كربلاء وحي الشعر والشعراء
كتبه: محمد طاهر الصفار
حرر في: 2016/07/04
القراءات: 1125

قلّما تجد شاعراً لم تستوقفه تلك الدماء التي لمَّا تزل تلهث على أفق هذه المدينة براية حمراء ترمز إلى ذروة العطاء البشري، وتشكّل صلة نابضة، حيّة تروي للعصور قصة ملحمتها الخالدة.

إنها كربلاء، سمو المعنى..، وجذوة التاريخ..، ومجمع القيم، كربلاء بصبغة الحزن الإنساني العميق تكسب الشعر والشعراء وجهاً إنسانياً نبيلاً ساطعاً يمتدّ من عاشوراء، فيتدفق في الضمائر والقلوب، ويتجدد مع الأيام والأعوام، ولم يزل الشعر منذ ذلك اليوم طائفاً بكعبتها.

لقد تخطّت (كربلاء) حدود جغرافيتها، وطوت تضاريسها، فلم تعد خاضعة لبقعة معينة من الأرض، بل أصبحت رمزاً لفلسفة الرفض عبر الأزمنة والأمكنة والأحداث، لتجسّد عظمة الثائر وعظمة الثورة.

إنها (كربلاء) (المكان) الذي التحم مع (الرمز) و(الزمان) لتبزغ على أرضها ملحمة الخلود: (الحسين، عاشوراء، كربلاء).

إنها (كربلاء) التي شهدت أول صرخة ثورية دامية للمسلمين ضد الظالمين، فأصبحت منذ ذلك اليوم منبع حزن لا يزول، وفورة غضب لا تهدأ، فواكبها الشعراء منذ الحدث الحسيني، منذ عاشوراء حتى الآن عبر اتجاهات ومحاور ومواضيع متعددة، فكان للشعر العربي من ذلك ثروة لا تقدر.

وقد ألفت في شعر كربلاء، الموسوعات الكبيرة الضخمة في مقدمتها: «دائرة المعارف الحسينية» للمحقق السيد محمد صادق الكرباسي الذي قدم خدمة جليلة للأدب بشكل عام، والأدب الحسيني بشكل خاص، في إنشاء هذه الموسوعة، و»أدب الطف» للسيد جواد شبر، و»أدب الشيعة» أو «شعراء الحسين» للشيخ عبد الحسيب طه، كما زخرت الكتب والمعاجم الأدبية بشعر كربلاء، كـ»شعراء الغري» و»شعراء الحلة» و»شعراء بغداد» للسيد علي الخاقاني، إضافة إلى مجموعة الدواوين الكثيرة لشعراء من مختلف العصور.

 

 الشعر وتجربة الثورة

بدأ الشعر مرحلة جديدة مع كربلاء وهي تحمل إرثاً عظيماً ضخماً، وأثراً عميقاً مدوياً، منذ

اصطبغت أرضها بدماء الشهادة، واستوعبت تلك الروح الكبيرة التي حملت مبادئ السماء لتجسّدها تجسيداً كاملاً وبأروع صورة على أرضها، فبثت في الشعر روحه، وأسبغت عليه جوهره، ولقنته خلقه وإبداعه، وبالمقابل فقد استمد هو منها كنهه.

كان الشاعر يلهث وراء السراب ليستعير من ملاحم اختلطت فيها الحقائق بالخرافات، وفي شخصيات اختلف في وجودها من عدمه، ليستقي منها مادة شعره، ويتغنى ببطولات وأمجاد قبلية ضائعة في تيه الصحراء، ليكوّن مادته من التبجح بالأنساب، والغلو بالمحامد والمدائح الذي يضاهي الخوارق، والتفاخر بالغزو والسلب، فتأتي كربلاء الواحة، كربلاء الحقيقة، كربلاء الينبوع، الذي يرفد الشعراء بدفقات الولاء ويبث فيهم روح الثورة، روح الشهادة، فأصبحت كربلاء أنشودة الشاعر الحماسية، ولحنه الشجي.

وهكذا بدأت رحلة الشعراء مع كربلاء التي لم تتوقف في أقسى الظروف وأبشعها وأشدها إرهاباً ورعباً، ولن تتوقف ما دامت القلوب تنبض بالحياة، وما دامت دروس كربلاء تزخر بالعطاء، لترسم للمسلمين ملحمتهم الخالدة.

إن الأمم تجدد ملاحمها لتبقى حيّة بتعاقب أجيالها عن طريق شعرائها وكتابها وفنانيها، لأن تلك الملاحم تمثل لها وجودها التاريخي وصراعها من أجل كرامتها ومسيرتها الحضارية، وقد بذل الشعراء من تلك الأمم وغيرهم جهدهم على إبراز تلك الملاحم بصورة مشوّقة ومؤثرة، لأنها تدور حول تاريخ الأمة ووجودها؛ يحثهم على ذلك الاعتزاز بالتراث لخلق هدف إنساني منه.

 

 إبداع لإبقاء جذوة الثورة متّقدة

لقد أذكت كربلاء الروح الثورية لدى المسلمين والتي حاول الأمويون إخمادها واستمرت تلك الروح في الثورات التي تلتها والتي اتخذت من كربلاء عاملاً مهماً من عوامل إثارة النفوس فكانت كربلاء رمزاً وشعاراً وروحاً لكل الثورات التي قامت ضد الظلم والباطل.

وقد مثّل شعر كربلاء دوراً مهماً في إحياء تفاصيل تلك الثورة بل كان من أكبر العوامل في التأثير في النفوس، خصوصاً أن كربلاء كانت صرخة لا تُخمد، ومأساة وفاجعة تجلّ عن الوصف، كما كان دور الأئمة المعصومين،عليه السلام، كبيراً في ترسيخ كربلاء بكل تفاصيلها في ضمير الأمة وإبقائها حية من خلال التأكيد والدعوة إلى تشجيع الشعراء وعقد المجالس الشعرية الخاصة برثاء الحسين،عليه السلام، والحثّ عليه.

فقد حرصوا، عليهم السلام، أشد الحرص على إبقاء روحية الثورة الحسينية ومبادئها متجذرة في النفوس، و حيّة في الضمائر، ولهم في ذلك روايات كثيرة جداً، واستمرت هذه الأشعار في تصعيد روح الثورة في الوجدان الشعبي، حتى أصبح هذا الشعر ما لا يمكن حصره أو تعداده، يقول الشيخ محمد جواد مغنية: (ما عرفت البشرية جمعاء من أبنائها قيل فيه من الشعر ما قيل في الحسين بن علي).

وتقول الدكتورة بنت الشاطئ في موسوعتها (آل النبي) (ص765): (ما أحسب أن التاريخ قد عرف حزناً كهذا طال مداه حتى استمر بضعة عشر قرناً دون أن يفتر، فمراثي شهداء كربلاء هي الأناشيد التي يترنّم بها الشيعة في عيد حزنهم يوم عاشوراء في كل عام ويتحدّون الزمن أن يغيّبها في متاهة النسيان).

 

 حرب أخرى ضد الشعر الحسيني

واستمرت تلك المسيرة وتواصلت إلى الآن وإلى الأبد، ومن الجدير بالذكر أيضاً هو أن الذي وصلنا من شعر كربلاء هو النزر اليسير مما قيل، فالحرب التي شنّها الأمويون والعباسيون على شعراء الشيعة وقتلهم وسجنهم وتشريدهم وتغييب شعرهم كان لها دور في تضييع الكثير من ذلك التراث الضخم، كما لعبت النزعة المذهبية والصراع الأيديولوجي دوراً كبيراً في غياب الكثير جداً من هذا الشعر.

ونجد من الضروري الحديث عن الجريمة التي ارتكبها الأمويون والتي تضاف إلى سجل جرائمهم وهي جريمة قتل الكثير من شعر كربلاء، والذي يمثل ذروة التراث الإسلامي ومحاولة إبادته لما يشكله من رعب لهم، لأنه يكشف جرائمهم ويثير الرأي العام ضدهم، فالسيد الحميري - مثلاً - وهو شاعر أهل البيت، وقد اقتصر شعره عليهم كان من الشعراء الثلاثة الذين لا يدرك شعرهم لكثرته، وهم بشار، وأبو العتاهية، وفي مقدمتهم السيد، كما وصفه جميع المؤرخين حتى قال أحد معاصريه: (جمعت للسيد ألفي قصيدة، وظننت أنه ما بقي عليّ شيء، فكنت لا أزال أرى من ينشدني ما ليس عندي فكتبت حتى ضجرت، ثم تركت)! ولكنك تتفاجأ حينما تقارن بين هذا القول وبين ديوانه المطبوع الذي لا يحتوي سوى قصائد ومقطوعات معدودة!

وتستمر عملية الإبادة الشعرية، فالكميت بن زيد الأسدي يموت مخلّفاً خمسة آلاف ومائتين وتسعة وثمانين بيتاً، (5289) كما ذكر ذلك أبو الفرج الأصفهاني في (الأغاني) والطبري في (تاريخه)، ولكن شعره الآن لا يساوي ربع هذا العدد ! وهناك من الشعراء من اختفى اسمه مع شعره، فقد ذكر الطبري في تاريخه: (إن عبد الله بن عمرو البدّي من أشجع الناس، وأشعرهم، وأشدهم حباً لعلي)، ولكن هل تجد لهذا الشاعر المتفرّد بين الشعراء والفارس الشجاع شعرا يليق بمكانته؟

وكم من أمثال هذا الشاعر الفارس قد أضاعهم التاريخ أو بالأحرى المؤرخون؟ يقول أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني: (كانت الشعراء لا تقدم على رثاء الحسين مخافة من بني أمية وخشية منهم)، كما ضاع أو أُضيع الكثير من شعر التوابين، (وكان مما قيل في ذلك قول أعشى همدان)، كما ذكر الطبري، وكان يسمى شعر (المكتّمات). وقد أورد ابن الأثير قصيدة منه في تاريخه.

كما يورد المرزباني (مكتّمة) أخرى لعوف بن عبد الله الأزدي وهو ممن شهد مع أمير المؤمنين، عليه السلام، في صفين ومن التوابين وله قصيدة في رثاء الحسين، عليه السلام، قال عنها المرزباني إنها كانت تخبأ أيام بني أمية وإنما خرجت بعدهم ويوردها الشيخ عباس القمي في (الكنى والألقاب) ومنها:

 

وقولوا له : إذ قام يدعو إلى الهدى

وقبل الدعا لبيك لبيك داعيا

سقى الله قبراً ضمّن المجدَ والتقى

بغربيةِ الطفِ الغمامَ الغواديا

فيا أمةً تاهت وضلّت سفاهةً

أنيبوا فأرضوا الواحدَ المتعاليا

 

كما ظهر في ذلك الوقت شعر (الجداريات)، وهو الشعر الذي كان يكتبه الشاعر على جدران الأماكن التي أعدت للاستراحة في السفر فيمر بها الناس ويقرؤونها وتتناقل على الألسن ولا يعرفون لمن هي، وقد اشتهر بذلك الشاعر يزيد بن مفرغ الحميري الذي كان من الشعراء الذين رثوا الحسين، عليه السلام، كما عُرف بهجائه الشديد للأمويين، فناله منهم أشد العذاب والتنكيل حيث يقول في إحدى قصائده يندد بجرائم عبيد الله بن زياد ويؤلب على قتله ويتحرق أسفاً على إراقته الدماء الزكية:

 

كم يا عبيد الله عندكَ من دمٍ

يسعى ليدركه بقتلكَ ساعي

ومعاشرٌ أنفٌ أبحتَ دماءهم

فرقتهم من بعد طولِ جماعِ

اذكر حسيناً وابن عروة هانئاً

وبني عقيل فارس المرباعِ

 

ومن أقسى الفترات التي مر بها شعراء الشيعة، هي الفترة العباسية التي مارست كل أنواع البطش والتنكيل ضد شعراء كربلاء؛ شعراء الحقيقة، ولكن رغم ذلك؛ اسم الحسين، عليه السلام، وكربلاء لم ينقطع عن أفواههم، فتجد من يقول: (إني أحمل خشبتي على كتفي عشرين عاماً لا أجد من يصلبني عليها)، فحُورب الشعراء، وطُوردوا، وقتّلوا وعذّبوا بأشد أنواع العذاب من أجل عقيدتهم، ونجد في قصة الشاعر عبد الله البرقي خير مثال عن الشعراء الذين عرفوا في ذلك الوقت بشدة ولائهم وتمسكهم بمنهج أهل البيت فعندما يسمع المتوكل قصيدته التي منها:

 

فقلدوها لأهل البيت أنهم

صنو النبي وأنتم غير صنوانِ

 

وهي قصيدة طويلة في مدح أهل البيت عليه السلام، والتعريض ببني العباس يأمر بقطع لسانه وإحراق ديوانه فمات بعد ذلك بأيام قليلة، وكان هذا دأب شعراء أهل البيت عليه السلام رغم قسوة السلطة، لكن رغم تلك الدكتاتورية كان الشعراء يزدادون إيمانا بقضيتهم وتمسكاً بمبدئهم في حب أهل البيت، يقول دعبل الخزاعي في تائيته:

 

أحب قصي الدار من أجل حبكم

وأهجر فيكم زوجتي وبناتي

 

ومن الشعراء من لم يسلم حتى في قبره فـ (تتبعوه رميما) كما جرى للشاعر منصور النمري عندما أمر الرشيد بقطع لسانه وقتله وقطع رأسه لما سمع عنه أنه رثى الحسين عليه السلام، فأخبروه بأنه قد مات فأمر بنبش قبره!! وهذا ما يعطي صورة واضحة للممارسات الهمجية التي كانت السلطة العباسية تمارسها للحد من هذا الشعر ودفنه

وقد حذا الحكام العباسيون حذو أسلافهم الأمويين في إتلاف الشعر الشيعي وساعدهم على ذلك مؤرخو السلطة فعبارة: (إن كثيراً من شعره قد ضاع)، و(ضاع أغلب شعره)، و(لم يبق من شعره إلّا القليل، وأغلبه قد ضاع) تترددّ كثيراً في مقدمات المحققين عندما ينبرون لتحقيق ديوان لأحد شعراء كربلاء؛ فدعبل الخزاعي الذي قال عنه الجاحظ: (إن دعبلاً قال الشعر مدة ستين سنة، ما ذر شارق إلّا قال شعرا) لا يحتوي ديوانه المطبوع إلا على قصائد ومقطوعات قليلة، وقياساً على قول الجاحظ ينبغي أن يكون ديوان دعبل الحقيقي أكبر من المطبوع بعشرين مرة على الأقل لأنه: (قال الشعر وهو صبي)، و(عاش 98 سنة)، و(لم ينقطع عن الشعر طيلة حياته) كما وصفه الجاحظ وغيره من المؤرخين، ولولا أن قصيدته التائية المشهورة التي أنشدها عند الإمام الرضا، عليه السلام، وتناقلتها الأفواه لما سلمت من يد الاغتيال كما آلت إليه قصيدة إبراهيم بن العباس الصولي (المتوفى243هـ) في مدح أهل البيت التي أنشدها أيضا عند الإمام الرضا، عليه السلام، والتي تزيد على مائتي بيت ولم يحفظ لنا التاريخ سوى مطلعها الذي رواه أبو الفرج الأصفهاني في الأغاني (ج3ص83) وهو:

 

أزال عزاء القلب بعد التجلّدِ

مصارع أولاد النبي محمدِ

 

وتتناسل تلك اليد «الأمينة»!! على التراث الأدبي، وتمتد وتتضح بصماتها في ديوان ديك الجن الحمصي؛ فهذا الشاعر الذي قصده دعبل الخزاعي إلى بلده ونعته بــ (أشعر الجن والإنس)، ولم يخفِ أبو نؤاس انبهاره بشعره فقصده هو أيضاً ليقول له: (فتنت أهل العراق بشعرك)، بقي شعره (1110) سنوات متناثراً في بطون الكتب حتى تصدّى عبد المعين الملوحي، ومحي الدين الدرويش الحمصيان لجمعه عام (1960). ولكن هذين «الأستاذين» قطعا كل صلة للشاعر مع أهل البيت، حتى ليُخيل إلى القارئ أن هذا الشاعر لم يدرك الإسلام! فلم يذكرا بيتاً واحداً للشاعر فيهم، رغم انه من شعرائهم، حتى انبرى الدكتور أحمد مطلوب، والأستاذ عبد الله الجبوري لصون هذه الأمانة، فجمعا معه ما بقي من شعر ديك الجن في حق أهل البيت، عليهم السلام، باعتمادهما على نسخة خطية بيد الشيخ محمد السماوي بلغت (39) قصيدة في (278) بيتاً بعثها إليهما الشيخ محمد علي اليعقوبي.

هكذا تلعب الأهواء والعصبية دورها في ضياع تراثنا الأدبي، وهؤلاء الشعراء الذين ذكرناهم هم نموذج للكثير من الشعراء الذين ضاع شعرهم أو بالأحرى أُضيع بسبب انتمائهم لمدرسة كربلاء، فالذي وصلنا من شعر كربلاء هو النزر اليسير مما قيل.

كما لم يسلم الشعر الأندلسي من هذا الضياع أو التضييع فما كان يفوت السلطة تضييعه ودفنه يتكفل المؤرخون بإضاعته، ونكتفي من ذلك بما جاء في مقال الدكتور (عبد اللطيف السعداني)، المغربي تحت عنوان (حركات التشيّع في المغرب ومظاهره) في مجلة الهادي (1392هـ) حيث يقول: (ونتلمس هذه الحركة فيما بعد عصر مبدع هذه القصيدة الحسينية، فنعثر على أثر آخر للفكر الشيعي حيث نلتقي بأحد أدباء الأندلس في النصف الأول من القرن السابع الهجري، هو القاضي أبو محمد بن عبد الله القضاعي البلنسي المقتول في (20 محرم سنة 658 هـ) ونقف على اسم كتابين من مؤلفاته العديدة موضوعهما هو رثاء سيدنا الحسين، أولهما؛ (اللجين في رثاء الحسين)، ولا يعرف اليوم أثر لهذا الكتاب غير اسمه، وثانيهما؛ (درر السمط في أخبار السبط) وكان كل ما بقي من هذا الكتاب هو ما نقله المُقري في كتابه (نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب)، وقد اعترف المُقري بأنه أغفل نقل بعض الفقرات من الكتاب مما يشمّ منه رائحة التشيع، ثم إنه اكتفى بنقل جزء من الباقي فقط) إلى هنا انتهى كلام السعداوي ونترك التعليق للقارئ.


ارسل لصديق