الرجل الذي قرر بيع داره لطباعة كتاب
الشيخ محمد جواد البلاغي -قدس سره -
كتبه: مصطفى الطرفي
حرر في: 2016/08/11
القراءات: 618

أحد أبطال الحوزة العلمية، عاش بين القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، سجل علامة فارقة في اهتمامه بالفكر والثقافة والنشر الى جانب كونه عالم دين، فكان من صفاته استثمار الوقت في التأليف والتصنيف، وايضاً إخلاصه الشديد لمبادئه وأهدافه السامية، قد نقل عنه أنّه كان يقول: «إنّ غايتي من التأليف هو الدفاع عن الحق والحقيقة، وصولاً إلى مرضاة الله سبحانه وتعالى، فلا ضير إن لم يُكتَب اسمي على غلاف الكتاب، أو يكتب اسم شخص آخر غيري»! حتى أن يوسف إليان سركيس في كتابه، «معجم المطبوعات» ذكر كتاب «الهدى إلى دين المصطفى» لشيخنا البلاغي في آخر الجزء الثاني ضمن الكتب المجهولة المؤلف، وربما كان رحمه الله يذيل بعضها باسماء مستعارة مثل «كاتب الهدى النجفي»، أو «عبد الله العربي» وغيرها.

ومن عديد الامثلة على شدة اهتمامه بالتأليف والنشر، انه ذات يوم تعرض لضائقة مالية شديدة وهو يروم طباعة كتاب له، فلم يجد أمامه سوى الدار التي يسكنها، وعدم امتلاكه غيرها، فقرر دون تردد بأن يبيع الدار ويسكن في الإيجار لتوفير المبلغ اللازم لطباعة الكتاب.

 

ولادته ونشأته

وُلد الشيخ محمد جواد البلاغي في النجف الأشرف سنة 1282هـ الموافق سنة 1863م في بيت من أقدم بيوتاتها وأعرقها في العلم والفضل والأدب، ونشأ حيث وُلد، وبدأ دراسة العلوم الدينية منذ نعومة أظفاره في هذه المدينة المقدسة، فأخذ المقدمات عن أعلامها الأفاضل، ثم سافر إلى الكاظمية سنة 1306 هـ وتزوج هناك من ابنة السيد موسى الجزائري الكاظمي.

عاد إلى النجف الأشرف سنة 1312هـ فحضر الدروس عن علمائها الأجلاء منهم الشيخ الآخوند الخراساني، من ثم هاجر إلى سامراء سنة 1326هـ فحضر عند الميرزا محمد تقي الشيرازي، لمدة عشر سنين، وألف هناك عدة كتب، وغادرها عند احتلالها من قبل الجيش البريطاني إلى الكاظمية فمكث بها سنتين مؤازراً للعلماء في الترويج للثورة ومحرّضاً لهم على طلب الاستقلال، ثم عاد إلى النجف الأشرف وواصل نشاطه في التأليف، فكان من أولئك الندرة الأفذاذ الذين أوقفوا حياتهم وكرّسوا أوقاتهم لخدمة الدين والحقيقة، فلم يُرَ إلا وهو يجيب عن سؤال، أو يحرّر رسالة يكشف فيها ما التبس على المرسِل من شكّ.

 

جهاده

كانت جذوة سيد الشهداء، وأبي الأحرار، الإمام الحسين، عليه السلام، متّقدة في نفس الشيخ البلاغي، وهذا ما جعله حريصاً على القيم والمبادئ والرسالة المحمدية من أي خطر داهم، فقد عُرف بتشدده وتحفظه على كل ما يمتّ بصلة الى الدول الأجنبية، وكان يؤكد بأنها لن ترحل من البلاد الاسلامية، بل تبحث لها عن وسيلة جديدة للعودة والسيطرة عليها مجدداً والقضاء على هويتها الدينية.

هذه اليقظة والحساسية، دفعت الشيخ البلاغي للإحاطة بمقتضيات عصره، فصمم على تعلُّم اللغة الإنجليزية والعبرية، الى جانب اتقانه اللغة الفارسية، كما اطلع على الاناجيل والتوراة، وتمكَّن من ترجمة بعض كتبه إلى تلك اللغات، بهدف الرد على المزاعم والأقاويل التي كانت تتسلل الى الساحة الاسلامية، وكان بذلك يرد كيد المعتدين الى نحورهم، قال عنه المرجع الراحل السيّد المرعشي النجفي - طاب ثراه-: «لقد شاهدته ولمرَّاتٍ عديدة يقرأ التوراة بالعبرية، وبمُنتَهى الطلاقة».

ومن مواقفه المشهودة، تحريضه علماء الدين، وإثارة الراي العام ضد البهائية في بغداد، وإقامة الدعوة في المحاكم لمنع تصرفهم في المُلك الذي استولوا عليه في محلّة «الشيخ بشار» في الكرخ، الذي اتخذوه مقراً لهم لإقامة طقوسهم الخاصة، فقضت المحاكم بنزعه منهم، واتخذه - رضوان الله عليه - مسجداً تقام فيه الصلوات الخمس والمآتم الحسينية في ذكرى الطف وشعائر أهل البيت، عليهم السلام، بل كان من المدافعين عن «الشعائر الحسينية» بالرد على الشبهات الواردة من البعض، من خلال المشاركة بنفسه في المواكب الحسينية وأداء تلك المراسم وبكل فخر واعتزاز.

ومن مواقفه الجهادية؛ تضامنه مع علماء الدين في ثورة العشرين المجيدة التي قادها المرجع الراحل الشيخ محمد تقي الشيرازي - قدس سره- ضد الاستعمار البريطاني، وكان ذلك في سنة 1337هـ.

والحديث يطول عن جهاده الفكري والثقافي، بيد أن الواجب الاشارة الى مواقفه الشديدة للتصدّي للفرق الضالة مثل؛ البابية والقاديانية والوهابية والإلحادية وغيرها.

فكتب في ردهم ودحض شبهاتهم، وفضح توافه مبانيهم ومعائب أفكارهم في عدّة كتب ورسائل قيمة، كما تصدّى بقوة للتبشير المسيحي الذي استشرى في العراق وفي غيره من البلدان العربية والإسلامية آنذاك.

 

 وفاته

توفي عالمنا الجليل، ليلة الاثنين 22 شعبان 1352هـ، الموافق 9/12/1933م، بعد معاناة من مرض «ذات الجنب»، ودُفن في حجرة آل العاملي في الصحن العلوي الشريف لمرقد أمير المؤمنين، عليه السلام.


ارسل لصديق