الفكر السياسي عند المرجع المدرسي: معالم في تنظيم الدولة والسلطة من صميم النظرية الاسلامية
كتبه: سلمان العيد
حرر في: 2016/07/05
القراءات: 431

ربما كان السيد محمد تقي المدرسي من مراجع الدين الشيعة القلائل الذين أولوا الجانب السياسي جزءاً كبيراً من نشاطهم اليومي، ونال نصيباً وافراً من انتاجهم الفكري، وقد عرف السيد المدرسي بوفرة عطائه في هذا الجانب، فكان هذا العطاء موقع رصد ودراسة من قبل العديد من المتابعين، فصدرت أكثر من دراسة وأكثر من بحث وأكثر من إصدار يتناول السيرة الذاتية والتجربة السياسة وتفاصيل المشروع الفكري والثقافي لهذا المرجع المتميز.

ولعل آخر ما صدر في هذا المجال؛ كتاب «الفكر السياسي عند المرجع المدرّسي» لمؤلفته رغد ابراهيم علوان كاظم، وهو عبارة عن بحث لتحقيق متطلبات درجة الماجستير من جامعة بغداد، فقد رصدت عدداً من المعالم التي اتسم بها الفكر السياسي لدى السيد المدرسي، إذ تقول المؤلفة رغد كاظم في مقدمة الكتاب: «يُعد السيد المدرسي من الشخصيات الإسلامية المعاصرة التي تميزت بالقدرة على التجديد من خلال تحديده للهدف الأساس الذي تتوخاه حركة الاجتهاد الفقهي وتتأثر به، وهو تمكين المسلمين من تطبيق النظرية الإسلامية في المجالين الفردي والاجتماعي، الفردي بالقدر الذي يتعلق بسلوك الفرد أو تصرفاته، والاجتماعي بالقدر الذي يتعلق بإقامة حياة الجماعة البشرية وما يتطلبه ذلك من علاقات اقتصادية واجتماعية وسياسية».(ص 23)

وبذلك، تجزم الكاتبة بأن مصدر التجديد لدى المدرسي هو وضوح الهدف الذي يتوخاه، ويسعى لتحقيقه، والمتمثل ـ حسب الكاتبةـ في تطبيق النظرية الإسلامية، على الصعيدين الشخصي والجمعي. وجزمت في الوقت نفسه بأن هذا الهدف هو نفسه هدف «حركة الاجتهاد الفقهي» وتقصد بذلك هي عملية استنباط الحكم من المصادر الشرعية كــ «الكتاب، والسنة، والاجماع، والعقل، وغير ذلك»، ولذلك «تعددت الرؤى والطروحات الفكرية للسيد المدرسي لتشمل كل جوانب الحياة الاجتماعية الاقتصادية والسياسية، وتبلورت في كتبه وبحوثه العلمية التي حاول خلالها تأكيد شمولية الإسلام». (ص 24)

وقد تبدو إشكالية هنا تتمثل في أنه مادام هدف الاجتهاد الفقهي هو تطبيق النظرية الإسلامية، فما السر وراء تميّز المدرسي وأمثاله من الفقهاء المجددين، دون غيرهم، رغم أنهم جميعاً منضوون تحت حركة الاجتهاد الفقهي، الذي ذكرته المؤلفة، ولم نجد لدى الكثير من الفقهاء أي نظرية يتميزون بها عن غيرهم.

تجيب المؤلفة ـ بقصد أو بدون قصد ـ على هذه الإشكالية لسببين:

1ـ اعتماده على المنهج المقارن من خلال انفتاحه على النظريات الأساسية في العالم المعاصر، أي ما يتسم به من انفتاح تجعله يبدع في نظرياته، خصوصا في المجال السياسي.

2 ـ عدم اقتصاره على الجانب النظري للبحث، وإنما كانت لديه محاولات على صعيد التطبيق والسلوك السياسي. (ص 24)

فهو بهاتين الصفتين يملك نظرية تكاد تكون خاصة به في نظام الحكم السياسي وفقاً للنظرية الإسلامية، من هنا يمكن استخلاص نتيجة مؤداها أن التميز يأتي من جانبين: الانفتاح، والمقارنة، ومن ثم اتخاذ خط خاص، وهذا ما اتسم به السيد المدرسي، وفقا للكاتبة.

 

 البيئة الأولى

وترى المؤلفة عدم وجود الفاصل بين الاطروحة الفكرية لأي مفكر من جهة، وبين الحياة الشخصية والأسرية والاجتماعية لهذا المفكر، لذلك فإن «دراسة أي فكر أو مدرسة فكرية تقتضي تفكيك العوامل الدافعة لولادة ذلك الفكر أو الموقف»، لذلك خصصت الفصل الأول من الكتاب للحديث عن السيرة الذاتية والعلمية للسيد المدرسي، وذكرت إن البيئة الأساس لفكر السيد المدرسي تتمثل في كونه ولد ونشأ ودرس وترعرع في بيئة المرجعية الدينية، سواء من إسرته لأبيه (المدرسي)، أو لأمه (الشيرازي)، فالسيد المدرسي «سليل اسرة كان لها دور كبير في الجهاد والعلم لأكثر من قرن من الزمن، واشتهر فيها سبعة مراجع تقليد وخمسون عالما». (ص 43)

ورغم تفصيل المؤلفة في ذكر الشخصيات التي ساهمت في بناء فكر السيد المدرسي، ورغم أن من ذكرتهم من شخصيات لهم شأن ومواقف سياسية واجتماعية واصلاحية رائدة، لكن التأثير الفعلي في زرع البذور التجديدية لدى الفكر المدرسي يعود في الدرجة الأساس إلى خاله واستاذه الامام الراحل السيد محمد الشيرازي، الذي عاصره لأكثر من 30 عاما، في حين لم يعاصر البقية مثل هذه الفترة، باستثناء والده السيد كاظم المدرسي، الذي ـ رغم رجاحة ما لديه من مستوى علمي ـ لكنه لا يملك رؤى خاصة في المجالات السياسية، من ثم فلا يمكن الجزم بتأثيره من فكر السيد المدرسي، بالتفصيل الذي تحدثت عنه الكاتبة.

 

 السمات الأساسية

بعد التطرق الى البيئة التربوية والعلمية للمدرسي، وقد رصدته المؤلفة بالتفصيل، تتطرق الى السمات الأساسية لآراء السيد المدرسي وحددتها في ثلاث نقاط: السمات الاساسية - المرتكزات الفكرية - الآثار العلمية، وذكرت بأن «منهجية السيد المدرسي في الفقه والأصول والثقافة تجلّت في المنطلقات الثلاثة: العقل - الوحي - الحوادث الواقعة، ميّزت آراءه بعدد من السمات»، أبرزها استنطاق الكتاب الحكيم، والدراية بالسنة وغيرهما. (ص 49 ــ 54) عدا أن «النقطة الحاسمة في منهجية السيد المدرسي التي يهدف الوصول إليها من خلال جملة من بحوثه الفقهية، هي اعتماده فقه المتغيرات وإعطاء الفتاوى الواضحة في الحوادث الواقعة، اعتمادا على الاصول العامة التي نراها في الكتاب العزيز، وايضا تلك التي ألقاها علينا الأئمة المعصومون.» (ص 54)

وبناء على ذلك تذكر المؤلفة عدداً من المرتكزات الفكرية التي اعتمدها المدرسي وهي: «الاستلهام من القرآن الكريم، وحضارية الفكر، وايجابية الفكر، وتأصيل الثقافة»، وكلها تلتقي عند نقطة اساسية؛ وهي أن الدين الاسلامي قادر على صياغة الإنسان، وبناء المجتمع، وبناء الدولة، وبناء الحضارة أيضا»؛ إذ يرى السيد المدرسي أن الاستلهام من الدين الصحيح يشكل القاعدة والمنطق والأصالة، والتفتح على الحياة يشكل المسير والتفاعل، فنحن إذن بحاجة إلى تأصيل وتفتح ولا بد أن نحققهما...». (ص 58 ـ59)

«ويرى السيد المدرسي ــ حسب الكاتبة رغد كاظم ـ أن من عوامل تقدم الأمة الاسلامية الساعية إلى تحقيق أهدافها في الحياة؛ الاعتماد على نظرة متكاملة وشاملة للأحداث الجارية، هذه النظرة يصطلح عليها بالنظرة الحضارية في دراسة المشكلات وتحديد عوامل السير ولوازم التقدم، ويرى المدرسي ان بناء شخصية اسلامية ملتزمة بالتعاليم الدينية والالهية هي الخطوة الأولى في طريق بناء الحضارة الإسلامية الشاملة في جميع مجالاتها...». (ص 109)

 

 الدولة  والسلطة

وامتدادا لتأكيدات السيد المدرسي على قدرة الإسلام على بناء الدولة، افردت المؤلفة فصلا كاملا بعنوان (الدولة في فكر المدرسي)، ويمكن رصد بعض معالمها والتي منها أن الدولة في الاسلام ذات طبيعة دينية، فهي ليست دولة علمانية تفصل الدين عن السياسة، وان الدين الذي تستند إليه هو الدين الاسلامي، خاتم الأديان الصالح لكل زمان ومكان.. وأن الدولة قانونية يحكم فيها القانون الإسلامي، وليس لأحد من أبنائها أن يبدل حكم الله ابدا، والدولة بذلك تكون منظمة لأمور الناس ومحافظة على توازنها وليست غاصبة لحقوق الناس.. (ص 121 ــ 128).

بناء على ذلك فإن خصائص الدولة عند المدرسي أنها  دولة عقائدية ترتكز على الاسلام، وأنها حضارية وعالمية، ذات فكرة شاملة وفلسفة عامة تشمل كل نواحي الحياة الانسانية،  وأخلاقية ترى ان الإنسانية كلها اسرة متكاملة يجمعها الايمان بالله، واهداف الدولة هو تحقيق العدالة،  واحترام الاختلاف، والتوازن بين الجوانب المادية والروحية، وحماية المستضعفين.

وبعد شرح مستفيض حول الدولة واهدافها تنتقل المؤلفة لشرح فكرة السلطة في فكر السيد المدرسي، فالسلطة جزء من عناصر الدولة وركن مهم من أركانها، بل هي من أهم مقوماتها، ويرى المدرسي أن مصدر شرعية السلطة والقوانين في الاسلام هو الله تعالى، الذي له الحاكمية المطلقة على الكون والعالم، فالأمة مأذونة من الله تعالى بممارسة السلطة خارج الحقل الذي تحكمه احكام الشريعة بواسطة وكلائها وممثليها، واما في الحقل الذي تشغله احكام الشريعة والذي يحتاج الى تشريع فقهي اسلامي، فهذا من شأن الفقيه الجامع للشرائط، وحتى الفقيه العادل فإن مصدر سلطته إلهي.

من هنا فإن الفكرة السياسية لدى السيد المدرسي تتمثل في عدة جوانب:

ــ المعارضة، بمعنى الطرح السياسي من خارج السلطة، سواء داخل الدولة أو خارجها، فلهذا الجانب آليات معينة تضمنها فكر السيد المدرسي.

ـ الدولة، وهي الخطوط العامة للكيان الذي يشمل الأرض والشعب والحكومة.

ــ السلطة، ويقصد به الحكومة وآلية تشكليها ومهامها وما شابه ذلك.

 

 ولاية الفقيه

إن مصطلح ولاية الفقيه، من المصطلحات التي يتبناه عدد من فقهاء الشيعة، مع اختلاف في وجهات النظر، من ناحية الشمولية (الولاية العامة)، وغير الشمولية (الولاية الخاصة)، وهي عند السيد المدرسي تعني القيادة؛ قيادة القلوب، وليست قيادة الأبدان؛ قيادة الرضا وليست قيادة التسلط؛ قيادة التسليم وليست قيادة الارهاب؛ ومن دون إيجاد حالة الرضا التي هي الحالة القيادية في المجتمع، يستحيل ايجادها في قمة الهرم التي تشكل القائد الاعلى لهذه الأمة، والقيادة الحقيقية هي لله تعالى، والرسول والامام المعصوم، وفي زمن الغيبة لنواب الإمام المنتظر وهم الفقهاء العدول. (ص 200)

«وينطلق السيد المدرسي في بحثه عن القيادة الاسلامية وضرورة تولي الفقيه العادل السلطة السياسية والدينية في الدولة؛ من عقيدة مفادها ان المرجعية الشيعية تشتمل على عوامل قوة وقدرة لا حصر لها، ولكنها كامنة ومشتتة وغير مستعملة بصورة كافية». (ص 204)

بمعنى أن المرجعية الشيعية التي تطبق في الجوانب الشرعية (العبادات والمعاملات) والتي يطبقها الفقهاء الذي لا يرون الولاية العامة، هذه النظرية يمكن تطبيقها بشكل أفضل على الصعيد السياسي، ذلك اذا تم ما يسعى «إليه السيد المدرسي في بحثه حول القيادة الاسلامية وهو تجسير الفجوة بين الفقيه والأمة، من خلال نقل الفقيه من ميدان الفتيا الى ميدان القيادة، مؤكدا على ان القيادة تعكس حضارة الأمة وتبرز روح نظامها، كما تعطي فكرة جامعة عن فلسفتها في الحياة، مضافا إليها أنها تضمن انطلاقة الأمة واستقامة جهودها وتوجيهها توجيها موحدا نحو الخير والحق، في محاولة لشد بعضها ببعض بما تكون أكثر قوة وأمتن رباطا». (ص 205)

وضمن هذا النطاق، تحدثت المؤلفة عن وظيفة السلطة، وقد حددها السيد المدرسي بالوظيفة الحضارية والتشريعية والقضائية، والتنفيذية، ويحدد هذه الأدوار في الولي الفقيه، و»لعل دور الأمة في ولاية الفقيه الواسعة ينحصر في اختيار الفقهاء الذين يتمتعون بصفات خاصة جعلها السيد المدرسي صمام الأمان للحفاظ على مصير الأمة، ولكن السيد المدرسي يرى انه في حالة لم نتمكن من تحقيق هذه الصورة المثلى من القيادة التي تتمتع بسلطة مطلقة، فإن هناك نوعا من القيادات التي تمتلك شرعية نسبية يعود إليها الفضل في استمرار الحكومة العادلة واعتمادا على مبدأ الشورى، لذلك فقد اعطى السيد المدرسي نموذجا للحكومة الاسلامية جاء كرد فعل للاجابة على متغيرات الواقع، جاعلا الحكم الاسلامي فيه حكما رئاسياً يختار آحاد الأمة شخص الرئيس ويراقبون أداءه لمسؤولياته، ولهم عزله في حال تخلفه حسب ما تقرره القوانين الشرعية، وتنتخب الأمة ـ انطلاقا من أدلة الشورى ـ مؤسسات دستورية هدفها تقديم المشورة وفي الرقابة على الأداء فأعطى بذلك دورا للأمة لتكون مصدرا للسيادة، انطلاقا من مبدأ الكرامة البشرية والحرية اللتين منحهما الله تعالى للإنسان، فهي التي تنتخب الرئيس والمجالس التشريعية والرقابية في الدولة حسب آلية تقررها الأحكام الشرعية». (ص 247 ــ 248)

وعن حقوق الإنسان فقد افردت المؤلفة فصلاً كاملاً استعرضت رأي السيد المدرسي في هذه المسألة، وقد أكد اسلامية حقوق الإنسان، والحريات بكافة مسمياتها، ومنها  حق المشاركة السياسية والتعليم والصحة والبيئة وما شابه ذلك، ممن اقرته الشريعة الدولية لحقوق الإنسان.

تلك أبرز نقاط الكتاب الذي اصدره مركز العصر للثقافة والنشر ـ بيروت ويتألف من 340 صفحة من الحجم الكبير، يتألف من مقدمة واربعة فصول، ويحتوي على العديد من المعلومات التي تكشف علاقة السياسة بالدين.

 

 وقفة اخيرة

في ختام هذه القراءة لهذا الكتاب اجد من المهم التنويه لعدد من الملاحظات بعضها ذكر في السطور اعلاه، وبعضها لم يتم التطرق اليه:

أولا: السيد المدرسي كان زعيما سياسيا، ولديه نظرية مفصلة في موضوع المعارضة، غير الذي ذكرته المؤلفة، وردت تفاصيلها في كتاب «البعث الإسلامي»، الذي يتحدث عن فكرة الثورة، ومعنى الثورة، وتحديات الثورة، هذه الفكرة لم تتطرق المؤلفه له لا من قريب ولا من بعيد، بل إن كتابا هاما من كتب السيد المدرسي وهو «البعث الإسلامي» لم يأخذ له موقعا لدى الباحثة.

ثانيا: من معطيات الفكر المدرسي هو الاتكاء على التاريخ (التراث)، فهو يستمد جزءا من نظريته في الثورة والدولة، وقد تضمن كتاب (التاريخ الإسلامي)، معالم دقيقة في هذا الجانب، منها دمج الدين بالسياسة، بدليل أن الإمام علي، عليه السلام، كان معارضا وصار حاكما، وإن الإمام الحسين ثار على الحكم القائم، وأن الإمام الرضا دخل في منظومة الحكم العباسي، مثل هذه المواقف.. كما أن دراسة حديثة أعدها السيد المدرسي عن عهد الإمام علي عليه السلام لمالك الأشتر، يستعرض فيه جوانب عديدة من الحكم، تجسد بعض فكر المدرسي في الجانب السياسي.

ثالثاً: يمتلك المدرسي نظريات عدة، ذات علاقة جدلية بالفكر السياسي، من قبيل صياغة المجتمع والثقافة والنظام الإسري، وكلها معالم تدل على نجاح الحكم السياسي، وللمدرسي طروحات في هذا الجانب في عدة كتب مثل (الفكر الإسلامي، الاسلام ثورة اقتصادية، المجتمع الاسلامي).

رابعاً: السياسة، لا تعني الحكم فقط، وإنما تعني الحكم والمعارضة والمشاركة، فتارة تكون حاكما، وتارة تكون معارضا، وتارة تكون مشاركا، ولكل هذه المعطيات للسيد المدرسي رأي، ويستدل بذلك أن الأنبياء والأئمة كانوا معارضين للحكومات، وبعضهم وصل الى الحكم، وبعضهم شارك في الحكم غير الإسلامي، ومن ثم فهناك محددات لهذه المشاركة، لابد لشخص سياسي مثل السيد المدرسي من رأي.

واخيرا يمكن القول بأن نظريات السيد المدرسي متميزة، بحاجة إلى أن تأخذ موقعها في الحكم، ليس بالضرورة من قبل المدرسي نفسه، وإنما من قبل الحكومات العربية، ومنها حكومة العراق الحالية.


ارسل لصديق