الشباب ومشروع بناء الشخصية
كتبه: الشيخ حسين الخشيمي
حرر في: 2012/09/26
القراءات: 4069

رسم المنهج في الحياة، من أهم مراحل حياة الإنسان، فهو الذي يحدد مصيره النهائي في الآخرة، وتترتب عليها النتائج النهائية، ومن هنا تأتي ضرورة ان يحدد الانسان إطار شخصيته فيها، حيث تكفل له هذه الشخصية، شكل وخارطة المسير في الحياة الدنيا، لكي لا يكون ممن ضيعوا أخراهم بدنياهم.

وتعد مرحلة الشباب الأفضل والأكثر ملاءمةً لتحقيق الهدف الأخروي، بل وللتخطيط والتدبير لمستقبل دنيوي أفضل، حيث يكون الإنسان في كامل قواه الجسدية والنفسية، ومستعداً للعمل والاجتهاد لكي يمارس حقاً من حقوقه كفله الله تعالى له، وهو العيش الرغيد والعمل من اجل الآخرة، لذا فمرحلة الشباب من أهم المراحل التي يمر بها الإنسان، وعليه ان يغتنم منها قدر المستطاع لكي يكون في حال افضل يوم القيامة، وقد ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: "...اغتنم شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك". فهي فرصة تمر مر السحاب كما قال عليه السلام في مناسبة اخرى.

ولكن السؤال المهم، والذي يبحث اغلب الشباب عن إجابته اليوم؛ هو من أين يبدأ الشاب في صياغة شخصيةٍ مؤمنةٍ تمكنه من رسم وتحديد خارطة طريقه التي من خلالها يضمن مستقبلاً زاهراً ومن ثم يبلغ بهذا المستقبل الآخرة أيضاً؟

اجتناب دعوات التضليل

هناك طرقٌ عديدةٌ تضعها بعض المؤسسات والجماعات في المجتمع بين يدي الشباب، ولكل خطه ومنهجه و طريقته فيما يتعلق بحياة الشباب، وكلٌ يعتقد بصحة ما يذهب اليه، وعلينا نحن، كشباب، الحذر من الوقوع في شباك الصيادين، أمثال هؤلاء، الذين يستغلون الثغرات في كسب الشباب ودعوتهم للانتماء الى أحزابهم او تجمعاتهم، ومن ثم تغذيتهم بالأفكار التي تصنع منهم شخصيات منقادة لن تخدم إلا مصالحهم ورغباتهم الشخصية.

كما ينبغي ان لا ننسى ان هناك من يحاول ان يجر الشباب في مزالق عديدة، منها الجنس والإتباع الأعمى للشهوات، عبر تسهيل طرق الوصول إليها، وهذا ما نلحظه اليوم حيث ان الاعلام العالمي ينفق مليارات الدولارات في سبيل هذا الهدف، ومن ثم جرّ الشباب والمجتمعات الى الجنس والشهوات وهدر الوقت، ومن ثم نشهد واقعاً مزرياً لشباب ومجتمع سطحي كسول لا يعرف سوى كيفية إشباع شهواته ورغباته الجنسية، وهنا تكمن الخطورة. فهذه الافكار لن تُسهم إلا في اسقاط شخصية الشباب في الدرك الاسفل من الفشل في الدنيا قبل الآخرة، وعلى الشاب تجنب كل دعوات التضليل والتسطيح في الوعي، وابرز ملامح هذه الحالة، إبعاد الشاب عن المسؤولية، ودفعه الى اللامبالاة والكسل والاعتماد على الآخرين في كل ما يخص حياته، فهناك من يوسوس في آذان الشباب: "لا تفكّر، ولا تهتم كثيراً.. فنحن نفكر ونخطط بدلاً عنك، و لا تعمل، فالعمل ليس ضرورياً.. نحن نضمن لك طرقاً مختصرة للحصول على المال والشهرة معاً.. ولا تساعد أهلك وجيرانك، ولا شأن لك بالآخرين حتى لو رأيت خطأ او جناية، فكل إنسان مسؤول عن نفسه.."!!

وبذلك يكون الشاب موجوداً عاجزاً حتى عن مساعدة نفسه، او مواجهة مشكلة بسيطة، فيحتوشه اليأس والإحباط ، ومن ثم تتراكم عليه العقد النفسية الخطيرة، -لا سمح الله- . ولتحاشي الانزلاق في المستنقع، عليه ان يلتزم الاتجاه الصحيح وهو الدين، وان يرسم و يصيغ شخصيته وحياته وفق رؤية الدين وقوانينه التي تصب في مصلحة الإنسان كفرد، وكمجتمع.

تزكية النفس اولاً

قبل ان يبدأ الانسان بأي عمل عليه ان يهيئ الأرضية المناسبة لهذا العمل، فلو أراد احدنا ان يزرع حديقة منزله زهوراً وأشجاراً جميلة، عليه أن يهيئ كل مستلزمات هذه العملية، و أولها وأهمها، تنقية الأرض من آفاتها، وكل ما يعيق ويؤثر في نمو هذه الأزهار والأشجار، فتسوية الأرض و تحسين تربتها، وتسهيل عملية وصول الماء إليها، أهم من غرسها، وقد أكد الإسلام على ان سلامة وصلاح الانسان في إعادة صياغة شخصيته بشكل صحيح، وبناء أساس صحيح وفق القيم الإلهية، لا مع الأهواء والرغبات والشهوات، التي لن تُثمِر له إلا الندم والحسرة، فهناك فرق كبير بين من يضيّع دنياه و أخراه من اجل شهوة ولذة آنية؛ وبين من يؤسس خلال سنين طويلة شخصيته على القيم والمبادئ الإسلامية الأصيلة، وتزكية النفس هي اللبنة الاولى التي ينبغي ان يضعها الإنسان في أساس بناء شخصيته، حيث يؤكد الله تبارك وتعالى في قوله: "... وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ" (سورة فاطر/ 18)، فتزكية النفس وتربيتها، السبيل الأقرب الى الله، حيث يكون العبد مكفولاً من قبله تبارك وتعالى، لان الله وعد بذلك، بأن يكون مصير من أقبلَ على تزكية نفسه، الى الله في الدنيا والآخرة وهذه العملية تسهل لنا امكانية صياغة شخصية مؤمنة تتوافق مع قيم السماء .

إن نفس الإنسان قبل التزكية، كتلك الأرض التي تحتاج الى ما ينقيها ويستخرج منها كل الآفات التي تعيق النباتات، وهذه هي طبيعة الإنسان، ميال الى نفسه، لتلبية رغباتها وشهواتها، وتزكية النفس هي الوسيلة الوحيدة التي من خلالها نتخلّص من آفات عديدة ، كالكبر، والحسد، والعجب، والعصبية، وهذه الامراض، من شأنها إعاقة عملية بناء الشخصية المؤمنة، وما ان يقدم الانسان على تزكية نفسه، حتى يتخلص من هذه الظلمات التي تعيق تقدم وتطور شخصية الإنسان، فمن أين له ان يعمل وفي نفسه الكبر والتعالي على العمل وعلى الآخرين، او كيف يحب زملاءه وأصدقاءه وجيرانه، وظلمة الحسد تغشى نفسه وبصره؟

توسيع دائرة معارفنا العقائدية

وبعد ذلك يأتي دور بناء العقيدة، فعقيدة الإنسان هي من يحدد سلوكه ومسيرة حياته، فالعقيدة الصالحة، تُترجم الى عمل صالح، ومن ثم تقدم الثمار الطيبة والنافعة، حيث يقول تبارك وتعالى: " وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ* إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ" (سورة العصر/ 1-3). وهذه السورة المباركة تبين لنا أن الإيمان يسبق العمل، والإيمان هو العقيدة، أن يعتقد الإنسان برعاية الخالق له، وبأنه أرسل له أنبياء وأوصياء من اجل هدايته وصلاح دنياه وآخرته. وعملية بناء العقيدة تستدعي منا ان نخصص وقتاً كافياً لكي نطورها، ونوسعها، والتطوير هو محور ما نشير له في هذا الجانب، فكلنا نعرف الأمور العقائدية الأساسية، التي تسمى بأصول الدين، إلا أننا في هذا الجانب بحاجة الى أمرين مهمين هما:

أولاً: توسيع دائرة معارفنا العقائدية من خلال مطالعة الكتب العقائدية المهمة، التي تخدم عملية بناء العقيدة.

ثانياً: العمل بها والاستفادة منها في بناء شخصية مؤمنة وحضارية فعالة في المجتمع، فمجرد العلم بأصول الدين لا يغني شيئاً، فما الفائدة من معرفة الله او الرسول الاكرم، مع عدم الخضوع والانقياد لهما؟ فالأمر يتطلب جهداً لا يستهان به من اجل تحقيق هذين الهدفين. وعلى الشاب في بداية مسيرته أن يعرف عقيدته جيداً، ويحصن نفسه من اجل رد جميع الشبهات التي سوف تواجهه خلال سنيّ حياته، لكي لا يكون صيداً سهلا لتجار الأفكار والمعتقدات الزائفة الباطلة، ولكي نستطيع أن نبلغ أقصى حد من الاستفادة في تطوير سلوكياتنا عبر البناء القوي لعقائدنا، فمن خلالها ستتحصل المعرفة والواجبات والمسؤوليات التي تقع على عاتق كل إنسان، وهي ان يعرف ما هو واجبه تجاه التوحيد، وكيف يترجم هذه العقيدة على ارض الواقع، بأن يكون عبداً لله وحده، دون أن يجعل له نداً او شريكاً، كالمال والسلطة والشهرة وسائر الامور الأخرى، وايضاً ان يعرف ما هو تكليفه ومسؤوليته تجاه الرسالة والرسول، وماذا عليه أن يفعل في زماننا هذا لكي يكون مع النبي وأهل بيته عليهم السلام، وكذلك سائر حقول العقائد الأخرى في ما يرتبط بالعدل والنبوة والإمامة والمعاد، والتي يجد تفصيلها في الكتب العقائدية الكثيرة، وننصح في هذا الجانب مطالعة كتابي "ألف باء الإسلام" لسماحة آية الله السيد هادي المدرسي، و"الفكر الإسلامي" لسماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي، واللذين تناولا موضوع العقيدة بشكل مفصل وخصوصاً في ما يرتبط بعلاقة العقيدة مع الواقع والسلوك.

العلم خير من المال

ان شخصية الشاب المؤمن لن تكتمل دون ان تنهل من علوم القرآن الكريم، ومن عذب كلام رسول الله صلى الله عليه وآله، وكذلك كلمات أهل بيته الأطهار عليهم السلام، فقد أكدوا سلام الله عليهم على طلب العلم في مواطن عديدة وفي أوقات مختلفة، فعن رسول الله صلى الله عليه وآله انه قال: "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة"، وعن أمير المؤمنين أيضا في وصيته لكميل بن زياد انه قال: "يا كميل؛ العلم خير من المال، العلم يحرسك وانت تحرس المال، المال تنقصه النفقة والعلم يزكو على النفقة..."

ان من الخطأ ان ينصرف الشاب في مقتبل عمره الى طلب المال دون العلم، لأنه بذلك سيكوّن شخصيةً سطحيةً تهتم بالمظاهر والأمور السطحية، فضلاً عن تحوله الى إنسان استهلاكي، يعيش يومه، وهذا ينعكس على المجتمع الذي سيتحول الى مجتمع مادي، ومجتمع كهذا يخلو من المعنويات لا يملك الروح، فهو لا يعرف قيمة، غير قيمة المال، وهذا بدوره يدفع بالمجتمع لأن يجافي الفقير والمحتاج، بل يلغي أي نوع من أنواع التعاون والتكافل، والشاب عندما يتجه الى طلب المال دون العلم، فهو معرض للإصابة بمرض حب المال، ثم قساوة  القلب، ثم تصبح على قلبه غشاوة، فلا يشعر إلا بالأمور المادية، وهذا بداية خطيرة لإنسان في مقتبل العمر، من المفترض أن تكون مشاعره مرهفة، فيّاضاً بالعاطفة والحنان والعطاء. ومن هنا فإن طلب العلم اولى من طلب المال، لان طالب العلم سوف يضمن لنفسه بناء شخصية مؤمنة قوية منفتحة تسير وفق أسس علمية.


ارسل لصديق