في ذكرى غياب العدل كيف نتجنّب الظلم؟
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2016/07/04
القراءات: 522

صحيح أن الظلم أمر قبيح والجور سلوك غير مرغوب فيه، ولا تقبل به الفطرة الانسانية، بل نلاحظ تبرؤ الجميع من هذه الخصلة، بيد أن واقع الانسان يحكي صورة اخرى، فهو ذلك «الظلوم» الذي كشفه القرآن الكريم، وكما اشار الى هذه الحقيقة ايضاً، العلماء والحكماء، بأن من النادر وجود اشخاص لم يرتكبوا الظلم في حياتهم، أو انه التزم العدل بحذافيره، وهذا يعني أن القضية نسبية؛ فثمة عوامل محفزة لنزعة الظلم في النفس الانسانية، وربما الى ذلك ذهب المتنبي عندما قال:

 

الظلم من شيم النفوس فإن تجد               ذا عــــفة فـــــلعلة لا يظلــم

 

يشير علماؤنا الى جملة عوامل محفزة لارتكاب المظالم صغيرها وكبيرها، وربما يصدر بعضها دون شعور من صاحبها الذي يكون في أجواء ايمانية، كالاجواء التي نعيشها حيث المظاهر الدينية وإقامة المراسيم والشعائر وغيرها، وهنا مكمن الخطر، فمن ينظر لمثل «صدام»، هل يعتب عليه ظلمه وجوره؟ بينما رجل يعيش الاجواء الدينية ويعرف نفسه بانّه مؤمن بالله واليوم والآخر، ومن الموالين والعاملين و...غير ذلك، فان خطر سقوطه في منحدر الظلم يكون اكثر وقعاً وتأثيراً في الامة.

وهذا ما نقتبسه من سيرة أمير المؤمنين، عليه السلام، وهو يحذرنا من التحول فجأة وعلى حين غرّة؛ الى ظالمين لانفسنا والآخرين، فقد جاءت تحذيراته عليه السلام الشديدة والمتكررة في فترة حكمه، فالجميع؛ لاسيما المقربون منه، من ولاة وشخصيات متنفذة، كانوا يعدون انفسهم بالغين قمة الايمان والتقوى والتدين في ظل حكم الامام علي، عليه السلام، لذا جاء التحذير من الضغوط الاجتماعية تحديداً، والتي من شأنها ان تدفع الى ممارسة الظلم بحق الناس، عندما يتجاهل الفقر والحرمان في المجتمع من اجل نزوة عابرة او مصلحة شخصية او عائلية او فئوية.

إن حادثة الحديدة المحماة التي قربها أمير المؤمنين، عليه السلام، من أخيه عقيل في تلك القصة المعروفة، تمثل احد دروس العدل والمساواة والانصاف وتجنب الظلم مهما كانت الاجواء الضاغطة والحرجة.

والامام، عليه السلام، يصف أخاه الذي كان يكبره بعشرين سنة، ومعروف عنه كثرة عياله واطفاله، وكيف انهم كانوا «شُعث الشعور، غُبر الألوان من فقرهم...»، وقد جاء كلام الإمام، عليه السلام، في خطبة خاصة في نهج البلاغة تحت عنوان: «في التبرؤ من الظلم»، وأكد فيها أنه رأى أخاه عقيلا «وقد أملق»، أي أمعن في الفقر المدقع، وعليه فان كل المبررات متوفرة لأن يعطي الامام عقيلاً ما يريد، وهو ليس حفنة من الدنانير او الدراهم او الامتيازات كما يحصل اليوم، وإنما «من برّكم صاعاً»، أي قليلاً من الطحين ليخبزه ويطعم به اطفاله الجياع.

انه طلب بسيط في ظاهره، بيد ان الامام، عليه السلام، يذكرنا بالنتائج، فظلم العباد ينتهي بخسران الآخرة، ولذا يقول، عليه السلام، في هذه الخطبة: «والله لأن أبيت على حسك السعدان مسهّداً، أو أُجرّ في الأغلال مصفّداً، أحب إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصباً لشيء من الحطام»، وللعلم فقط؛ فان «حسك السعدان» هي من أشد الاشواك الصحراوية قساوة وأذى، فلاحظوا قمة البلاغة ودقة التعبير المجازي، فالشوك يخشاه الانسان على اصبعه، والامام يتحدث عن النوم عليه!

يتصور البعض أن الظلم يصدر فقط من الحكام والطغاة، والمظلوم؛ هو ذلك المعتقل والمشرد او حتى الشهداء الذين يسقطون في السجون وعند خشبة الاعدام، وهذا قطعاً من مصاديق الظلم والجور، بيد ان القضية اكبر من هذا بكثير، فهي تتعلق بالعلاقات بين بني البشر، ولعل عدم وجود رؤية صحيحة الى هذه المعضلة والمرض النفسي، جعل مختلف انواع المظالم التي نعيشها في الاسواق وفي داخل البيوت وفي الدوائر الحكومية ومختلف نواحي الحياة، كأنها امر طبيعي مستساغ.

ولمن يبحث عن حلول الازمات والمشاكل التي تعيشها الامة، ما عليه إلا ان يفتش عن مكامن الظلم في العلاقات بين افراد المجتمع، وبين المجتمع والمسؤولين في الدولة، وشهر رمضان المبارك، وذكرى استشهاد الامام أمير المؤمنين، عليه السلام، تمثل فرصة جديدة للتذكير بضرورة مكافحة كل اشكال الظلم والجور، والدعوة الى العدل والانصاف والمساواة ما استطعنا الى ذلك سبيلا.


ارسل لصديق