من يوقف خراب العراق؟!
كتبه: الشيخ فارس الجبوري
حرر في: 2016/08/09
القراءات: 466

من الصعب ان يصدق انسان ما يجري في العراق، لو لم يشاهد بعينه هذا الخراب، فبلد النفط والثروات، والنهرين والسواد والحضارات، والانبياء، والاوصياء، والرسالات، والعلماء، والشهداء، وتنوع الثقافات، بلدٌ علّم الانسان الكتابة، وفي بابل سنّ للبشرية التشريعات، وغرس في عمق التاريخ الجنائن المعلقات؛ عراق علي والحسين والجوادين والعسكريين، عليهم السلام، وهذه تكفيه عن كل ما سواها، فكيف لبلد كهذا ان يفترش اطفاله الارض للدراسة؟! وبعض مدارسه، والى اليوم طينية او اكواخ، او كرافانات، حتى في بعض مراكز المحافظات، وصارت مشافي أهله خارج البلاد، وكهرباء صُرف لها من الاموال ما يكفي عدة بلدان، ولاتزال لا تسد نصف حاجة البلاد، والزراعة التي شُلت، والصناعة التي اندثرت، وحالة الفقر والبطالة التي انتشرت، ومشكلة السكن التي تفاقمت، ومستويات الفكر والثقافة التي انحدرت وغيرها كثير، وكل هذا في جانب وفقدان الامن وضعف المؤسسة الامنية في جانب آخر، فما زلنا نقدم المئات بين شهيد وجريح بين مدّة واخرى، ومع كل هذا يتقاضى سياسيونا أعلى الاجور على مستوى العالم، والحكومة ودوائرها تستنزف كل الميزانية، ولا تقدم للبلد شيئا يذكر عدا سرقة قوت فقرائه، والقائمة لا تنتهي، حتى اننا لا نجد جانبا خدميا مقبولاً نشير اليه، وقد صُرف على هذه الخدمات ما يزيد على ألف مليار دولار!! فما هو مكمن المشكلة وأين يكمن الحل؟

 

محاصصة طائفية أم فئوية ذاتية؟

كثيرا ما نسمع بالمحاصصة الطائفية، وإنها سبب خراب العراق، ولو تمعّنا في هذا القول لوجدنا عليه الكثير من الملاحظات؛ ذلك اننا لا نجد للتعدد الطائفي - عقيدة و أحكاما وشعائر- أي تناقض على ارض الواقع مع بناء الدولة، وليس هناك تناقض بين هذه الطوائف فيما يخص الالتزام بالدستور والقوانين، فليس في تشريعات الطوائف او معتقداتها مايشجع على السرقة والنهب او الخراب، بل على العكس من ذلك، فهي تحرمه تحريماً مطلقا، إذن؛ فما هو دخل الطوائف في هذا الخراب؟!

ولو افترضنا ان المحاصصة جعلت كل فرد في السلطة يعمل لطائفته فقط، فإنه بالمحصلة سنرى كل الطوائف معمّرة ومتنعمة، ومن ثم سنرى بلداً معمرا، لكن حتى هذا لم يشهده العراق بكل طوائفه، فلا الساسة الشيعة قدموا شيئاً للتشيع كمذهب، وللشيعة كمواطنين، وكذا الامر بالنسبة للسُنة والكرد وغيرهم، فأي طائفية هذه؟! إنها محاصصة سياسية حزبية فئوية مقيتة، ومن الظلم والجناية ان نطلق عليها محاصصة طائفية، وكفى ما يروجه الساسة ووسائل اعلامهم، من ضحك على الناس، وتسويق للمصطلحات في اللاشعور للناخب البسيط، وتحويل للشعور نحو الطائفة تحويلاً مزيفاً بعيدا عن الواقع.

 

أزمة كفاءات (تكنوقراط) أم أزمة ضمير؟

تعد الكفاءة والخبرة ولاسيما الادارية منها، هدفاً لكل المؤسسات في العالم؛ حكومية كانت أم غيرها، ويحتاج تحصيلها الى سنوات وعقود من العمل الدؤوب، وفقدانها يعد مشكلة كبرى؛ إلا ان هناك مشكلة اخرى غاية في الخطورة تنخر مؤسسات بلدان قليلة في العالم ومنها العراق، ألا وهي مشكلة فقدان الضمير والشعور الانساني، فإذا فقد الساسة شعورهم بمعاناة الفقراء وجوع الجياع وآلام المرضى ودموع الثكالى، تنهار القيم والموازين، وتصبح السلطة وسيلة لخدمة الذات لا خدمة الشعوب، بل تصبح وسيلة سرقة وسلب الفقراء لقمة عيشهم، وسلب المرضى علاجهم، وسلب الاطفال بنايات مدارسهم، واذا فُقد الضمير، أُبعدت الكفاءات وحُوربت، لاختلاف منهج الكفاءات البنّاء عن منهج فاقدي الضمير الهدام، فيحل الدمار، وينتشر الفقر والمرض والجهل، وتندثر الخبرات وتموت مع الزمن، ولو قُدر للضمير أن يصحو بعد حين، فاننا سنحتاج الى عقود اخرى من الزمن لاستحصال هذه الخبرات من جديد، ويالها من خسارة عظيمة! لقد عجز الساسة عن توفير مفردات البطاقة التموينية، بينما وفرها التاجر البسيط، وكذا مقاعد الدراسة للأطفال، فتصدى لها المعلم البسيط بفتح المدارس الأهلية، وكذا الكهرباء فوفرها صاحب المولد البسيط!

 

مشكلة دستورأم مشكلة القائمين عليه؟

كثيرا ما يتشدق ساسة العراق بأن المشكلة الاساسية انما تكمن في الدستور، وانه مليئ بالالغام، وانه سبب خراب البلاد والعباد؛ والحقيقة ورغم كل مافي الدستور من ثغرات، بيد أنه لم يتسبب بأي مما لحق بالبلد من خراب، فالدستور ضمن الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية للمواطنين؛ من سكن وتعليم وصحة ومعاش وغيرها، ونصّ على ان الثروة ملكاً للشعب، في حين اننا لا نرى سكناً ولا صحة ولا تعليماً بالمستوى المطلوب، بينما يقابله فساد وسرقات ونهب للمال العام لم يسبقنا اليها أحد من العالمين! فكيف لنا ان نحمّل الدستور مسؤولية هذا الخراب؛ فبلدان المنطقة سبقتنا بعقود ودساتيرها لا تملك إلا نزراً بسيطاً من ايجابيات دستورنا.

 

الاعلام اداة وصول المفسدين

الاعلام أداة غرس القناعات لدى الشعوب، وهو يتحمل مسؤولية عظيمة في توجيه الناس نحو الافضل، ولكن؛ - ومع كل الاسف- فان الاعلام وفي كل بقاع الارض فاقد لحقيقة دوره ورسالته الانسانية في خدمة الشعوب، وتكوين الوعي؛ وذلك بسبب فقدانه الاستقلالية، وهذا ينطبق على أغلب الإعلام العراقي، فهو تابع للاحزاب، بل وان اساس دوره هو دعم هذه الاحزاب واهدافها، ولما كانت اهدافها فاسدة؛ فان حماية الفساد صار اليوم هدف هذا الاعلام وغايته، لذا فان الاعلام اليوم تخلّى عن ضميره الحي؛ ليصبح اداة لخدمة الفاسدين، ولخداع الشعوب، وهو أحد أهم أسباب هذا الخراب.

 

الديمقراطية العراقية ودمج السلطات

ان الدولة المدنية ونظام الحكم الديمقراطي انما يقوم على اساس الفصل بين السلطات، إلا الديمقراطية العراقية الفريدة من نوعها؛ فانها تقوم على الجمع بين السلطات؛ فترى الاحزاب تسيطر على البرلمان التشريعي، ومن ثم تتقاسم الحكومة التنفيذية، وتعرّج على الوكلاء، فالمدراء العامين، فالموظفين فقادة الجيش، بل وكافة الهيئات المستقلة، بما فيها مفوضية الانتخابات! وامتدت ايديهم حتى الى السلطة القضائية! وكل هذه المؤسسات والسلطات، انما تخضع في النهاية لرئيس الحزب؛ فاصبحت كل مؤسسات الدولة بيد رؤساء الكتل الذين لا يتعدون العشرة اشخاص، بل حتى السلطة الرابعة (الاعلام)، هم من انشأها ويديرها، ولهذا لا نعلم من يحاسب من؟! ومن يراقب من؟! ومن يقاضي من؟! والغريب ان كل الاحزاب تقول ان تشكيل الحكومة من قبل الكتل البرلمانية هو سبب الخراب، وحينما انطلقت التظاهرات تريد حكومة لا تشكلها الأحزاب، سارع قادة الكتل الى التوقيع على ما يسمى بوثية «الشرف»! فاتفقوا بموجبها على ان الحكومة تشكلها احزاب البرلمان خلاف ارادة الشعب، وفعلا طبقوا هذا الميثاق خلافا لكل مواثيقهم السابقة التى لم ترَ النور!

ان هذا الواقع لابد من ان ينتهي، ولابد من الفصل بين هذه السلطات، اذ يجب تكريس دور الاحزاب في السلطة التشريعية في البرلمان، لتدافع عن حقوق الشعب وتحاسب الحكومة، لا ان تكون هي البرلمان والحكومة معا، و إلا فان الخراب يستمر.

 

الديمقراطية.. إرادة شعب أم إرادة متنفذين

تنادي بعض الدول بالديمقراطية، وتريد ان تسوّقها للعالم، بل وتصرف المليارات وتخوض الحروب وتقدم التضحيات لتحقيقها، وهذا السلوك بحاجة الى وقفة تأمّل، فهل تريد فرض الديمقراطية لأجل مصلحة الشعوب؟ واذا كان الامر كذلك، وان مصلحة الانسان هي الغاية؛ فلماذا فرضت هذه الدول حصاراً على العراق في تسعينات القرن الماضي، حتى أعادوا شعب العراق الى القرون الوسطى؟ وكان بامكانها القضاء على صدام دون الحاجة الى هذا الحصار؟ فأين مصلحة الشعب من هذا؟ وهل ان مصلحة السوريين، في تدمير شامل لبلدهم لتحقيق الديمقراطية من قبل دول مثل؛ تركيا والسعودية والبحرين وقطر، ومن ثم ننتهي الى حوار بين السلطة والمسلحين؟ ولماذا لا تحرك هذه الدول ساكناً ازاء دكتاتورية السعودية المتحجرة التي تعدم رموز الطوائف لمجرد كلمة؟ وأين هي ديمقراطيتها مما يجري في البحرين؟ إذن؛ لماذا تتكالب هذه الدول على الديمقراطية؟

يتصور الكثيرون ان الديمقراطية في الغرب تمثل ارادة الشعوب، والحقيقة هو أنّ الديمقراطية في الغرب، وفي غير الغرب انما تمثل ارادة المتنفذين، وما الشعوب إلا اداةً لتنفيذ ارادة هؤلاء، ولذلك نرى ان دولة كالولايات المتحدة الاميركية، تتأثر انتخاباتها ببعض الجهات المتنفذة كاللوبي الصهيوني، والمرشح الذي لا يلبي رغبات هذا اللوبي، مصيره الفشل لا محالة، ان الاميركيين (الشعب) أداة للمتنفذين عبر ما يتلقاه الناخب من توجيه عبر حملات انتخابية في وسائل الاعلام، من خلال انفاق اموال طائلة، ومن يتحمل التكلفة فانه يتحملها لأجل تحقيق اهداف معينة، ويكون هو الموجه لإرادة الشعوب، حتى إن كان تافها مثل القذافي الذي وجه الناخب الفرنسي بتقديم اموال طائلة لمرشح رئاسي بأن يفوز في الانتخابات.

اما ديمــــقراطيتنا فان المتنفــــذين فيها لا يريدون للحكام ان يكونوا الى صفهم في قرارات دولية، كما هو شـأن الــــــولايات المتحدة، بل ان المتنفذين هم دول خـارجية تــــــريد ان تسيّر قرارات الداخل ومواقف الخارج على حد سواء، وهؤلاء يصرفون الاموال، ويدعمون الفاسدين وخراب البلد لتحقيق مصالح بلدانهم، بل وحتى مصالح تجار وشركات لهم، فصارت الديمقراطية وسيلة جديدة لتنصيب الحكومات الخانعة، التي تتعاون مع من يدعمها وينصبها لتنفيذ أجندة الداعمين، فأي ديمقراطية يعيشها العراقيون ومناصبهم السيادية تتوافق عليها الدول الكبرى والدول الاقليمية، بما فيها تلك الدول التي تعود الى حقبة العصور الحجرية!

 

نظام الحكم الاسلامي هو الحل

خلق الله البشر، وهو أعلم بما يصلح امرهم في الدنيا والآخرة؛ فشرع لهم الشرائع والسنن التي تنظم حياتهم في كل جوانبها العبادية والسلوكية؛ حتى لم يترك امراً إلا وبيّن احكامه، ولما كان شكل القيادة والحكم من اخطر هذه الامور؛ فلاشك ان الله - تعالى- وضع له الموازين والاسس الواضحة، فوضع شروطا شديدة الحساسية لمن يتولى السلطة، وجعل التقوى والعدالة والكفاءة والعلم، شروطاً لا يُستغنى عنها بأي حال من الاحوال، على خلاف كل اشكال الحكم الاخرى في العالم، وبخاصة الحكم الديمقراطي الذي لو تمعّنّا فيه لوجدنا أن لا ارادة حقيقة للشعب فيه، بسبب التوجيه الاعلامي المضلل، الذي يقنع الناخب بالفاسد، وينفره من الصالح، ومادام خراب بلدنا يكمن في أزمة الضمير والشعور الانساني، وعدم التقوى وحب الدنيا؛ فان علاج هذا المرض انما يتمثل بالحكم الاسلامي، ولا ادري لماذا نحن المسلمون نترك شكل الحكم الذي امرنا الله به، ونستعيض بدلاً عنه بشكل حكم آخر رغم ايجابياته، الا ان فيه من المثالب ما يكفي لإعادة النظر فيه.

ولعل قائلا يقول: ان فكرة العودة الى نظام الحكم الاسلامي، بعد التصويت على نظام الدولة المدنية يحتاج الى كثير من الوقت، وما نريده اليوم هو حل سريع لما نمر به، وهذا كلام رغم ان عليه ما عليه من الملاحظات في جانب منه، فان الحل السريع الآني هو مطلب حقيقي .

 

حلول في ضوء الديمقراطية والدولة المدنية

وبناء على حقيقة ان الديمقراطية هي تنفيذ الشعب لإرادة المتنفذين، وان الشعوب ما هي إلا اداة لتحقيق هذه الارادة؛ فقد اصبح جلياً ان تصحيح مسار الفساد وفق لعبة الديمقراطية، انما يكون بيد المتنفذين، فالمهم هو تحديد الجهات المتنفذة، ومسؤوليتها عن ما حلّ بالعراق من الخراب، ومن لها القدرة على الاصلاح؟ ففي العراق توجد عدة قوى نافذة على الساحة:

1- الدول الكبرى والدول الاقليمية

حيث ان لبعض هذه الدول مطامعها في ثروات هذا البلد، والبعض الآخر جعلت منه ساحة لتصفية الحسابات، غير مهتمة لمصيره او مصير شعبه؛ فجعلته ساحة حربها المتقدمة، وهذه الدول هي مصدر هذا الخراب، وهي من تموله، وتهندس له ليبقي العراق خراباً والى الابد.

2- الاحزاب السياسية

وهي تمتلك زمام السلطة، ولو ارادت خدمة البلد، وانهاء خرابه؛ لتحقق ذلك، ولكنها ومع كل الاسف غير مهتمة لذلك مهما ادعت وقالت، فنظرتها الفئوية والانانية والذاتية جعلت مصلحة اغلبها في استمرار خراب البلاد، وهي السبب الاول في خرابه، والمستفيد الاكبر بعد الدول الخارجية من هذا الخراب، وهي أداة تنفيذه، ومن ثم فهي المسؤولة قبل غيرها باصلاحه؛ لانها علّة الخراب، وهي أولى بإصلاحه من غيرها.

3- الإعلام

ان الخيرين من اعلاميين وغيرهم، يتحملون اليوم مسؤولية التأسيس لإعلام حر نزيه، يحمل شرف الإعلام ورسالته الحرة في تكوين الوعي الحقيقي، الذي يخدم العدل والانسانية والشعوب، وبخاصة في زماننا هذا الذي صارت فيه اكثر وسائل الاعلام تاثيرا وهي مواقع التواصل الاجتماعي صارت في متناول الجميع، اننا اليوم بحاجة الى ثورة اعلامية تثقيفية تغرس الوعي الديني وما يتفرع منه من وعي سياسي واجتماعي واقتصادي؛ للقضاء على الواقع الفاسد.

4- المؤسسة الدينية

اما المؤسسة الدينية فهي المتنفذ الوحيد الذي اثبت انه، وفي أخطر المنعطفات المنقذ الوحيد لهذا البلد، وفي اكثر من مناسبة، بداية من حلحلة العملية السياسية، مروراً بمنع اندلاع الحرب الاهلية، وصولا الى فتوى الجهاد المقدس التي حفظت ملايين الارواح، وصانت الاعراض والمقدسات.

 

المؤسسة الدينية وايقاف الخراب

على الرغم مما للمؤسسة الدينية من ثقل كبير في العراق، إلا انها ارادت للعملية السياسية ان تبني نفسها بعيدا عن تدخلها المباشر، مع مساعدتها بين الحين والآخر بحل العقد الخانقة، وبموافقة الساسة انفسهم لا فرضاً عليهم، وبموازاة هذا الدور حمّلت المؤسسة الدينية الانسان مسؤوليته، وحاولت توعيته بدوره الخطير وفق «لعبة الديمقراطية»؛ فوجهته بضرورة انتخاب الاصلح، وضرورة عدم إعادة انتخاب الفاسدين.

وفي الحقيقة فان هذا الدور لا يكفي؛ فمعلوم ضعف ثقافة الناس السياسية وحاجتهم وابتزاز الساسة لهم من جانب، ومن جانب آخر لم يترك قانون الانتخابات، ولا سيطرة الاحزاب من مجال لدخول اشخاص آخــــــــرين مــــؤثرين حلبة الصـــــــــــــراع الســـــــــــياسي؛ فالاحــــــزاب أرست قواعد سيطرتها، ولا يجد الناخب أحدا غيرها لينتخبه، ومن يدخل جديداً فانه يدخل تحت رايتها ودعما لها ولفسادها.

 

خيارات متاحة

لعلّ امام المؤسسة الدينية خياران:

1- أن تتخلى عن مسؤولية الاصلاح، وتنسحب كلياً من التواصل السياسي، وهنا يجب ان تحيط اتباعها علما بذلك؛فالناس ساكتون عما يجري، لانهم قلدوا شؤونهم لهذه المؤسسة، مما يوهمهم بأنها تقوم بمسؤولياتهم نيابة عنهم، ولو كان لهم دور لابلغتهم القيام به، ولذلك تراهم (الناس) لايحركون ساكنا تجاه هذا الخراب. وهذا الخيار قد يؤدي الى مشاكل كارثية، او يؤخر ايقاف الخراب لا محالة.

2- ان تتحمل مسؤولية الاصلاح، وذلك عبر تأسيس مؤسسة سياسية قوية تكون تحت حمايتها وبدعمها وتختار لها الاتقياء الكفوئين، وهذا أمر متيسر لها وليس صعبا عليها، وهذا التيار الجديد يخضع للمحاسبة الشديدة من قبلها وتحيطه بمجموعة قوية من المستشارين والخبراء، ولا أشك في نجاحه في الانتخابات وفي تأدية الدور الاصلاحي المطلوب، واذا كانت المؤسسة تتخوف من امكانية انحراف بعض هؤلاء عن قيمها، وانها ستتحمل مسؤوليتهم، فانها قادرة على إقالة ومحاسبة المقصرين قانونيا.

 

المثقفون ومسؤولية الاصلاح

ان مسؤولية الاصلاح ليست منحصرة بأحد، وانما هي مسؤولية الجميع؛ فلا يمكن اعفاء ايٍ من شرائح الشعب، وبخاصة المثقفون عن تحمل مسؤولياتهم، وتشكيل جهة نافذة تؤثر في العملية الديمقراطية يكون لها ثقلها، وتأثيرها في عملية الاصلاح، فأين نحن من اللوبي الصهيوني الذي يرسم ملامح سلطة اكبر دول العالم، في حين اننا لا نفكر في بناء جهات نافذة تحدد ملامح سلطتنا، وتنهي خراب بلادنا، وبدون تحمل المؤسسة الدينية والمثقفين ومنظمات المجتمع المدني مسؤوليتها في ايقاف الخراب فان الفاسدين سيبقون على سرقاتهم وتداول السلطة بينهم الى الابد.

 

مسؤولية الشعب:

على الرغم من ان الناخب في اللعبة الديمقراطية هو اداة لتنفيذ ارادة المتنفذين، الا ان المفسدين مع ذلك لا يصلون سدة الحكم إلا عن طريقه؛ فعليه ان يتحمل مسؤولية كبيرة في رسم غد افضل له وللأجيال من بعده، ان مشكلة الشعوب تكمن في غياب الوعي الديني وما يتشعب منه من وعي اخلاقي وسياسي، اذ بغيابه تفعل الانانية فعلها المقيت؛ فترى احدنا ومع علمه بان هذا السياسي هو احد اعمدة خراب البلاد والعباد إلا انه ومع ذلك ينتخبه؛ لوعد بوظيفة ما، بل ويسعى وبكل ما يستطيع لاقناع الناس بانتخابه؛ وما هذا الا بسبب الانانية والذاتية. ولو امتلك وعيا دينيا ما فعلها، ولو امتلك وعيا اقتصاديا ما فعلها؛ حيث انه قبل بفتات حقه و أضاع على نفسه كل شيء بانتخابه للفاسدين الذين سيحرمونه من كل حقوقه في الصحة والتعليم والعيش الرغيد، فما نفع الوظيفة مقابل فقدان كل هذا؟! فينبغي على المؤسسات الدينية والمجتمعية ان تعمل جاهدة لغرس الوعي الديني في نفوس الشعوب؛ لانه صمام الامان لها وبدونها سيفقد السياسي ضميره وتصبح الانانية والمصلحية هي معيار الناخب.

 

المطالبة الفاعلة بالحقوق ..

«ما ضاع حق وراءه مطالب»؛ حكمة بالغة نحتاج اليوم ان نعيها؛ فالحقوق تؤخذ لا تعطى، ونحن أحوج ما نكون الى التمييز بين الصبر والرضا والقناعة وبين الخنوع والذل والهوان، نعم نحتاج الصبر ولكن في طريق نيل الحقوق لا الصبر على سلبها منا، ما أعجب سكوت الشعب و أمواله تسلب امام عينه جهارا نهارا، وهو يصبر على شرذمة من الفاسدين، وقد عاثوا في بلده الخراب، وهو يلوك الفقر والجوع والمرض والتخلف!

وهكذا؛ فما زالت الديمقراطية لا تمثل ارادة الجمهور، وإنما ارادة المتنفذين، ولا تضمن العدالة والانصاف للناس؛ صار لزاماً على الناس أن يفكروا بتطبيق نظام حكم السماء، الذي يضمن لا محالة تحقيق العدالة والمساواة، واذا كان هذا الامر يواجه عقبات خارجية وداخلية؛ فان انجع الحلول الآنية الممكنة الآن هو ان تتدخل المؤسسة الدينية، وتزيح الفاسدين ووفق النظام الديمقراطي، وان تتحمل هي مسؤوليتها بايجاد بديل سياسي ذي ضمير، وتحمل الجماهير مسؤوليتها ايضا، بانتخاب هذا البديل، واما القاء المسؤولية على الشعب من غير توفير القيادة السياسية التي ينتخبها فهذا امر لا يؤدي الى نتيجة، حتى ان الله -سبحانه وتعالى- حينما حمّل الفرد مسؤولية صنع مصيره، وتغير ذاته، فانه وفر له القيادة التي يتوجه اليها، ولم يتركه تائها؛ فينبغي بالمؤسسة الدينية توفير القيادة السياسية الصالحة التي ينتخبها الشعب، وان ترعى وتحمي هذه القيادة من المتنفذين خارجيا وداخلياحتى تصبح قادرة على تحمل مسؤولياتها، وان يسندها في هذه المهمة المثقفون والاعلام والشعب؛ لتحقيق هذه الغاية، وفي الوقت نفسه تعمل هذه المؤسسة ومعها كل مؤسسات المجتمع المدني والاعلام على ترسيخ الوعي الديني، الكفيل الحقيقي بانهاء كل الانحرافات والخراب على مستوى القواعد الشعبية والقيادات على حد سواء، فخراب العراق لا تتحمل مسؤوليته النخبة الحاكمة فقط، بل عموم المجتمع فقلما نجد معلماً او طبيباً او مهندساً او مقاولاً يقوم بمهامه على الوجه الصحيح، وماهذا إلا بسبب ضعف الوعي الديني، فايقاف الخراب يتوقف على هذا الوعي اولا واخيرا.


ارسل لصديق