حوارات حول القرآن الكريم .. (35)
حوار حول سورة البلد - القسم الأول ... (من الآية الأولى إلى الآية الرابعة)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2016/08/09
القراءات: 569

(بسم الله الرحمن الرحيم)

(لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2) وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ (4).

تمهيد: سورة البلد مكية، آياتها تسع، وهي السورة الرابع والثلاثون في ترتيب النزول، والتسعون في ترتيب القرآن الكريم.

وجاء في فضل السورة عن أبي عبد الله الإمام الصادق، عليه السلام، أنه قال:

«من كان قراءته في فريضته ﴿لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ كان في الدنيا معروفا انه من الصالحين، وكان في الآخرة معروفا ان له من الله مكانا، وكان يوم القيامة من رفقاء النبيين والشهداء والصالحين».(1)

الكَبَد وامتحان العقبة

* لكل سورة اطار عام؛ فما هو الاطار العام لهذه السورة المباركة؟

- حينما يولد ابن آدم، تتساوى في كيانه فرص الخير والشر، ولا يزال يختار، ثم يستفيد من فرص الخير أو الشر؛ الواحدة بعد الأخرى حتى تميل كفته نحو ما اختار.

ان فرص الخير هي العناصر النورية التي لو رجحت، حملت الإنسان الى الجنة؛ بينما فرص الشر هي العناصر النارية التي لو تكاثفت، هوت به الى جهنم وساءت مصيرا.

ولا أعرف شيئا يجري فيه تحول ذاتي كالإنسان؛ انه يتمحض بالتالي للجنة او للنار؛ هنالك لا يعود مختارا، ولا يعود يملك حرية اختيار واحد من النجدين؛ بل يبقى كما اختار اولا: اما الى جنة النور خالدا فيها، او الى جهنم النار خالدا فيها؛ او لبعض الوقت.

ان القسم الاول من السورة يبصرنا بأنفسنا، واننا في كَبَد (الارض والمكان). اما القسم الثاني فيذكرنا بضرورة اقتحام العقبة، وتجا وز المنعطف الخطير الذي يجد الانسان نفسه بين أمرين: بين السقوط في أشراك الهوى، او التحليق في سماء الحق.

وبعد ان يبين مَثَلَين لاقتحام العقبة؛ هما: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ، ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يهدي الى قمة التحول الايجابي عند البعض المتمثلة في الايمان، وَتَوَاصَي بِالصَّبْرِ، وَتَوَاصَي بِالْمَرْحَمَةِ.

كما يشير في السياق - خاتمة السورة - الى التحول السلبي عند البعض الآخر متمثلا في الانحياز الى ﴿الْمَشْأَمَةِ حيث النار ﴿المُؤْصَدَةٌ.

 

 قسماً بمكة

* افتتحت السورة بقوله تعالى: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}؛ فهل أرادت القسم، أم أرادت عدمه؟ وأي بلد هذا الذي أقسمت به؟

- لكي نعي مدى خطورة قضية ما، نقيسها بأخرى عبر القَسَم. وحينما يأتي القَسَم في كلام الله، يضاف الى ذلك بعدان آخران: أولا: يعكس عظمة ما يقسم به بذات النسبة التي يعكس أهمية ما يقسم عليه. ثانيا: يكشف عن علاقة خفية او ظاهرة بين الأمرين. وفي فاتحة سورة البلد نجد التلويح بالقَسَم بالبلد، وهو قوله تعالى : {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ}، والقَسَم بالوالد والولد، وهو قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ؛ لبيان المشاق التي يواجهها الانسان؛ ذلك ان أعظم ما يكابده البشر يتصل بالارض والأولاد.

والقَسَم - كما أسلفنا - يهدف إلقاء ظلال من العظمة على الموضوع، وسوف يحقق هذا الهدف نفيه او اثباته، وقد يكون نفي القسم يوحي بأهمية ما يحلف به مما يبالغ في العظمة؛ ولذلك قال المفسرون: ان «لا» هنا زائدة(2)، وبعضهم قال: انها تشبه كلمة «كلا»؛ تنفي أفكار الجاهليين. والبلد - حسب اقوال المفسرين -: مكة؛ وشرف مكة واضح

 

 شرف المكان و شرف المكين

* ما علاقة قوله تعالى: {وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ}، بالقَسَم الذي جاء قبله والقَسَم الذي جاء بعده؟

- ليست مكة المكرمة بأشرف من رسول الله، صلى الله عليه وآله؛ بل شرف كل ارض بمن يسكنها من عباد الله الصالحين؛ ولذلك جاء في الحديث: «المؤمن أعظم حرمة من الكعبة». ويفسر ذلــك حديث آخــر: ان رسول الله، صلى الله عليه وآله، نظر الى الكعبة فقال: «مرحبا بالبيت ما أعظمك! وأعظم حرمتك على الله! والله للمؤمن أعظم حرمة منك؛ لان الله حرم منك واحدة، ومن المؤمن ثلاث: ماله، ودمه، وان يظن به ظن السوء» (3)

أَوَليست الكعبة أول بيت وضع للناس؟ فالهدف - اذن- هو الانسان الذي سخرت له الارض وما فيها، واي انسان أشرف من محمد بن عبد الله، صلى الله عليه وآله؟

وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ، أي: أنت تسكن هذا البلد وتحل فيه. و قال بعضهم: معنى الآية: لا أقسم بالبلد الذي يستحل النبي، صلى الله عليه وآله، فيه. و قد روي ذلك مأثورا عن الامام الصادق، عليه السلام، حيث قال: «وكان أهل الجاهلية يعظمون الحرم، ولا يقسمون به، و[لا] يستحل ون حرمة الله فيه، ولا يعرضون لمن كان فيه، ولا يُخرجون منه دابة؛ فقال الله تبارك وتعالى: {لا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ * وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ}، قال: يعظمون البلد ان يحلفوا به، ويستحلون فيه حرمة رسول الله».(4) وعلى هذا؛ يكون شرف المكان بتوفر حالة من الحرية والامن لمن يسكنه.

 

 كل إنسان مكابد

* في قوله تعالى: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ؛ من هو الوالد ومن هو الولد اللذان أقسم بهما؟

- يقسم القرآن بوالد وما ولد؛ فيقول: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ.

 ويبدو ان كل والد يكابد حتى ينمو ولده ويشب، كما يكابد كل ولد حتى يكتمل ويصبح والدا، والقَسَم - على هذا - مطلق يشمل كل انسان.

 وقال بعضهم: بـل المراد آدم، عليه السلام، وذريته؛ أو ابراهيم، عليه السلام، ونجله اسماعيل، عليه السلام؛ أو كل ذريته الصالحين.

 

 أصل وجود الإنسان

* كيف ولماذا جاء بمثل تعبير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ؟

- ايهما أيسر عليك: إذا حملت ما يزن خمسة كيل وغرامات وأنت تزعم انه عشرة، او كنــت تزعم انه ثلاثة؟! كذلك حينما تواجه الحياة وانت ترى انها كما التسلق على جبل أشم؛ فانك تتغلب بسهولة، بعكس ما لو زعمت انها مجرد رحلة سياحية.

والقرآن الكريم يريدنا ان نعرف حقيقة الحياة، ونسمو الى مستواها؛ لأنه أفضل لديننا ودنيانا من ان نتهرب منها بحثا عن الراحة.

والقرآن الكريم يريدك قوي الظهر حتى لا يثقل عليك أي حمل، ولا يريدك تبحث دائما عن الحمل الخفيف وقد لا تجده.

أَوَلم تقرأ قول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ}، (سورة الإنشقاق: 6).(5)

بلى؛ وكل حياة الانسان كدح؛ إلا انه قد يغفل عنه؛ فيهرب الى ما هو أشد كدحا، او يستسهله ويتغلب على صعابه حتى لا يعود يعترف بأية صعوبة. {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}؛ فأنى لك الفرار - أيها الإنسان - من أمر خُلقت فيه وهو داخل كيانك؛ بل هو أصل وجودك؛ شئت أم أبيت؟! والكَبَدُ: الشدة والنَصَب.

 

 حتمية المعاناة

* ولكن؛ لمَ خلق الله الإنسان هكذا في كَبَد؟

- الوجود ذاته سلسلة انتصارات ضد العدم. أَوَليس الوجـود نورا يجعل الشيء واقعا! تصور ان النور ذرات متلاحقة متصلة؛ فاذا توقَفَت؛ْ فليس ثمة سوى ظلام.

والحياة بدورها سلسلة صراعات ضد الموت، انها - هي الآخرى - نور متجدد، وهي نتيجة ملايين من العوامل المتزامنة؛ لو فُقدَ بعضها، انعدمت.

كما ان حياة كل واحد منا صراع مع الطبيعة. أَوَتعرف كم مليار جرثومة هجمت عليك خلال رحلة حياتك بهدف القضاء عليك؟

وكم مرة تعرضت او تتعرض لخطر الموت فنجوت منها بإذن الله؟

وحتى على مستوى الظاهر؛ تجد الانسان في كَبَد، يصارع من أجل البقاء في ظلمات الرحم.

ويواجه أكبر التحديات عند الولادة، حتى اعتبروا ساعتها كساعتي الموت والنشور.

أشد مما يمر به البشر، وفي الطفولة المبكرة يعاني من الجوع والعطش والألم ويتحدى الأخطار.

ألا تشكل نسبة الوفيات عند الاطفال الأعلى في البلاد النامية ونسبة عالية في غيرها؟!

اما معاناة الكبار فإنها لا تنتهي؛ لان الانسان خُلق شاعرا طموحا، والشعور يفرز الألم، والطموح سبيل المعاناة، وهذا هو الذي يميزه عن سائر الاحياء، ومن هنا روي عن الامام الحسن، عليه السلام، انه قال:

«لا أعلم خليقة يكابد من الأمر ما يكابد الانسان؛ يكابد مضايق الدنيا وشدائد الآخرة».(6)

 

 كلنا بشر

* لماذا جاء بمثل الخطاب الوارد في قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؟

- في هذه المكابدة يستوي المؤمن والكافر، والغني والفقير، والكبير والصغير، وكل من سمي انساناً.

قد لا تحس أنت بمعاناة رفيقك؛ لأنك لست في قلبه؛ فتزعم ان غيرك أفضل منك.

ولكن أَوَليسوا هم ايضا بشرا أمثالك؟ بلى؛ إذن تعالوا نرضى بواقعنا، ونتحمل المسؤولية، ولا يقول الواحد: الان انا صغير، لو كبرت لارتحت مما اعانيه؛ لان الكبار أفضل.

او يقول: انا الآن اعزب؛ لو تزوجت سأرتاح. او ان سبب متاعبي فقري؛ فلو أغناني الله بلغت الراحة.

او ان سبب مشاكلي ان اولادي صغار؛ فلو كبروا تخلصت من همومهم؛ ولكنه ما ان ينتقل من حال الى حال، او من مرحلة لأخرى حتى تهجم عليه مشاكل جديدة؛ كل مشكلة أكبر من أختها.

لا تعش - إذن - في الأمنيات الحلوة، وفي أحلام اليقظة. لا تقل: لا يعاقبني الله، ولماذا؟ هل أنت إلا بشر؟!

وقالوا في معنى قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ، أي: أيظن ابن آدم ان لن يعاقبه الله عز وجل؟ انه ينظر الى ما أوتي من نعم الله؛ فيصيبــه الغرور؛ ولا يفكر ان ما لا يملكه أكثر مما يملكه؛ يقول: لا أحد يقدر علي، وهو يعيش في وسط المشاكل وكَبَد التحديات.

------------

* (1) تفسير نور الثقلين، ج 5، ص 578.

* (2) أي: زائدة لتأكيد القَسَم؛ لا أنها كلمة زائدة في القرآن.

* (3) موسوعة بحار الأنوار، ج 67، ص 71.

* (4) تفسير البصائر، ج 55، ص 533؛ نقلا عن الكافي.

* (5) سورة الانشقاق، الآية 6.

* (6) تفسير البصائر، ج 55، ص533.


ارسل لصديق