الغيبة.. مظاهرٌ متفشيةٌ واثارٌ خطيرةٌ
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2012/09/26
القراءات: 4136

لما كان الاسلام منهاجاً للحياة بكل تفاصيلها وابعادها، فان الاسرة والمجتمع من بين اهم هذه الابعاد التي عنى بها الاسلام عناية ما بعدها عناية؛ ذلك لما لهذا البعد من اهمية بالغة؛ حيث ان الاسرة والمجتمع انما هما تجمع من وحدة اصغر، ألا وهي الإنسان الذي هو خليفة الله في الارض، ولأجله خلق الله كل ما يحيط بذلك الانسان، وحوله تتمحور رسالات السماء وشرائعه.

ولما كان التجمع ضرورة من ظروريات خليفة الله في ارضه؛ فان الاسلام اهتم بكل ما يضمن تماسكه ويقوي روابطه؛ فشرّع الشرائع، وسن القوانين، ونظم العلاقات الاجتماعية لذلك. وما التاكيد على بر الوالدين، وصلة الارحام، و أداء الخمس والزكاة والصدقة والقرض الحسن  وغيرها. وتوعّده لذلك بالجزاء الحسن في الدنيا والاخرة، إلا مثالا على ذلك.. وفي الوقت نفسه منع كل ما من شأنه، تهديم حصن المجتمع وتفكيك روابطه؛ وما تحريم عقوق الوالدين وقطع صلة الرحم والربا وعدم اداء الحقوق الشرعية، وغيرها، والتوعد بالعقاب عليها في الدنيا والآخرة، إلا مثالاً على ذلك ايضاً.

غير ان هذه الموانع والمحرمات المنهي عنها، وان كانت تشترك في نفس الحكم الشرعي ألا وهي الحرمة، إلا انها، - وكما يبدو- تختلف في شدة تأثيرها في هدم الروابط الاجتماعية. وهذا يبدو ظاهرا من النصوص الناهية عنها، قال تعالى: "والْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ". و عن النبي الاكرم صلى الله عليه وآله، : "إياكم و الغيبة فإن الغيبة أشد من الزنا إن الرجل قد يزني و يتوب فيتوب الله عليه و إن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه".

وهكذا فان من بين أخطر ما حذر منه الاسلام، ونبه عليه عبر عدد كبير من النصوص، والذي تسبب بهتك حرمة المجتمع وتشرذمه وانحلاله - أي مجتمع كان ابتداءً بالصديقين مرورا بالاسرة والروابط والشركات والمؤسسات وغيرها وصولاً الى المجتمع الإسلامي الأكبر– هو الغيبة.. اذ قال تعالى: "ولَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ" (12/الحجرات).

فما هي حقيقة الغيبة؟ وماهي مظاهرها المتفشية في المجتمع؟ وما هي آثارها الدنيوية والأخروية على الفرد والمجتمع؟

الغيبة هي: ذكر الإنسان حال غيبته بما يكره نسبته إليه من العيوب بقصد الانتقاص و الذم. فعن النبي ص انه قال: "هل تدرون ما الغيبة؟ فقالوا: الله و رسوله أعلم. قال: ذكرك أخاك بما يكره". وقد سأُل الامام الصادق عليه السلام عن الغيبة ، فقال: "هو أن تقول لأخيك في دينه ما لم يفعل و تبث عليه أمرا قد ستره الله عليه لم يقم عليه فيه حد"

مظاهر الغيبة في مجتمعنا

واذا كان ابرز المظاهر للغيبة هو الذكر باللسان، فان لها مظاهر اخرى متفشية في مجتمعنا اليوم، فتارة تتحقق بالمحاكاة (التقليد)، كأن يقلّد- المغتاب- طريقة مشية انسان أعرج – مثلاً- انتقاصاً منه او استهزاء، فهي غيبة بل ربما هي أشد انواعها لأن المحاكاة أعظم من الذكر باللسان. و كذلك تتحقق الغيبة بالكتابة، فإن الكتابة كما قيل أحد اللسانين، وذلك بان يذكر المغتاب عيب انسان كتابة.

ومن أنواع الغيبة؛ غيبة المراءين ممن يدَّعون الفهم و العلم، فإنهم يوصلون المقصود (عيب إنسان ما)، على صفة أهل الصلاح و التقوى؛ ليظهروا من أنفسهم التعفف عن الغيبة، و لا يدرون بجهلهم أنهم جمعوا بين فاحشتي الرياء و الغيبة، مثل أن يُذكر عند المغتاب إنسان فيقول: الحمد لله الذي لم يبتلنا بحب الرئاسة أو بحب الدنيا، أو يقول: نعوذ بالله من سوء التوفيق، أو نسأل الله أن يعصمنا من كذا... في اشارة الى ان هذه الصفات متوفرة في ذلك الانسان الغائب. فهذا المغتاب ينزه نفسه عن هذه الصفات بحمد الله تارة وبالإستعاذة تارة اخرى وبالدعاء ثالثة مغتابا غيره.

كما أن المغتاب قد يقدم مدح من يريد غيبته فيقول: ما أحسن أحوال فلان ما كان يقصر في العبادات و لكن قد اعتراه فتور ، و ابتلي بما نبتلى به كلنا و هو قلة الصبر. فيذكر نفسه-المغتاب- بالذم و مقصوده أن يذم غيره و أن يمدح نفسه –المغتاب- بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم، فيكون مغتابا مرائيا مزكيا نفسه ، فيجمع بين ثلاث فواحش  ، و هو يظن بجهله أنه من الصالحين المتعففين عن الغيبة .فهكذا يلعب الشيطان بأهل الجهل إذا اشتغلوا بالعلم أو العمل من غير أن يتقنوا الطريق ، و يتعبهم و يحبط بمكايده عملهم و يضحك عليهم.

و من أقسامها الخفية الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب ،فإنه إنما يُظهر التعجب ليزيد نشاط المغتاب في الغيبة فيزيد فيها ، فكأنه يستخرج منه الغيبة بهذا الطريق. فيقول عجبت مما ذكرته ما كنت أعلم بذلك إلى الآن وما كنت أعرف من فلان ذلك .يريد بذلك تصديق المغتاب  ، و استدعاء الزيادة منه باللطف و التصديق للغيبة.

آثار الغيبة

وللغيبة آثارها الخطيرة في الدنيا كما في الاخرة، وعلى الفرد كما على المجتمع؛ ولذلك ركزت تعاليم السماء على التحذير منها، ونبّهت على خطورتها أيما تنبيه.فعَنِ الامام الصَّادِقِ عليه السلام عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام فِي حَدِيثِ الْمَنَاهِي: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ نَهَى عَنِ الْغِيبَةِ وَ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا... وَ قَالَ مَنِ اغْتَابَ امْرَأً مُسْلِماً بَطَلَ صَوْمُهُ وَ نُقِضَ وُضُوؤُهُ وَ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفُوحُ مِنْ فِيهِ رَائِحَةٌ أَنْتَنُ مِنَ الْجِيفَةِ يَتَأَذَّى بِهِ أَهْلُ الْمَوْقِفِ وَ إِنْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ مَاتَ مُسْتَحِلًّا لِمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ..."

والغيبة نار تأكل حسنات المغتاب فلا تُبقي منها ولا تذر، إذ يقول الإمام الصادق عليه السلام: "الغيبة حرام على كل مسلم و إنها لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". و يصور لنا الإمام الباقرعليه السلام مشهداً للمغتابين يوم القيامة حيث يقولعليه السلام: "إذا كان يوم القيامة أقبل قوم على الله عز و جل فلا يجدون لأنفسهم حسنات فيقولون: إلهنا و سيدنا ما فعلت حسناتنا؟! فيقول الله عز و جل: أكلتها الغيبة. فإن الغيبة لتأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"، وفي نفس السياق يبن النبي(ص) بان الغيبة تهدم عمل الف سنة وإنها تشبيه بالكفر، فقال (ص): "لا تقذفوا نساءكم بالزناء فإنه تشبيه بالطلاق و إياكم و الغيبة فإنها تشبيه بالكفر و اعلموا أن القذف و الغيبة يهدمان عمل ألف سنة".

وبلغت الغيبة من الخطورة درجة إن التائب منها آخر من يدخل الجنة إن استحقها واما المصر عليها فانه اول الداخلين النار، فقد أوحى الله إلى موسى عليه السلام : "من مات تائبا عن الغيبة فهو آخر من يدخل إلى الجنة و من مات مصرا عليها فهو أول من يدخل النار" .

واخطر من ذلك ان الغيبة تحبط عمل الانسان ولاتقبل معها الاعمال ،ففي خبر معاذ الطويل المشهور عن النبي ص: "... أن الحفظة تصعد بعمل العبد و له نور كشعاع الشمس حتى إذا بلغ السماء الدنيا و الحفظة تستكثر عمله و تزكيه فإذا انتهى إلى الباب قال الملك الموكل بالباب اضربوا بهذا العمل وجه صاحبه أنا صاحب الغيبة أمرني ربي أن لا أدع عمل من يغتاب الناس يتجاوزني إلى ربي..." .وورد ايضا: "إياك و الغيبة فإنها تمقتك إلى الله و الناس و تحبط أجرك"

ويؤكد النبي ص على ان ترك الغيبة احب الله تعالى من العبادة تطوعا ، فقال(ص) :"ترك الغيبة أحب إلى الله عز و جل من عشرة آلاف ركعة تطوعا".

والمغتاب كما ان له عقابه مابعد الموت فان له عقابه في الدنيا ايضا ،فعن النبي (ص):"إِنَّ أَرْبَعَةً مِنَ الذُّنُوبِ يُعَاقَبُ بِهَا فِي الدُّنْيَا قَبْلَ الْآخِرَةِ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَ أَذَى الْوَالِدَيْنِ وَ الْيَمِينَ الْكَاذِبَةَ وَ الْغِيبَةَ"

والغيبة تخرج صاحبها من ولاية الله وتدخله في ولاية الشيطان فمن حديث للامام الصادق ع: "... ومن اغتابه(يقصد عليه السلام من كان على فطرة الاسلام) بما فيه فهو خارج من ولابة الله داخل في ولاية الشيطان"

و آثار الغيبة على الفرد وخيمة الخطورة الا ان هذه الاثار هي آثار عقابية وهنا يبرز السؤال المهم, لمّ كل هذا العقاب للمغتاب في الدنيا واشد منها في الاخرة؟!!

لاشك إن حجم هذا العقاب وهذا الكم الكبير من النصوص المحذرة منها والمحرمة لها إنما هو بسبب التداعيات المترتبة على الغيبة، ولكن ما هي ساحة هذه التداعيات وماهو ابرز اثار الغيبة على هذه الساحة؟

إن ساحة تداعيات الغيبة هي المجتمع وأما ابرز اثارها عليه فهي اثارتها للخلافات والفرقة والتشرذم التي هي سبب مصائب المسلمين اليوم ، وإذا أمعنا النظر في اسبابها لوجدنا إن أكثرها نفسية؛ فبسبب النظرة السلبية الى بعضنا تنامت خلافاتنا، والغيبة هي المسؤولة عن انتشار النظرة السلبية. فلو كنا نتمسك بتعاليم الاسلام في التعامل مع بعضنا على أساس الثقة ، وكنا نستر العائبة ونشيع العارفة ونبث الروح الايجابية بدلا عن الغيبة؛ لكنا اخوانا متعاونين، لا متفرقين.

و إشاعة الفاحشة في المجتمع قد لا تقل خطورة عن تفرقته، والغيبة إشاعة للفاحشة، ولكن كيف تشيع الفاحشة في الامة مع ان المغتاب حين يذكر صاحب الذنب يذمه بذنبه، ويجعله أمثولة وعبرة لا مثلا صالحا وقدوة؟! إن السبب يكمن في ان للذنوب هيبة في نفوس المؤمنين، والجو العام في المجتمع المسلم يرفضها، فلذلك يضطر الذي قدم عليها الى التكتم، فإذا انتهكت عصمته امام الملأ بالغيبة؛ لم يعد يتكتم عليها ويعلنها، كما ان الاخرين اذا عرفوا وجود من يرتكب الذنب لايجدون حرجا من الاقتداء به وهكذا تشيع الفاحشة. وهذه الحقيقة ينص عليها قول الإمام الصادقعليه السلام: "من قال في مؤمن ما راته عيناه او سمعته اذناه فهو من الذين قال الله عز وجل ان الذين يحبون ان تشيع الفاحشة في الذين امنو لهم عذاب اليم".

ولعل المتدبر في قوله تعالى:" وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ" يشعر بخطورة الغيبة واثارها الوخيمة؛ فقد بالغ سبحانه في النهي عن الغيبة، وجعلها شبه اكل الميتة المحرمة من لحم الآدميين.

وإذا كان الاسلام اعتمد العقاب والترهيب للمغتاب كاسلوب لعلاج الغيبة في الاطار الفردي فانه حمّل المجتمع مسؤلية العلاج ايضا، بل واتخذه وسيلة في ذلك، معتمداً اسلوبي الترغيب والترهيب أيضا، بأن امر الناس ان يأخذوا على يد المغتاب، فعَنِ الإمام الصَّادِقِ عليه السلامعَنْ آبَائِهِ عليه السلام فِي حَدِيثِ الْمَنَاهِي: "أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص نَهَى عَنِ الْغِيبَةِ وَ الِاسْتِمَاعِ إِلَيْهَا... وَ قَال .... ومَنْ تَطَوَّلَ عَلَى أَخِيهِ فِي غِيبَةٍ سَمِعَهَا فِيهِ فِي مَجْلِسٍ فَرَدَّهَا عَنْهُ رَدَّ اللَّهُ عَنْهُ أَلْفَ بَابٍ مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ فَإِنْ هُوَ لَمْ يَرُدَّهَا وَ هُوَ قَادِرٌ عَلَى رَدِّهَا كَانَ عَلَيْهِ كَوِزْرِ مَنِ اغْتَابَهُ سَبْعِينَ مَرَّةً".

ولعل الواجب الشرعي والاخلاقي يحتم على السامع رد المغتاب والا كان كقائل الغيبة او شريكه وله من الوزر كما لقائلها وربما اكبر، حيث يقول الامام الصادق عليه السلام : "ما عمر مجلس بالغيبة إلا خرب من الدين فنزهوا أسماعكم من استماع الغيبة فإن القائل و المستمع لها شريكان في الإثم ". كما ورد في غرر الحكم: "مستمع الغيبة كقائلها".    

ليكن الشكر حاجزا لنا عن اغتياب الناس

ولعل لنا في ملاحظة عيوب الناس لحظة تأمل فإن لم تكن عيوبهم فينا ألا يستحق منا الرب شكره على مارفع عنا من هذه العيوب، وإن كانت فينا ولم يلاحظها الآخرون ألا يستحق الرب الشكر ايضا على ستره لنا. فهكذا يكون الشكر حاجزاً لنا عن اغتياب الناس. وهذه الحقيقة يوضحها قول امير المؤمنين عليه السلام، بل ويبين إن الإنسان لايخلو غالباً من العيوب فلم يغتاب الإنسان غيره وهو نفسه لا يخلو من العيوب!! حيث يقول عليه السلام من كلام له في النهي عن غيبة الناس: "فإنما ينبغي لأهل العصمة والمصنوع إليهم في السلامة أن يرحموا أهل الذنوب و المعصية و يكون الشكر هو الغالب عليهم و الحاجز لهم عنهم فكيف بالعائب الذي عاب أخاه و عيره ببلواه أ ما ذكر موضع ستر الله عليه من ذنوبه ما هو أعظم من الذنب الذي عابه به و كيف يذمه بذنب قد ركب مثله فإن لم يكن ركب ذلك الذنب بعينه فقد عصى الله فيما سواه مما هو أعظم منه و ايم الله لئن لم يكن عصاه في الكبير و عصاه في الصغير لجرأته على عيب الناس أكبر .يا عبد الله لا تعجل في عيب أحد بذنبه فلعله مغفور له و لا تأمن على نفسك صغير معصية فلعلك معذب عليه فليكفف من علم منكم عيب غيره لما يعلم من عيب نفسه و ليكن الشكر شاغلا له على معافاته مما ابتلي غيره به".

فلكي نحافظ على حصن ولاية الله المحيطة بنا كافراد و مجتمع ،لابد ان نذكر اخانا المؤمن باحسن ما فيه حتى تزداد اللحمة الاجتماعية تماسكا ، والقلوب المؤمنة صفاء وتحاببا فعن الامام الصادق عليه السلام:"واذكروا اخاكم اذا غاب عنكم باحسن ما تحبون ان تذكروا اذا غبتم عنه".

 -----------------------

استاذ في الحوزة العلمية


ارسل لصديق