في ذكرى مولده المبارك ... ولاية العهد و هوية القائد الحقيقي
كتبه: ماجد ياسين عيسى
حرر في: 2016/11/14
القراءات: 533

{وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ}، (سورة الأنبياء: 73)

يقول الإمام علي بن موسى الرضا، عليه السَّلام: «إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَنِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَصَلَاحُ الدُّنْيَا وَعِزُّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّ الْإِمَامَةَ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي وَفَرْعُهُ السَّامِي، بِالْإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَتَوْفِيرُ الْفَيْ‏ءِ وَالصَّدَقَاتِ وَإِمْضَاءُ الْحُدُودِ وَالْأَحْكَامِ وَمَنْعُ الثُّغُورِ وَالْأَطْرَافِ»

العقيدة والقيادة والحكم؛ ثلاثة عوامل مهمة لبناء الانسان والأمم، وبها يتم تعمير البلاد، ويؤمّن رفاه العباد و رقيّهم، وإذا دار الأمر أحياناً بين تقديم العاملين الأولين أو تقديم العامل الثالث، فإن هذين العاملين مقدمان، لأنهما يشكلان أساس الحكومة، أما الحكومة فليس من شأنها أن تشكل أرضية يستند إليها المذهب أو القيادة، إنما جهة تنفيذية حسب التصنيف الحديث لمؤسسات الدولة.

وقد شاءت إرادة الله تعالى أن تكون هذه العوامل الثلاثة على طول التاريخ، والى يوم القيامة، متوفرة للمجتمعات الإنسانية، ولأجل هذا اصطفى الباري -عز وجل- الأربعة عشر معصوماً، عليهم السلام، ليقدموا للناس نموذج الحكم المتكامل بابعاده الانسانية والدينية، وقد حصل ذلك خلال عهد النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله، وعهد أمير المؤمنين، عليه السلام، كما سعى الى ذلك؛ الأئمة الاطهار من بعده، فبذلوا كل جهودهم، وقدموا التضحيات الجسام لتبين الحقائق كلها للمسلمين وللبشرية جمعاء، في مقدمتها؛ القيادة والعقيدة الصحيحة.

الى جانب هذا، ربى الأئمة، عليهم السلام، أبناءهم وشيعتهم السائرين على خطاهم، على هذه الثقافة الأصيلة، حيث تكون الموازين واضحة جليّة، والقيم والمبادئ مصونة أمام أي نوع من الانحراف والزلل؛ سواء من الحكام أو من المحكومين، وقد سجل التاريخ لهم مواقف بطولية متميزة في مختلف الأدوار، لذا ورد عَنْ زُرَارَةَ، عَنْ الإمام محمد بن علي الباقر، عليه السَّلام، أنهُ قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: عَلَى الصَّلَاةِ، وَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَالصَّوْمِ، وَالْوَلَايَةِ، قَالَ زُرَارَةُ: فَقُلْتُ: وأَيُّ شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: الْوَلَايَةُ أَفْضَلُ، لِأَنَّهَا مِفْتَاحُهُنَّ، وَالْوَالِي هُوَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِنَّ».

واقتضت حكمة الله تعالى أن لا تخلو الأرض من حجة على الناس، لإقامة الحكومة الإلهية على الناس كافة، ورد عن الإمام أمير المؤمنين، عليه السَّلام، في جوابه على سؤال عن استمرار الإمامة، قال: «اللَّهُمَّ بَلَى لَا تَخْلُو الْأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَّةٍ، إِمَّا ظَاهِراً مَشْهُوراً، وإِمَّا خَائِفاً مَغْمُوراً، لِئَلَّا تَبْطُلَ حُجَجُ اللَّهِ وبَيِّنَاتُهُ».

 

 رسم معالم القيادة

كانت نتائج الطريق الذي مضى عليه الامام الرضا، عليه السلام، وهو في خراسان، باهرة ومضيئة للتاريخ والمسلمين على مر الاجيال، لرسم معالم القيادة الرسالية الهادفة لنشر العلم والثقافة دون الحاجة الى سلطة القوة والقهر والتضليل.

وقد أسفر تخطيط الإمام هذا، عن ثمار شهده المجتمع الاسلامي آنذاك في خراسان، كما لمسته سائر المجتمعات في الامصار كافة، حيث تم التكشف عن الواقع السياسي المرير، وتعرية الحكم العباسي بعد إسقاط كل الاقنعة التي تستر بها وتقاطعت مع ثوابت الاسلام، وجانبت الشريعة الغراء، وابتعدت عن مصالح الامة في أثرة لا مثيل لها، مما أوجد نموذجاً يقترب الى النموذج الجاهلي ويبتعد عن النموذج الحضاري الاسلامي.

وجاءت موافقة الإمام الرضا، عليه السلام، على اقتراح المأمون عليه بولاية العهد، في ظل التهديد العلني بالموت، بيد أن هذه الموافقة لم تأخذ طابع الضعف والتراجع قطعاً، إنما اخترقت الارادة السلطوية للمأمون بشرط اساسي، وهو أن «لا يعين ولا يعزل»، فوافق الاخير، بمعنى أنه، عليه السلام، أغلق الطرق كلها بوجه كل من تسول له نفسه الاستفادة من وجود الامام في البلاط، لتحقيق مصالحه السياسية، والتي تكون لها آثار سيئة وخطيرة على مستقبل الأمة والدين الإسلامي، فالإمام، عليه السلام، لم يبق ذلك الإجبار طي الكتمان، فأعلن انه لن يقبل ولاية العهد مختاراً وإنما قبلها بعد إكراه وتهديد. وقد عرّف المأمون بنواياه الحقيقية عندما قال له، عليه السلام:

«...تريد أن يقول الناس إن علي بن موسى لن يزهد في الدنيا بل الدنيا زهدت به، ألا ترون كيف قبل ولاية العهد طمعا في الدنيا و طمعا في الخلافة».

وكون أن الإمام العالم العارف بجميع الظروف الموضوعية لا يحتاج إلى غيره لكي يحدد له مسارات تحركه وبنود أعماله، فالظرف التاريخي وما يحيط به من ملابسات، وما يتعلق به من أحداث قريبة أو بعيدة، كانت تشكل الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي آنذاك، لذا فان قبوله بولاية العهد او رفضها، لم يكن من منطلق حفظ النفس من القتل فقط، وإنما التطلع الى الفوائد المترتبة على هذا العمل، باستمرارية الرسالة المحمدية وبقائها نقية بيضاء من كل دنس، وهذا ما كان يتطلع إليه الإمام الرضا، سلام الله عليه، عند موافقته على عرض المأمون، فكيف به والحال انه أجبر على الموافقة، وهناك نفوس بريئة - من العلويين أو غيرهم - يراد حفظ دمائها والمحافظة عليها؟

جاء في التاريخ أن الإمام الرضا، عليه السلام، رفض التعاون مع جماعة داخل البلاط أرادت اغتيال المأمون، وضيع فرصة ذهبية عليهم، بحجة إعادة الخلافة المغتصبة، وهذا دليل آخر على بعد نظر الإمام، عليه السلام، ربما كان هناك ما يخشاه على الإسلام واستمرارية رسالة السماء، وربما جاء تجاهله للمحاولة الانقلابية، وجود أعداء داخل الحكم العباسي ينوون شراً بالإسلام، أمثال الفضل والحسن بن سهل، اللذين كانا يضمران للإسلام وأهل البييت، عليهم السلام، كل الحقد والكراهية، وهناك دلائل تاريخية تشير إلى أن هؤلاء كانت لهم خطة لتصفية الإمام والمأمون معاً، والاستحواذ على الحكم.

 

 كيف تعامل الإمام مع منصبه؟

شهدت حقبة المأمون تسلل مختلف الافكار والعقائد المنحرفة عن طريق الرسالة، فظهر الزنادقة وأهل الجدل والتشكيك في أوساط الأمة، وتوغلوا في مختلف المحافل العلمية، الامر الذي استدعى التصدّي لهم بقوة، وهذا لا يكون إلا بقوة علمية بتسديد إلهي متجسدة بالامام الرضا، عليه السلام، بمعنى أن ولاية العهد كانت خير فرصة لمواجهة هذا المد وتفنيد كل افكاره وطروحاته، ولعل هذا يفسر كثافة ما ورد عنه، عليه السلام، في الحقبة التي كان فيها ولياً للعهد، ولو ليس كاملاً، وما نقله لنا التأريخ من تلك الحقبة تحديدا، جزء يسير مما قيل وحصل، ومنها المناظرة المعروفة مع زعماء الاديان والمذاهب في قصر المأمون.

ورب سائل يتحدث عن مسألة شرعية بحرمة التعاون مع حكام الجور والظلم، وهذا صحيح بـ «العنوان الأولي»، كما هو المصطلح العلمي في الفقه، ولكنه في «العنوان الثانوي» يكون مستحبا في بعض الموارد، وواجباً في موارد أخرى، كأن يتوقف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على قبول منصب من طرف الظالم، فحينئذ يكون القبول ملزماً، أو تكون هناك أهمية تفوق مسألة عدم التعاون كأن يحمي نفسه واتباعه في حقبة من الزمن لحين تمكنه من تقوية نفسه والاستعداد لخطوة جديدة، أو يتعاون لحين الانتهاء من دفع خطر أعظم متوجه نحو الإسلام والمسلمين، وكل هذه الأمور منوط تشخيصها بالإمام المعصوم؛ فهو الوحيد القادر على تشخيص الحكم وتعيينه، لحكمة معينة، او لظروف خاصة يراها مقدمة على غيرها، وهذا ما نراه جلياً من رسالة الإمام الكاظم، عليه السلام، لعلي بن يقطين عندما طلب منه البقاء في منصبه في عهد هارون «الرشيد» حيث قال له: «عسى أن يجبر الله بك كسرا ويكسر بك نائرة المخالفين من أوليائه»، واليوم فان مسألة التعاون مع الظلمة منوط بشورى الفقهاء باعتبارها الجهة الشرعية الوحيدة التي تستطيع تشخيص الحكم وتحديد الأولويات وتقديم الأهم على المهم، وخصوصاً في وقتنا هذا.

من هنا؛ فان الإمام، عليه السلام، عندما أكره على قبول ولاية العهد، أراد الحصول على اكبر قدر ممكن من الفوائد والمكاسب للاسلام والمسلمين، مع علمه بأنه سيُستشهد بعد مدة قصيرة، ومن المعلوم أن الحفاظ على النفس ولو لساعات قليلة افضل من إلقائها في التهلكة، وخصوصا أن الظروف التي كان يعيشها الإمام الرضا، عليه السلام، هي غير الظروف التي عاشها الإمام الحسين، عليه السلام، والتي كانت تتطلب إراقة دمائه الزكية لإحداث هزة عنيفة في نفوس المسلمين، ولو فعل الإمام الرضا ذلك في ظروفه تلك لضاع دمه ولما حصلت فائدة تذكر من حياته الشريفة.

وهذا ما لم يفهمه البعض من السطحيين في التفكير، فقال أحدهم للإمام: «أصلحك الله يا بن رسول الله! كيف يرد اسمك مع أسماء هؤلاء وقد رفض آباؤك من قبل مثل هذا؟! فقال، عليه السلام: «قد علم الله كراهتي لذلك فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل، اخترت القبول على القتل، ويحهم أما علموا أن يوسف، عليه السلام، كان نبياً رسولا، فلما دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز قال له: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ}، ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه و إجبار، بعد الإشراف على الهلاك، على أني ما دخلت في هذا الأمر، إلا دخول خارج منه. فإلى الله المشتكى، وهو المستعان...».

وهذا الاستدلال المختصر، ربما يكون خير جواب على أولئك الذين يرون في قبول ولاية العهد من قبل الإمام الرضا، عليه السلام، بابا واسعا لهم للتعاون المطلق وغير المشروط مع حكام الجور والظلمة وذريعة يتشبثون بها عند كل ملمة تواجههم، على أن الإمام الرضا، عليه السلام، سبقهم في القبول بالحكم والسلطة، كما يحلو للبعض إطلاق صفة «السلطان» على الإمام الرضا، في حين هو، عليه السلام، وسائر الأئمة المعصومين، عليهم السلام، يصرحون ويؤكدون أنهم في غنى عن هذه الالقاب الزائفة والزائلة.

 

 كيف يكون القائد الصالح؟

قبل ان ينجح الامام الرضا، عليه السلام، في تجربته السياسية، كان النموذج الأسمى للقائد المحنّك والمصلح الرائد والمنقذ المنتظر، فوهب حياته ما يضيء للأمة فكراً وثقافة ووعياً، واحتاط لنفسه ودينه وأمته احتياط اليقظ الحذر، وسعی إلی الإنقاذ ما استطاع إلی ذلك سبيلا، فكان الفرد الأكمل في خضم الحياة السياسية، وكان النموذج الأرقی للعطاء الديني المتقدم، وكان الصخرة التي يتحطم عليها قصف المؤامرات، والهواء الطلق الذي يلجأ الناس إليه من خطر العواصف من شتى الاصناف.

عُرف، عليه السلام، بملازمة كتاب الله، وكان دائم التهجّد والدعاء، على سيرة آبائه الكرام، و رغم وفرة الأموال التي كانت تحت يده، فقد جسّد في حياته العامة، والخاصة المثال الأعلى والنموذج الفريد في الزهد، والتواضع والإخلاص، كما كان يشارك الضعفاء والمساكين طعامهم، ويقيم لهم الموائد ويعطف على الفقراء، وإضافة إلى ذلك كان مفزعاً يأوي إليه العلماء، وملجأ يقصده رواد العلم، والمعرفة، وحصناً يردّ عن الدين شبهات الزنادقة، وأباطيل الغلاة كما كانت له مناظرات، ومحاورات مع علماء الفقه والكلام تركت أثراً طيباً في تدعيم الدين، وتثبيت قواعد الشريعة وأصول التوحيد.


ارسل لصديق