قراءة النص برؤية حضارية ... المرجع المدرسي نموذجاً
كتبه: حيدر الرماحي
حرر في: 2016/08/11
القراءات: 623

يحتاج النصّ الديني الإسلامي كغيره من النصوص إلى قراءة مناسبة تتوافق مع معطيات الحق والصدق، كضمان لعدم انحراف منهجية إبراز المعنى المطلوب لألفاظ النصوص من جهة، واستظهار معانٍ حضارية تتناسب مع الواقع المعاصر وما يؤلفه أبناء المجتمع من جهة أخرى.

وقد مرت النصوص الدينية الإسلامية بألوان مختلفة من القراءات تبعاً لاختلاف المنهج العلمي المتبع لدى العلماء تارةً، ولحاجات نفعية - براغماتية - تعود الى دوافع تخصّ المفكرين، ربما تكون طائفية أو فئوية، مما أدى بالضرورة إلى تقاطع الأفكار وتشتت الصور المرسومة في ذهن الغير عن الإسلام، ثم حصول الاختلاف في النتيجة المستخلصة من الدين، كونه الرسالة التي تدعو الى الحق الواحد، والإنسان الواحد، والحضارة الواحدة، في مقابل العقائد والافكار الاخرى.

ولذا اعتمدت القراءة النموذجية على النصّ الديني الإسلامي، وما يلتف حوله من قراءات وتفسيرات، بوصفه أقوى العوامل المساعدة على توحيد الرؤى واثبات الحقائق الإيمانية، واكثرها تأثيراً في الإنسان ومنهجه في الحياة، وبهذا يمكن عدّ النصّ الديني؛ الأساس الذي يقوم عليه انضباط الإنسان والتزامه بالمبادئ والقيم الالهية الداعية إلى الخير والحب والسلام، إذا ما تم تفسيره وفقاً لرؤى الحق والعدل، ليكون الدين هو النور الذي يُنيرُ دروب الإنسانية ويحافظ على قداسة مخلوق الله الأمثل - النفس البشرية - ليسهم في بناء الحضارة، ويمكن احتسابه أيضاً العنصر الفاعل في حرف المسيرة الإنسانية، وهدم الحضارة، ونسف القيم، في حال انحرفت عملية تفسير النصّ الديني الإسلامي عن مسارها الصحيح، وباتت دلالة المعنى رهناً للأهواء والرغبات الشخصية تتمايلها يميناً وشمالاً، ليكون الفهم الديني بهذا المعنى مصدراً لهدم القيم، ونشر الفوضى، وإشاعة روح التعصب القبلي، والتمييز الطائفي، والقتل، والدمار.

 

النصّ الديني وإشكالية الفهم

يبدو لي أن النصّ الديني الإسلامي بشكل عام يُعاني من إشكالية الفهم الصحيح لمفرداته ودلالته. وإلاّ فما معنى أن تقول طائفة إن الله ممكن رؤيته يوم القيامة بالعين المجردة، في الوقت الذي تنفي طائفة أخرى هذه الرؤية وتؤكد على أن الرؤية يوم القيامة هي رؤية قلبية، مع أن النص القرآني واحد، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ، (سورة القيامة: 22-23)، فقد اختلفوا؛ هل الرؤية تعبير مجازي أم حقيقي؟ إلا أن السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله - جمع بين الاتجاهين، برؤية لطيفة تُعبر عن كلا النظرتين، حيث قال: (إن النظر هنا بكلا المعنيين المجازي والحقيقي، فأما المجازي فإن المؤمنين يوم القيامة يتأملون من ربهم الثواب والكرامة، ويقطعون أملهم إلا منه. وأما الحقيقي فإنهم ينظرون إلى ربهم ببصائرهم لا أبصارهم من خلال آياته ونوره الذي يتجلى لهم إكراماً منه لعباده المتقين)(1)، وبما أن النظر الحقيقي واحد لا يختلف وهو نظر العين المجردة، لذلك لم يشأ سماحة السيد المدرسي - دام ظله - أن يذهب بعيداً في تأويل معنى الرؤية، مما دعاه أن يعطي دلالة واضحة المعنى لإثبات الجانب الحقيقي للرؤية عبر النظر إلى آيات الله الظاهرات في الوجود كله، فإن عين البصيرة تدرك حقائق آيات الله، حيث إن عالم الآخِرة ذو مشاهد حقيقية تتجلى فيه عظمة الله وقدرته ورحمته، أضف إلى أن قراءة النصّ بهذا الشكل ينسجم مع رؤى العقل والإنسان الحضاري.

وتثمر لنا هذه القراءة نتيجة رائعة مفادها أن النصّ الإسلامي لا يخالف الفطرة السليمة الداعية الله تعالى، ولا يتقاطع مع أوليات العقل البشري ومعطياته التي اكثر ما تعتمد الحس والتجربة في اثبات الحقائق، وتفسير سماحته لهذه الآية بالمعنى الحقيقي وليس المجازي فقط، يملأ حاجة العقل المختبري ويُلقي عليه الحجة البالغة؛ إذ أن النظر الحقيقي إلى الأشياء والاحساس بعظمة وجودها حقيقة لا يرفضها حتى العقل التجريبي فكيف بالعقول الأخرى. وبذلك يكون سماحته قد سدّ الأبواب جميعها، عبر بيانه لكلا الاتجاهين الحقيقي والمجازي.

 

قضية المنهج عند السيد المدرسي - دام ظله -

تحتل مسألة المنهج لدى السيد المدرسي - دام ظله - مساحة واسعة جداً في منظومته الفكرية، ولا ابالغ إن قلت إنه يسعى لأن يكون كل منتوج ثقافي علمي، مؤطراً بإطار القيم، وناتجا عن منهج محدد، بمعنى أن العمل الفكري عند سماحته قائم على أساس المنهج المتبع لديه. فهو يحدد المنهج قبل ان يدخل إلى حقل النص. لذلك نشاهده في كتابه التفسيري الكبير (من هدى القرآن) كيف يوضح منهجه في تفسير آيات الكتاب العزيز، قبل أن يدخل إلى رحاب النص القرآني. ومن جانب آخر سعى سماحته لأن يكون فهمه للنص فهماً حضارياً ينسجم مع الواقع، ويسهم في حل مشكلات الواقع الاجتماعي.

ومع الأسف هذا الأمر نكاد لا نرى له أثرا كبيرا عند الاتجاه المقابل لمدرسة أهل البيت، عليهم السلام، إذ أن غياب المنهج الواضح لديهم في قراءة النصّ أو ركاكته، وفقدان الرؤية الحضارية إلى الدين؛ ادى إلى ضياع صورة الإسلام الناصعة لدى اغلبهم، مما آل إلى ظهور التطرف والغلو في الدين والتشدد فيه والإفراط في اخذه، في حين قد بين الله تعالى لنا المنهج الصحيح في كيفية فهم النصوص الدينية والتعامل معه وفق منهج الاعتدال، قال تعالى:{وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، (سورة البقرة: 143)، إلى غيرها من الآيات التي تدل على الوسطية والاعتدال.

إن الفهم الخاطئ لنصوص الأمر بالعروف والنهي عن المنكر أدى إلى اشكالات كبيرة في ساحة العمل الإسلامي، وخير دليل على ذلك ما حدث في باكستان سنة 2007م، حين قامت فئة من الذين يسعون إلى تغيير المنكرات في المجتمع، إلى استخدام القوة، فقاموا بتدمير واحراق المباني، وقتل الأفراد واختطافهم، في ظنهم أن لهم الحق في محاسبة الناس بهذه الطريقة. هذه الحادثة ومثيلاتها، ما يشهد به الواقع الإسلامي بشكل عام. والسبب الرئيس في ذلك هو الخطأ في المنهج المتبع لديهم في قراءة النص، حيث ابتعدوا بشكل كبير عن مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، فخسروا دينهم ودنياهم؛ على حين أن مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من المسائل المهمة والخطيرة في الفقه الشيعي، ولذا هناك شروط دقيقة تختص بكلا الطرفين ينبغي احرازها وكذا موضوع «المسألة الشرعية»، ثم بعد ذلك يُترك الأمر للفقيه العادل ليقرر أصل هذه المسألة، آخذاً بعين الاعتبار الظرف المناسب والبيئة المناسبة، إذ ليست القضية بهذه البساطة كما ينظر إليها البعض.

ومما يُعاب على منهج التطرف والعنف أنه ليس لديهم مرجعية موحدة كمرجعية أهل البيت، عليهم السلام، مما اسفر عن تشتت الرؤى والمخرجات الفكرية نتيجة تشتت المناهج وتطرف بعضها.

ونتيجة الأمر تظهر من خلال عدة توصيات:-

1- توحيد المرجعية الفكرية التي يأخذون عنها معالم الدين.

2- ابعاد الثقافات البشرية الملوثة عن قداسة النصّ الثابت.

3- الرجوع إلى الأصول العامة في القرآن والسنّة.

4- الاعتماد على منهج للقيم الإسلامية الأصيلة.

5- تفعيل دور العقل في الكشف عن بصائر الوحي الإلهي عبر منهج التدبر

---------------

(1) آية الله السيد محمد تقي المدرسي/ من هدى القرآن/ ج 11: ص 399.


ارسل لصديق