراً وليس آخراً يمثل الدعاء النافذة التي تطل من خلالها النفس على رحمة الله سبحانه وتعالى، وهو محور علاقة الإنسان بربه تعالى، لذلك لم يُمنع احدٌ من الدعاء، إنما هناك فرقٌ بالإجابة، وفقنا الله وإياكم لمراضيه ونسأله القبول.

----------------

(1) آية الله العظمى سماحة المرجع السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)/ من هدى القرآن/ ج 8/ ص 255

(2) تحفة الذاكرين للشوكاني/ص28

(3) رواه أبو داود (ح 1479) الصلاة، باب فضل الدعاء

(4) مستدرك الوسائل/ ج5 /ص 163

(5) آية الله العظمى سماحة المرجع السيد محمد تقي المدرسي (دام ظله)/ من هدى القرآن/ ج 8/ ص 257 - 258.

(6) تحفة الذاكرين للشوكاني: ص 31

(7) الكافي، ج2: ص468.


ارسل لصديق