العبودية .. فلسفة الرسالة وأساس التكامل
كتبه: الشيخ معتصم السيد احمد
حرر في: 2012/09/26
القراءات: 1890

لا يمكن أن نتصور الحِكمة من الخلق، بدون وجود الإنسان، وكذلك لا يمكن أن نتصور أن هناك رسالة ولا إنسانا.

فبما أن الإنسان هو محور الخلق، كذلك هو ذاته محور الرسالات، والمحورية هنا ليست فقط كون الإنسان هو المقصود من الخطاب، وإنما هي المحورية الكاشفة عن قيمة يحققها الإنسان بذلك الخطاب.

وهذا الوصف، هو الذي تنفتح به دلالات الخطاب أمام طموح الإنسان المتطلع للكمال، وعند ذلك تتحول كل التشريعات، وكل الأحكام والتوصيات، إلى محفزات تؤكد قيمة الإنسان، لا قيمة التشريعات بعيداً عن قيمة الإنسان، فالوعي الذي يضخم قيمة التشريع، ويتجاهل تماماً قيمة الإنسان، هو الوعي الذي يقلب الحقائق ويغير المسار، وتصبح الرسالة - حينئذ- عبئاً يثقل كاهل الإنسان، والحال أن الرسالة لم تأتِ إلا لكسر القيود والأغلال التي تقف حاجزاً أمام الإنسان، قال تعالى: "وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ" (الاعراف/ 157)، فقيمة التشريع ما يحققه من قيمة للإنسان، فإذا كان الإنسان بذاته مثقلاً بالمطامع والشهوات والنواقص، التي تجره إلى الوراء، فهداية الله وإرشاده هي التي تحول نقصه إلى كمال، وضعفه إلى قوة، وعجزه إلى قدرة.

ومن هنا كانت تعاليم الأنبياء والرسل، مصابيح تضيء طريق السالكين وعلامات يهتدي بها الحائرون، بمعنى أن حقيقة الرسالات وفلسفة التشريعات، هي العروج بالإنسان إلى مدارج الكمال، بتربيته وتعليمه وإرشاده وهدايته، ولذلك كان الإنسان هو محور خطاب القرآن، ليس لكونه الموجود العاقل فحسب، وإنما لكونه الموجود القابل للكمال. ومن هنا يتضح أن القيمة الأساس التي تدور حولها تعاليم الإسلام، هي الإنسان بما هو إنسان، فرداً كان أو جماعة.

 

الإسلام و رسالة التكامل الإنساني

وهنا يمكننا تسجيل ملاحظات على مجمل الخطاب الإسلامي، أو على مستوى الوعي الديني المتاح عند الإنسان المسلم، فالوعي الذي حققه ذلك الخطاب، قد عمل على استبعاد الإنسان كقيمة محورية جاءت من أجلها التشريعات، في حين أن التشريعات لا تكتسب أي قيمة بعيداً عن الإنسان، كما أن قيمة الإنسان تتحقق عبر القيم التي تؤكد عليها التشريعات، ومن هنا تنبع خطورة تهميش الخطاب الديني للإنسان كقيمة محورية، وتركيزه على التشريع بوصفه طقوساً مطلوبة لذاتها.

والإسلام هو الرسالة الخالدة التي جاءت تتويجاً لجهود الأنبياء السابقين، وكون الإسلام خالداً، يدل على شمولية الخطاب وتمامية التشريع، كما أن الخاتمية تعني خلاصة ما يريده الخالق للمخلوق، وهذا النوع من التفكير هو الذي يخلق مساحة للتفاعل بين الإنسان ومضامين الدين وحِكم التشريع؛ لأنه نوع من الوعي الباحث عن مراد الله وحِكمته من خلق الإنسان و وجوده، فقيمة الإنسان في ما أراده الشارع للإنسان، وليس في ما أراده من الإنسان، حتى العبادة لا تكون عطاءً من الإنسان بقدر ما هي عطاءٌ للإنسان؛ لأن معناها حقيقةً ليس سلب شيء من الإنسان وإنما تحقيق قيمة له.

في رواية أن رجلاً سأل الإمام الصادق (ع) قال: لم خلق الله الخلق؟ فقال: (إن الله تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثاً، ولم يتركهم سدىً، بل خلقهم لإظهار قدرته، وليكلفهم طاعته، فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعةً ولا ليدفع بهم مضرة، بل خلقهم لينفعهم ويوصلهم إلى نعيم الأبد).

فالإسلام بهذا المعنى، هو النظام الإلهي الذي هدفه بناء الإنسان، وتكامله في كافة المجالات، ومن ثمّ لا يمكن أن يكون هناك مذهب يقدم نفسه على أنه الفهم الأصدق للإسلام، إذا لم يحقق بتعاليمه قيمة الإنسان، فالتمييز بين المذاهب، بوصفها قراءات لحقيقة واحدة وهي الإسلام، يجب أن يكون وفقاً لهذا المعيار، فالمذهب الأقرب، هو الذي تكون تعاليمه دافعة للإنسان، في كافة المجالات الإيجابية، وأن تزيل توجيهاته كل السلبيات التي تعوق مسيرته التكاملية.

فتعاليم الدين وتشريعاته على كل المستويات، تحقق للإنسان غايته، وهي الاقتراب من الله بكماله وجلاله، فيكون الإنسان متمحضاً تماماً لها في شعوره وسلوكه ومعارفه، وحتى في انطباعاته وميوله وأحاسيسه "وَهَذَا صِرَاطُ رَبِّكَ مُسْتَقِيمًا قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ" (الانعام/ 126) ، فلا تكون قيمة الإنسان حينئذ قيمة ذاتية نابعة من طبيعته الشخصية، فالإنسان بما هو مخلوق ناقص بالطبع وبالذات، وفاقد لكل كمال، ومن هنا تكون المنة والإحسان من الله، هي الطريق إلى كمال الإنسان.

وعند هذه النقطة تتشكل مفارقة جوهرية بين قيمة الإنسان في الإسلام، وبين قيمة الإنسان في الفلسفات الوجودية، التي تتضخم فيها الأنا بشكل يصبح الإنسان فيها رباً للوجود، وهذه النظرة الغافلة عن حقيقة الإنسان العاجز والفقير إلى الله، لا تُكسب الإنسان إلا مزيداً من الغرور وعبادة الذات، وهي النقطة التي تتوقف فيها مسيرة الإنسان، عندما ينظر لنفسه بعين الرضى والكمال، بعكس عبادة الله، التي لا تجعل لعروج الإنسان حدوداً، كما سيأتي توضيحه.

فإذا كان الكون مسخَّراً للإنسان، وخطاب الإسلام يدور حول الإنسان ، فأي محور يجب أن يدور حوله الإنسان؟

هذا السؤال، يقودنا - وبشكل مباشر- إلى فلسفة خلق الإنسان، وهي العبودية الكاشفة عن محورية الله لدى الإنسان، ونستشف هذا الأمر من قوله تعالى: "وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات/ 56 )، فهذه الآية إجابة صريحة على السؤال: لماذا خلق الله الإنسان؟ فالعبودية تمثل هدفاً سامياً وقيمة عليا للإنسان، فما هي العبودية؟

 

لا تناقض بين العبادة والحرية

من الواضح ، أن الله لا ينتفع بعبادة العبد، بل العباد هم الذين ينتفعون، ومن هنا لا تكون العبادة حقيقة سلبية بالنسبة للإنسان أيضاً، أي بمعنى أن الله لم يخلق الإنسان لكي يستعبده، ويفرض عليه ما يقيّدُه. لكن العبودية في الدلالة العرفية تتناقض مع الحرية.. فكيف يكون الإنسان عبداً وفي الوقت نفسه حراً؟ وهل قيمة الإنسان في عبوديته أو في حريته؟ هذه الأسئلة يمكن أن تقودنا إلى إيجاد فلسفة للعبادة يرتفع بها التناقض وتتحقق بها قيمة للإنسان.

ولكي نقترب من العبادة بالمعنى التشريعي، لا بد أن نقترب أولاً من العبادة بالمعنى التكويني، بوصفها الأساس الذي تبتنى عليه العبادة في التكليف؛ فكون الإنسان عبداً باختياره، يعني بالضرورة كونه عبداً في كيانه، فلا يكون هذا التكليف حالة عرضية لم ترتكز على الطبيعة الإنسانية، وإنما القول بأن الإنسان بذاته عبد، هو تعبير آخر عن القول إن الإنسان كائن مخلوق.

وبعبارة أخرى، هل الإنسان بذاته عبد؟ أو بذاته حر؟

فإن كان الإنسان بذاته حراً، تكن العبادة بالمعنى التشريعي نوعاً من أنواع مصادرة الحرية أو تحديدها وتحجيمها، لعدم وجود مبرر ذاتي يدعو الإنسان للخروج من الحرية للعبودية، إلا أن تكون هناك سلطة فوقية، فرضت الهيمنة والقهر على الإنسان، إظهاراً للسلطنة والقدرة، فتكون العبادة حينئذ حالة سلبية بامتياز، على مستوى العبد والمعبود.

أما القول الآخر بأن الإنسان بذاته عبد لله تعالى، فإنه يرتكز على حقيقة الإنسان المخلوق، وهذا الوصف هو ذاته الذي يحقق معنى العبودية؛ فإذا تحقق الخلق، فلا يحتاج الأمر إلى مرحلة ثانية تتحقق فيها العبودية التكوينية، فالمخلوق معلق دوماً بخالقه، والموجود محتاج إلى موجده، بحيث يكون مُضطراً في بقائه إليه، وتلك العلقة الاضطرارية هي نفسها العبودية.

وتأتي من طبيعة هذه المقابلة العميقة حقيقة (الحاكمية) المطلقة لله سبحانه على البشر جميعاً، كما تتحقق طبيعة (المحكومية) الشاملة للإنسان، بحيث يفرض عليه العقل والضمير أن يخضع لله في كل شؤونه، وألا يعمل إلا بما يوحيه إليه سبحانه، ويلزمه في حقلي الدنيا والآخرة سواء بسواء، ذلك لأن مجرد تصور (المالكية الإلهية)، و(العبودية البشرية)، كاف لإيحاء فكرة العبادة والخضوع أمام الله تعالى، إذ الفكرة هذه ليست إلاّ تعبيراً عن تلك الحقيقة.

هذا الانسجام بين العبادة في التشريع والعبادة في التكوين، هو السبب الذي يجعل الإنسان في تكامله منسجماً مع كل الوجود، فإذا كان الإنسان في واقع كيانه عبداً لله، تكون الحرية حينئذ موهبة ومنّة إلهية، تفضّل الله بها على العباد.

وبهذا بدأنا نقترب من معرفة حكمة العبادة، فإذا بدأنا بالآية القرآنية: "وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ"، وجدنا أنها تشير للعبادة على مستوى التشريع وليس التكوين، وهي ترسم بذلك فلسفة خلق الإنسان وحِكمة وجوده. وإذا تمعنّا فيها، نجد أن هناك مقابلة بين كلمة الخلق وكلمة العبادة، فإذا عرفنا عمق معنى كلمة الخلق نعرف عمق معنى كلمة العبادة، وذلك لأن العبادة جاءت كنتيجة طبيعية لخلق الإنسان، فمتى ما كان هناك خلق، كانت هناك عبادة، فكأنها لازم ذاتي لا تنفك عن الخلق، ومن المعلوم أن كلمة الخلق لها معانٍ، فأي معنى من معاني الخلق يمكن أن يقابل مفهوم العبادة، أو يحقق مفهوم العبادة؟

هنالك ثلاثة معانٍ للخلق، وهي:

المعنى الأول: أن الخلق أمر واقعي ليس وهماً وخيالاً، بخلاف المدارس السفسطائية والمثالية التي شككت في حقيقته، فالموجود حقيقة متمثلة في الخارج، وأقرب طريق إلى معرفته هو التنبه إلى واقع وجوده، والاعتراف بأن للإنسان كياناً وحقيقة، وهو بداية تأسيس قيم حياتية تؤكد حق الإنسان في الوجود.

المعنى الثاني: أن كيان الإنسان ووجوده قائم بالله، مما يعني أن وجوده حقيقة طارئة، تحتاج دوماً في وجودها إلى الموجد، ونستفيد من هذا المعنى العبودية بالمعنى التكويني، بشكل أوضح من المعنى التشريعي.

المعنى الثالث: أن الإنسان ما دام مخلوقاً، فهو لا يزال ناقصاً، يعيش حالة من الضعف: "اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ" (الروم/ 54 )، والشعور بالضعف والفقر والحاجة، هو بداية السعي لإكمال النقص، لأن الذي خلقه من لا شيء، قادر على أن يزيده كمالاً، ويبارك له في قدراته: "وَاسْئَلُوا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللهَ كانَ بِكُلِّ شَيْ‏ءٍ عَلِيماً" (النساء/32 )، والطريق إلى إكمال النقص هو الرجوع إلى الله تعالى، والطلب منه والتقرب إليه سبحانه "وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ"(غافر/ 60 )، وهنا ربط واضح بين الدعاء والعبادة، وبين طلب الحاجة والاستجابة، والحاجة دليل النقص، والاستجابة إكمال للنقص. 

 وكل هذه المعاني تحقق مفهوم الخلق (وما خلقت)، فيمكن أن يقال: الخلق هو هذا الذي تراه ماثلاً أمامك، أو: الخلق هو الحقيقة التي تحتاج إلى خالق، أو: الخلق هو الناقص الذي بإمكانه أن يتكامل.

بعد أن نحقق هذه المعاني، نجد أن المعنى المقابل للعبادة هو المعنى الثالث، وهو أن الموجود قابل للنمو والتكامل، فتصبح حقيقة العبادة: تكامل الإنسان والعروج به في مدارج الكمال، فإذا كان الإنسان يمثل محور الخلق، وكان تكامل الخلق من أجل الإنسان، فلا بد أن يكون للإنسان تكامل خاص، وهذا سر دعاء الأنبياء والرسل للعبادة، لأنها الطريق الذي يحقق للإنسان تكامله، بعد ربطه بالله مصدر كل كمال.

فمعرفة الله سبحانه تعني معرفة الأسماء التي هي عناوين الكمال، فمن اسم (العليم) تتحقق قيمة (العلم)، ومن اسم (القدير)، تتحقق قيمة القدرة، ومن اسم (الرحيم)، تتحقق قيمة الرحمة، ومن اسم (الكريم)، تتحقق قيمة الكرم.. وهكذا، كما أن هذه الأسماء هي ذاتها الطريق الذي يحقق العبادة: "وَللهِ الأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها" (الاعراف/ 180).

وبذلك، تصبح غاية العبادة هي التكامل، الذي يسعى إليه الإنسان، فإذا كانت فلسفة الإسلام هي العبادة، وفلسفة العبادة هي التكامل، فتكون فلسفة الإسلام هي التكامل، وهنا تنسجم فلسفة الرسالة الداعية للعبادة مع فلسفة الخلق الداعية للتكامل؛ لأن العبادة هي التعبير الآخر عن التكامل.

وبهذا نكون قد رسمنا الخريطة العامة لفلسفة الدين والرسالة، فكل عقيدة يعتقد بها المسلم، أو كل حكم يتعبد به، أو كل شعيرة يتقرب بها، لا بد أن تكون موصلة لهذا التكامل، ودافعة لكل معوق للمسيرة، فكل مذهب يعتقد بما هو ليس بمحقق للكمال، لا يُعد تمثيلاً صادقاً للإسلام.


ارسل لصديق