لكي تكون عنصرا متحضرا في الحياة
كتبه: الشيخ محمد سعيد المخزومي
حرر في: 2012/09/26
القراءات: 1412

قال الامام الحسين عليه السلام:[إن المؤمن اتخذ الله عصمته وقوله مرآته].

ليس التحضر بالدعوى، كما ليس هو ثوبا يلبسه الفرد، بل التحضر منهج وتربية وسلوك. والعنصر المتحضر هو الذي يتسم بمعالم كثيرة منها:

المَعْلمُ الأول: التأمل في مسالك الحياة

يتأمل المؤمن ورجل الحضارة في قول الله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" ([1]) فيكتشف أن الناس في حياتهم يسلكون مسالك مختلفة ومتباينة متناقضة، تختلف رؤاهم للحياة، وتتصارع منهاجهم فيها، فتتصارع المجتمعات عندها وتتقاتل الأمم والشعوب، فيجد المتحضر أن الله تعالى قد خلق الخلق لا لتتقاتل بل لتتكامل، ويدرك أن السبب في مناهجهم المختلفة المتناقضة، ويعرف أن لا بد من البحث عن مسلك واحد لا غير، هو سبيل النجاة الذي أمر الله الناس بالعمل به ونبذ ما سواه من مناهج يوم قال: "وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ" ([2]).

فيفهم هذا العنصر أن هناك وصية وأمراً إلهيا في البحث عن المنهج الوحيد المؤدي للنجاة ثم إتّباعه وهو سبيل الله ورسوله وحسْب.

لذلك حينما يقرأ قوله تعالى" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"، يعرف أنه مشمول بهذا الخطاب، وأنه مسؤول ومكلف بالالتزام به، فيحذر معصيته، ويعمل على أن يتخذ الوسيلة الوحيدة التي توصله إليه وليست الوسائل المختلفة المتباينة والمتناقضة، وتلك الوسيلة هي رسول الله صلى الله عليه وآله ومن عيّنهم مقامه إلى يوم القيامة.

 

المَعْلمُ الثاني: الاستجابة لمناهج الحياة

 

العنصر الحي هو المتحضر في الحياة، وهو الذي يتأمل صورة رجال صناعة الحياة في قوله تعالى:" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ" ([3])فيفهم أنواجبه الالتزامبمناهج الحياة، وأن هذا الخطاب القرآني موجَّهٌ إليه وهو المخاطب به.

من هنا يلتزم صُنّاع الحياة وبُناة الحضارة وعُمّار الأرض بمناهج الرسول صلى الله عليه وآله، و أوامره؛ لأنها تتبنى صناعة الحياة على الأرض. وإذن؛ فإن من يتبنى صناعة الموت لن يكون من المتحضرين.

المَعْلمُ الثالث: الارتقاء الحضاري

 وهذا يستلزم تمكيناً خاصاً يرفع الإنسان إلى مستوى التحضّر، والمجتمع إلى مصاف الارتقاء المتميز بين الأمم.

ويتجلّى هذا التمكين بصياغة الإنسان نفسه حسب المباني الفكرية لمناهج الوحي الذي بيده علوم الحياة كلها.

وهذا يتطلب من الإنسان الفرد والمجتمع معا التسليم لكافة مفردات المنهج وتطبيقها على الواقع الفردي والاجتماعي في الحياة، فلا يؤمن ببعض ويكفر ببعض وقد عاتبهم تعالى" أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ"([4]).

فلا يلتزم بتعاليم أئمة الحياة، ويجمع معها التعبد بتعاليم المحترفين لصناعة الموت والممتهنين لبث الرعب والدمار في المجتمع و" يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا" ([5]). ولا يداهنون المستهزئين بالدين، الساخرين منه طلباً لمصالح واهية، فيتخذونهم أولياء وقد اُمروا أن يكونوا أقوياء بالإيمان.

المَعْلمُ الرابع: السقوط الحضاري

من بديهية القول: بما أن الارتقاء الحضاري يتحقق باتباع مناهج الحياة، فإن التدهور والسقوط الحضاري سيكون في اتباع مناهج الضد وهي كافة المناهج التي تعارض وتناقض مناهج الحياة.

ولما كانت مناهج الحياة تتجلى بتسليم الإنسان قياده للمتمكنين العارفين بمناهج الوحي، فقد ظهر أن المؤمن بمن أنزل الوحي وأرسله حينما يستمع إلى قوله: "إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُون * ومَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ" ([6]) وبوصفه من الذين آمنوا بالله واتخذوا الله عصمتهم، فإنه سيُذعن بتسليم قياده لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وآله، ولأمير المؤمنين عليه السلام، ومن ينصبهم مقامه ، فيأتمر بأمرهم وينتهي بنهيهم.

وبهذا، فالمؤمن الملتزم بهذا المنهج، والمربي نفسه عليه يكون هو المسؤول عن صناعة الحياة حيثما حل وأينما نزل. بعكس نقيضه الخارج عن هذا السبيل فيتفنن في صناعة الموت وتدمير الحياة وإفساد الأرض بعد اصلاحها.

المَعْلمُ الخامس: رجل الحضارة لا يستظهر إلاّ بمثيله

عادة ما يحتاج الإنسان إلى قوة يمتنع بها في الحياة. فرجل الحضارة والحياة هو الذي يستظهر بمن يشابهه في اقتفاء مناهج الحياة، فلا يتولى إلاّ من يماثله في اتباع مناهج الوحي. وذلك لأن ثمة علاقة طولية بين توليه معادن الوحي وبين من يريد أن يستظهر بهم في الحياة ويستعينهم من بني جنسه.

إذ يجب أن يكون الذين يستعينهم من الذين يترسمون سبل مناهج الحياة ويقتفون آثار معادن الوحي.

أما إذا استعان واستظهر بأئمة صناعة الموت ومحترفي تدمير الحياة فهذا يعني انحرافه عن سبيل الحياة، فيُخرج نفسه عن عداد المؤمنين بالوحي ومناهجه، لأنه مأمور بعدم الاستظهار بهم وإن كانوا من أهله وأبنائه واخوانه كما قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آَبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ" ([7]).

المَعْلمُ السادس: صادق لن يخون

استقامة الحياة تظهر من خلال التعامل بين أبناء المجتمع الواحد بالصدق الذي يعني مطابقة الظاهر للباطن في القول والفعل والتصرف، وحفظ العهد والقول، واحترام الكلمة والميثاق.

وهذه من شيم المتحضرين الضالعين في بناء الحياة وصيانة المجتمع وصياغة الإنسان وتقويم الحضارة. بعكس ما إذا اعتاد المجتمع على مخالفة الحق الذي قام عليه الوجود، سواء في القول والفعل أو العهد والممارسة والتصرف وغيره فإنه سيسقط الفرد في المجتمع ويسقط المجتمع معه.

وهذه من شيم المتخلفين الذين لا يضطلعون إلاّ بتدمير المجتمع ولا يتقنون إلاّ صناعة الموت والفساد.

من هنا فإن عناصر صناعة الحضارة هم الذين يحفظون العهد ولا ينقضونه، ويحترمون الميثاق ولا ينكثونه، ويصونون الكلام ولا يهدرونه. ذلك أن حفظ العهد واحترام الميثاق والالتزام بالعقود وصيانة الكلمة، كلها من مصاديق اتباع الحق الذي يجب أن يبنى عليه المجتمع، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، وهو الذي يجب أن يسود بين الناس جميعا ليحقق لهم التوازن والاستقرار والسعادة في الحياة.

وهذا هو عين حفظ الامانة.

بينما نقض الميثاق ونكث العهد والغدر بالكلمة وهدرها، والكذب في التعامل كلها من مصاديق مخالفة الحق، الذي يجب اجتنابه في المبادلات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وغيرها. وما يؤدي إلى إرباك التوازن في المجتمع وزعزعة الاستقرار وتحويل السعادة إلى تعاسة وشقاء. وهذا هو عين الخيانة.

ولذا فالمؤمن الذي اتخذ الله عصمته وملاذه، و قوله مرآته، يقرأ قوله تعالى:" يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ" ([8]) فيمتثل لكلام الله، ويراه معنياً به، فيعتمد الامانة ويحافظ عليها سواء فيما يخص أمانات الدين أو أمانات الناس التي هي من الامانة الإلهية أيضاً.

المَعْلمُ السابع: الانحراف بدايته خطوات

انحراف الإنسان عن المسار الطبيعي، وتغيير طريقه نحو السبيل المؤدي به إلى الحرام، إنما يبدأ بخطوات أولية وتوهمات يفتعلها له الشيطان تحت عناوين الصلاح أو مبررات الالزام الشرعي، فيوهمه أن الشرع يريد ذلك.

مثلا يحلف الإنسان على فعل محرم، أو على تحريم مباح، أو يلزم نفسه بقطيعة رحم بيمين أو عهد أو نذر.. كل ذلك خطوات أولية يدفعه الشيطان إليها مسوِّلاً له أنها مما أمر الشرع به فيوجبه الالتزام به.

وقد ورد عن صفوان، عن الإمام أبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام قال: سألته عن الرجل يصلي الصلاة، أو يتوضأ فيشك فيها بعد ذلك فيقول: إن أعدت الصلاة أو أعدت الوضوء فامرأته عليه كظهر أمه ويحلف على ذلك بالطلاق ؟ فقال: هذا من خطوات الشيطان ليس عليه شيء ) ([9]).

وقد بين الإمام الصادق عليه السلام قاعدة في هذا المقام كما ورد عن: الحلبي ، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: في رجل حلف بيمين أن لا يُكلم ذا قرابة له ؟ قال: ليس بشيء، فليكلم الذي حلف عليه.

وقال عليه السلام:"كل يمين لا يراد بها وجه الله عز وجل فليس بشيء" إلى أن قال، في حديث طويل:"..ذلك من خطوات الشيطان" ([10]).

ومن خطوات الشيطان التي يفسد بها على الإنسان حياته فيوقعه في العجلة بكلام لا يريده ولا يرتضيه الله ولا رسوله ولا المؤمنون، أنْ يُطلق كلمة (الطلاق)، جزافا ثم يبقى خائفا من أن يكون قد أوقع ذلك فعلا.

كما ورد عن الإمام الباقر عليه السلام إذ قال:"سُئل أمير المؤمنين عليه السلام عن الرجل يقول لامرأته: أنت مني خليةٌ أو بريةٌ أو بائنٌ أو بتةٌ أو حرامٌ، قال: ذا من خطوات الشيطان وليس بشيء. ويُوجَع أدباً" ([11]) وهذا الادب من الإمام أمير المؤمنين عليه السلام لكيلا يكررها الرجل، ولأن الإمام في موقع الحكم مبسوط اليد فإنه عليه السلام أراد أن يعزره.

كما أن من خطوات الشيطان كل ما يبعد الانسان عن الله ويقربه من الشيطان ويوقعه فيما لا يرضي الله، سواء على الصعيد الاعتقادي أو الاجتماعي أو غيره، إذ يبدؤه بخطوات خفيّة حتى يوقعه في العظائم، كأن يدعه يشكك في أئمة الحق أو مناهج أهل البيت عليهم السلام حتى يبعده تدريجيا عن ولاية أهل البيت عليهم السلام ويوقعه في ولاية الطاغوت، فإن تلك هي من خطوات الشيطان التي تسقطه في أوحال الضلال.

والنتيجة أن المؤمن الذي ( اتخذ الله عصمته وقوله مرآته) حينما تصدح في أذنه كلمات الله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ" يتأمل هذا الخطاب الإلهي الصريح فيتوغل في اعماق نفسه فيؤدبها به متفكرا بخطورة خطوات الشيطان لأنه" يأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ" ([12]).

وهنا يقف المؤمن أمام هذه المرآة الإلهية ليفهم أنه حينما يكون على المنهاج الصحيح، فانما هو بفضل الله تعالى، الذي يمهد له مسالك الفلاح والنجاح، وسبل السلامة والاستقامة فقال عز وجل" ولَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ" ([13]).

فهذه من شيم المتحضرين ونقيضها سمة المتخلفين الجاهلين

----------------------

*عالم دين مقيم في كندا

[1] - سورة المائدة/ آية ٣٥

[2] - سورة الأنعام/ آية ١٥٣

[3] - سورة الأنفال/ آية ٢٤

[4] - سورة البقرة/ آية ٨٥

[5] - سورة النساء آية /٦٠

[6] - سورة المائدة/ آية 55 – ٥٦

[7] - سورة التوبة/ آية ٢٣

[8] - سورة الأنفال/ آية ٢٧

[9] - الكافي - الشيخ الكليني - ج 6 - ص 155

[10] - الكافي - الشيخ الكليني - ج 7 - ص 441 - 442

[11] - دعائم الإسلام - القاضي النعمان المغربي - ج 2 - ص 266، البتة: الطلاق البات قطعا.

[12] - سورة النور/ آية ٢١

[13] - سورة النور/ آية ٢١


ارسل لصديق