من ذا الذي يقرض الله؟
كتبه: علي الحسيني
حرر في: 2016/08/11
القراءات: 552

يتسابق الناس في العادة إلى إقراض الثري الملي‏ء منهم - وكلهم فقراء- فهم يعتقدون أن السداد مضمون. ولهم الاعتزاز بأن مَنْ أقرضوه هو الثري الملي‏ء! لكنهم يتباطؤون حينما يكون القرض إلى الغني الحميد!

يقول الإمام زين العابدين في دعاء ابي حمزة الثمالي: «الحمد لله الذي أسأله فيعطيني وإن كنت بخيلاً حين يستقرضني».

هنا مفارقة تدعو الى التساؤل؛ فحينما طلب الله سبحانه من المؤمن إقراضه لم يضمن سداد القرض فحسب، بل وعده بأن يعيده بأضعاف فقال: {مَنْ ذَا الَّذي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَريمٌ}، (سورة البقرة: 245)، فبعد إعادة القرض مضاعفة، هنالك {أَجْرٌ كَريمٌ} ينتظر المُقرض.

 

شروط نجاح الإنفاق

ولكن السؤال؛ هل كل مال ينفق في سبيل الله يستحق المضاعفة والأجر الكريم أم أن لذلك شروطا؟

لا يريد الله منّا أي مال، بل المال المنفق يجب أن تتوفر فيه شروط ليكون من القرض الحسن، ولعل مراجعة سريعة للآيات والروايات تهدينا إلى هذه الشروط، نذكر سبعة منها:

الشرط الأوّل: إنتخاب المال الحلال الطيب، يقول سبحانه: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ، وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ}، (سورة البقرة: 267)، وقد ورد في تفسير هذه الآية عن الإمام الصادق، عليه السلام: «كَانَ النَّاسُ حِينَ أَسْلَمُوا عِنْدَهُمْ مَكَاسِبُ مِنَ الرِّبَا ومِنْ أَمْوَالٍ خَبِيثَةٍ فَكَانَ الرَّجُلُ يَتَعَمَّدُهَا مِنْ بَيْنِ مَالِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهَا فَنَهَاهُمُ اللهُ عَنْ ذَلِكَ وإِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ»، وجاء عن النبي، صلى الله عليه وآله قال: «إنَّ اللهَ طَيِّبٌ وَلَا يَقْبَلَ إِلَّا الطَّيِّبَ».

ولعل التأكيد المتكرر في الآيات والروايات على هذا الشرط، لأن البعض يحاول تبرير مكاسبه المحرمة، والالتفاف على الشرع بمختلف الحيل، كإنفاق بعضها في بناء المساجد والمؤسسات الدينية، والمساهمة في المشاريع الخيرية، ولكن؛ ليعلم هؤلاء أن ذلك لا يخلعهم عن المسؤولية أمام الله، ولا يعود عليهم بالنفع، فإن الأموال التي أخذت في الرشا أو اقتطعت من أموال الناس في المشاريع الوهمية وعمولاتها إنما هي من السحت لا يطهرها بذل جزء منها في المشاريع الخيرية.

الشرط الثاني: أن يكون الإنفاق من الأموال التي هي موضع حاجة الشخص المنفق أو التي يحبها، حيث يقول سبحانه:] {...وَيُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ}، (سورة الحشر: 9)، ويقول سبحانه: ﴿لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ، (سورة آل عمران: 92) فالإيثار يعطي للإنفاق قيمة إضافية.

الشرط الثالث: بأن يكون خالصاً لوجه الله، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ، (سورة المائدة: 27)، وهذه سيرة أوليائه، عليهم السلام: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً * إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً}، (سورة الإنسان: 8-10)، أما إذا أنفق الإنسان تزلُّفاً إلى الطاغوت، أو طمعاً في منصب أوقضاء حاجة عند الحاكم، أو رئاء الناس أولهثا وراء الشهرة وغير ذلك، فهذا ليس قرضا حسناً، إنما هو النقيض «سيئاً» يستوجب العقاب، لأنه قد يكون طريقا إلى الفساد والإفساد في المجتمع.

الشرط الرابع: أن يكون محاطا بالسّرية والكتمان قال تعالى: {...وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، (سورة البقرة: 271).

الشرط الخامس: أن لا يبطل هذا الإنفاق بمنّ أو أذى كما يقول تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى}، (سورة البفرة: 264).

الشرط السادس: وهو من الشروط المهمة التي قد نغفل عنها بأن لا يشعر الإنسان أن ما يعطيه كثير بل عليه أن يعلم بأن ما يعطيه لا شيء لانه يعطي مما أعطاه الله، يقول تعالى: {وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ}، (سورة المدثر: 6).

الشرط السابع: أن يصيب الإنفاق موارده.

 

الإنفاق في مواضعه

سفانة بنت حاتم الطائي، بعدما أطلق سراحها رسول الله، صلى الله عليه وآله، لكرم أبيها وأعطاها ما أعطى رفعت يديها بالدعاء فقالت: «أصاب الله ببرك مواضعه»، وحقاً إنها دعوة مهمة حيث إن من المهم جداً في الإنفاق في سبيل الله والإقراض هو أن يقع في موارده المشروعة، ليس مطلوبا من الإنسان أن يفتش عن عقائد الناس ويحقق معهم، ولكن ينبغي له أن يعلم أين يضع ماله، وفي الخبر المشهور عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: «لا تزل قَدَمُ عَبْدِ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ خِصَالٍ: عَنْ عُمْرِهِ فِيْمَا أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيْمَا أَبْلَاهُ، وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيْمَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ حبنا اهل البيت».

ويقول الإمام الصادق، عليه السلام: «لَوْ أَنَّ النَّاسَ أَخَذُوا مَا أَمَرَهُمُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بِهِ فَأَنْفَقُوهُ فِيمَا نَهَاهُمُ اللهُ عَنْهُ مَا قَبِلَهُ مِنْهُمْ، ولَوْ أَخَذُوا مَا نَهَاهُمُ اللهُ عَنْهُ فَأَنْفَقُوهُ فِيمَا أَمَرَهُمُ اللهُ بِهِ مَا قَبِلَهُ مِنْهُمْ، حَتَّى يَأْخُذُوهُ مِنْ حَقٍّ ويُنْفِقُوهُ فِي حَقّ».

بالطبع الثواب يكون على النية، والإنسان مطالب أن يعمل بالظاهر، ولكنه إذا أخلص نيته وأصاب هدفه فهو أجزل ثوابا من الذي يُخلص ولا يُصيب، بالذات إذا كان ذلك بسبب الإهمال، فإن الإنفاق إذا أخطأ موارده قد يؤدي إلى حالات سلبية معاكسة اجتماعيًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا. ومن أهم الموارد التي ينبغي أن يكون الإنفاق في سبيل الله فيه هو الإمام المعصوم ومن يخلفه في قيادة المجتمع المسلم أو التجمع الرسالي الذي يجاهد من أجل إقامة حكم الله، وتحرير البلاد والعباد من ربقة الظلم والفساد والتبعية، قال الإمام الصادق، عليه السلام: «إِنَّ اللهَ لَمْ يَسْأَلْ خَلْقَهُ مَا فِي أَيْدِيهِمْ قَرْضاً مِنْ حَاجَةٍ بِهِ إِلَى ذَلِكَ، ومَا كَانَ لِلَّهِ مِنْ حَقٍّ فَإِنَّمَا هُوَ لِوَلِيِّهِ».

وعن الإمام موسى بن جعفر، عليه السلام، في تفسير هذه الآية المباركة قال: «صِلَةُ الإِمَامِ فِي دَوْلَةِ الفَسَقَةِ».

وعن الإمام الصادق، عليه السلام قال: «مَا مِنْ شَيْ‏ءٍ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ إِخْرَاجِ الدِّرْهَمِ إِلَى الْإِمَامِ وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَجْعَلُ لَهُ الدِّرْهَمَ فِي الْجَنَّةِ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ» ثُمَّ قَالَ، عليه السلام: «إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَ لَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ}، (سورة البقرة: 245)، ثُمَّ قَالَ: هُوَ وَاللَّهِ فِي صِلَةِ الْإِمَامِ خَاصَّةً».

 

«خديجة» رمز الإنفاق الحضاري

ينبغي أن تعي الأمة أنها كلما دعمت الحركات الرسالية والقيادات الصالحة تقدمت نحو النصر، وأسهمت في استقلال طلائعها المجاهدة، فهناك الكثير من المشاريع في طريق الجهاد والنصر تنتظر العون الذي يُصيِّرها واقعاً على الأرض، وزوجة الرسول الأكرم، صلى الله عليه وآله، خديجة بنت خويلد، عليها السلام، أسوة حسنة لنا في ذلك فقد وهبت مالها للإسلام ابتغاء مرضاة الله، وجهادا في سبيله.

وإذا كانت هذه المسؤولية تقع على الأمة فردا فردا، فإنها لا ريب تتركز عند الذين أنعم الله عليهم بالثروة، وهم مطالبون أمام الله والأمة والتاريخ أن يتحملوا مسؤوليتهم ويؤدوا واجبهم في الصراع الحاسم بين الباطل - ممثلا بالأنظمة الجاهلية - وبين الحق - ممثلا بالقيادات والحركات الرسالية الصادقة -، وليطمئن كل منفق أن انتصار الحق لن يكون في صالح الأمة فحسب، بل في صالحه هو شخصيًّا أيضاً، وأن المال الذي ينفق منه لن ينقص، بل سيبارك الله له فيه. وهذا وعد الله تعالى حيث قال: ﴿فَيُضَاعِفَهُ لَهُ، (سورة البقرة: 245)، ويبدو أن هذه المضاعفة في الدنيا ويضرب القرآن مثلا لهذه المضاعفة إذ يقول: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}، (سورة البقرة: 261).

وقال الإمام علي، عليه السلام: «الصَّدَقَةُ تُنْمَى‏ عِنْدَ الله تَعَالَى».

وعلى الإنسان أن يوقن بهذه الحقيقة فإن أيقن بهذه الحقيقة فإنه لا ريب سيكون من المنفقين، ففي الحديث عن النبي، صلى الله عليه وآله قال: «مَنْ أَيْقَنَ بِالْخَلَفِ سَخَتْ نَفْسُهُ بِالنَّفَقَةِ».

وهل يقف الإمر عند هذا الحد كلا بل إن النِعَم تعم جوانب حياة الإنسان وتمتد إلى من حوله، وإلى الأجيال من بعده، قال الإمام الصادق، عليه السلام: «مَا أَحْسَنَ عَبْدٌ الصَّدَقَةَ فِي الدُّنْيَا إِلَّا أَحْسَنَ اللهُ الخِلَافَةَ عَلَى وُلْدِهِ مِنْ بَعْدِهِ».

وهكذا تستمر البركة حتى الحياة الآخرة فيقول تعالى: [وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ] في مقابل شكر الإنسان لربه، وتصرفه الحسن في نعمه يشكره الله. ونحن نعلم كم تكون العطية كثيرة إذا امتدت بها يد الكريم من الناس، ولكننا لا نستوعب سعتها ونوعيتها إذا كانت من عند رب العالمين الذي وسعت رحمته كل شي‏ء!

نعم؛ غير المؤمن، يجادل في ذلك المرة بعد الأخرى وكما يصف لنا الرب هؤلاء: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ}، (سورة يس: 47)، وليس قولهم ذلك إلا تبريرا لتخلفهم عن الحق، وسعيهم التملص من المسؤولية، وعلى العكس تماماً ترى المؤمن يدرك‏ غنى الله، وأنه إنما فرض الإنفاق ليبتلي عباده ويستأديهم ميثاقه بالطاعة له.

يقول أمير المؤمنين، عليه السلام: «قَالَ تَعَالَى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ‏}، فَلَمْ يَسْتَنْصِرْكُمْ مِنْ ذُلٍّ ولَمْ يَسْتَقْرِضْكُمْ مِنْ قُلٍّ، اسْتَنْصَرَكُمْ ولَهُ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ، واسْتَقْرَضَكُمْ ولَهُ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ والأَرْضِ وهُوَ الغَنِيُّ الحَمِيدُ، وإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا، فَبَادِرُوا بِأَعْمَالِكُمْ تَكُونُوا مَعَ جِيرَانِ الله فِي دَارِهِ}.


ارسل لصديق