دلالات من حياة الانسان الأول!
كتبه: الشيخ إبراهيم الميلاد
حرر في: 2016/08/14
القراءات: 612

الاختلاف في الأديان والمعتقدات والأفكار والمشاعر بين البشر ظاهرة واضحة المعالم في كل زمان ومكان وجيل، ولقد بدأت تلك الظاهرة منذ اللحظة الأولى التي وجد فيها أبو البشر (آدم)، و زوجه (حواء).

فعلى الرغم من أنهما كانا على دين سماوي واحد منذ أن خُلقا، حيث يمكن فهم ذلك بالنسبة لآدم، عليه السلام، من قوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...}، (سورة البقرة: 30)، وليس الخليفة إلا الانسان الكامل الذي لن يكون إلا نبياً أو وصي نبي، لعدم إمكان أن يتصف بوصف «الخليفة» على نحو الحقيقة غيره.

كما يمكن القطع الكامل بأن حواء، قد ولدت على الفطرة ولم تتردد في أن تأخذ معالم دينها من زوجها الذي كان نبياً يوحى إليه من السماء.

لكن اجتماعهما على دين واحد لا يعني أنهما شيء واحد فيما قد كانا عليه من تفكير و رؤى ومشاعر ومن ثم مواقف، فيما لا يكون ملزماً من الناحية الدينية. ولكنهما عاشا معا وأدى كل واحد منهما دوره المطلوب منه دينيا وحياتيا.

وبالرغم من قلة ما وصل إلينا عنهما من تفاصيل من خلال القرآن الكريم والروايات فيما يتصل بتفاصيل حياتهما، إلا أن ذلك كافٍ ليكشف لنا عن حقيقتين يمكن للأجيال أن يستفيدوا منهما في حياتهم المتجددة:

الحقيقة الأولى: إن الدين لا يمكن أن يقف عقبة أو حجر عثرة في أن يتعايش البشر فيما بينهم دينياً وهو الذي إنما انزل من السماء ليجمع القلوب وليوحد الصفوف ولينظم الحياة ويضمن القسمة العادلة بالحق للمصالح والفرص.

الحقيقة الثانية: إن تعدد البشر فيما هم عليه من انتماءات وحالات في الميول والأفكار والمشاعر لا يعني استحالة أن يندمجوا فيما بينهم ويتعايشوا على قواعد من الدين أو أنظمة اتفقوا عليها أو مصالح ومنافع يتطلعون لتحقيقها.

فالدين متى ما كان منسجما مع الفطرة كان أقوى عوامل التعايش والاندماج كما ان البعد الإنساني لدى البشر بطبعه يلتقي مع الدين تماما كما قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ}، (سورة الروم: 30).

وكما قال الإمام علي، عليه السلام، في وصيته الشهيرة إلى مالك الأشتر: «الناس صنفان: إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق». وهو أجمل و أدق تعبير عن ما أردناه من الكلام آنفا. فالحياة والاندماج والتعايش أنما يكون على احد هاتين القاعدتين: الإخوة في الدين أو الوحدة في الإنسانية وكل واحدة تكمّل الأخرى وتساندها وتفضي إليها.

 

 من يرفض التعايش؟!

ولكن الذي يلفت النظر ويستدعي التوقف في حياة الانسان الأول (آدم وحواء)، هو ما قد جرى بين ابنيهما؛ قابيل وهابيل، حيث أن الأول قتل الثاني بطريقة بشعة! في نزاع وقع بينهما وقد سجله القرآن الكريم، بشيء من الإسهاب، حتى قال تعالى في نهايته: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ}، (سورة المائدة: 30). وهي حادثة يستحضرها القرآن للأجيال لأهميتها فيما يمكن أن تكشفه من حقائق، وتشير إليه من دلائل مقابل ما قد كان عليه الانسان الأول (آدم وحواء)، من كمال وإيمان لتكتمل صورة المشهد، وما يمكن أن تكون عليه المسيرة البشرية في القادم من الأزمان والأجيال في طبيعتها واحتمالاتها.

فقصة ابني آدم كشفت، أن في النفس البشرية قوتين يمكن أن تكونا متعاكستين في الاتجاه:

الأولى: العقل، الذي فيه سمو النفس عن كل ما يمكن أن يشينها ويقف أو يعرقل رقيها.

والأخرى: النفس، وما يختلط بها من الهوى الذي ربما تحركت بعيدا عن هدي العقل، فتغرق صاحبه في دوامة من التيه والعمى والعنف.

فقابيل حيث اتبع هواه، فطوعت له نفسه قتل أخيه، فقتله بدم بارد، بينما هابيل الذي هُدّد بالقتل، وربما كان يعلم بجدية التهديد له، إلا انه استعصم وأظهر تمسكه بالعقل والدين بقوله: {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ}، (سورة المائدة: 28). أو ليس رأس الحكمة مخافة الله؟!

وهي حادثة لم تكن لتقع خارج ظروف ذاتية وموضوعية قد كانت.

حقائق مستخلصة من الإنسان الأول

وهكذا نستخلص من بعض جوانب قصة الانسان الأول على نحو الإجمال الحقائق التالية:

أولاً: إن ارتباط البشر بالدِّين بدأ منذ اللحظة الأولى لوجود البشر على ظهر هذا الكوكب، فهما قرينان، وفي ذلك دلالة على أبدية الدين في حياة الانسان، وان مسيرته في الحياة لن تكون مستقيمة إلا بالإيمان به، والتمحور حوله، فهو الذي يرسم معالم العقيدة وينظم الحياة. ومن هنا كان آدم أبو البشر أول الأنبياء وهو الذي حمل الوحي وبلغ الرسالة لأهله (زوجته) و أولاده وأحفاده وبه بدأت سلسلة الأنبياء حيث ختمت بأشرف الأنبياء وأعظمهم محمد، صلى الله عليه وآله.

ثانياً: إن اللبنة الأولى في الحياة الاجتماعية للبشر إنما تتشكل من خلال علاقة الرجل بالمرأة (الأسرة) التي تقوم على رابطة قوية (ميثاق غليظ / العقد)، ومن خلالها وضمنها يمكن أن تتوسع دائرة العلاقات وتتشعب لتصل الى أوسع الدوائر كالمجتمع والدولة والأمة. أما صمام الأمان لكل ذلك فليس هو إلا الدين والأخلاق.

ثالثاً: إن غياب احد الوازعين الديني أو العقلي من شأنه أن يدخل العلاقات والروابط في نفق مظلم ودوامة من النزاع والشقاق الذي قد يتطور لينتهي بأطرافه الى التقاتل والاحتراب وهو ما سيؤخر حركة التاريخ من أن تواكب مقتضيات الحياة ومتطلبات الزمان وفي ذلك خسارة لكل الأطراف.

رابعاً: إن دراسة الماضي والاعتبار به واستلهام الدروس البليغة منه له عظيم الدور في التعرف على سنن التقدم وعوامل الرقي وفي ذلك استحضار لأهم عناصر الإصلاح والنهضة.

خامساً: لا شيء يمكنه أن يدمر الحياة ويؤخر المجتمع والأمم كالعنف الدموي الذي عادة ما يبدأ بعنف كلامي يسبقه انحراف فكري مصحوبا بنفسية قلقة نزاعة للشر.

إن قصة الانسان الأول تحمل من الدلائل (الحقائق) التكوينية والدينية والتاريخية، الشيء الكثير مما يعد بحق من الأصول الفكرية التي متى ما أحاط العقل البشري بها علماً، ووعي أبعادها، استطاع أن يبني على هداها واقعاً يمكن أن يسوده الإيمان ويحكمه العقل وترفرف عليه مبادئ العدل والأمن والحريّة.

-------------

* عالم دين وكاتب من القطيف


ارسل لصديق