اختلاف أمتي رحمة؟!
كتبه: الشيخ علي الخزاعي
حرر في: 2016/08/14
القراءات: 709

جَاَءَ في حديث عن النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله: «اخْتِلَافُ‏ أُمَّتِي‏ رَحْمَةٌ»، هذا الحديث المعروف في أوساطنا بحاجةٍ الى أن نسلط الضوء عليه ليتسنّى لنا فهم ما يُراد منه، لورود أكثر من مفهوم خاطئ وقع فيه البعض من تفسير ليس في محله، لذا قيل فيما يُقصد به:

أولاً: ما نعيشهُ حالياً من تناحر وتفرّق بين المسلمين، حتى وصل بهم إلى سوء الحال من سفك الدماء فيما بينهم سواءٌ على الصعيد الديني أو السياسي، يستدعي أن يأخذ «الاختلاف» معنى سلبياً بالضرورة، عند ذلك يستوجب أن تستبدل كلمة «رحمة» بنقيضها؛ «عذاب»! لأنَّ الاختلاف والتمزق لن يستجلب الرحمة - منطقياً- بينما من علامات الإيمان؛ وحدة كلمة المسلمين على الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونصرة المظلوم مسلما كان  أو غير مسلم، إذ جَاَءَ في محكم كتابه الحكيم: {وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}، (سورة آل عمران: 103)، أي؛ أمرهم بالوحدة فقال ﴿وَلاَ تَفَرَّقُواْ، فالإسلام يقوم على توحيد المجتمع وتوثيق روابط الأخوة الإيمانية؛ ﴿أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ، أي؛ يجمعكم على الإسلام ويرفع البغضاء من قلوبكم. وفي مكان آخر يقول عز وجل: {وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، (سورة الأنفال: 46)، ومعنى ﴿وَلاَ تَنَازَعُواْ، أي؛ لا تختلفوا ﴿فَتَفْشَلُواْ وتُصَابُوا بالضعف والفزع ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ، أي؛ تذهب عزتكم ودولتكم وغلبتكم، كما ذكر عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: «مَثلُ الْمُؤْمِنِين فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ كَمَثلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى بَعْضُهُ تَدَاعَى سَائِرُهُ باِلسَّهَرِ وَالْحُمّى»، أي، يستوجب على جميع المسلمين أن يكونوا في كلمة سواء بينهم بتراحمهم وتوادهم، كما وأن أحدهم يحس بالآخر كالجسد الواحد، لو أصيب عضوٌ منه بوعكة صحية يتألم جميع الجسد بسبب هذا العضو المصاب، كما وأن المؤمن مرآة المؤمن.

ثانياً: ما جاء في اختلاف رأي العلماء بالفتوى، في حديث الإمام الصادق، عليه السلام، في المراد من مضمون هذا الحديث النبوي، فقد روى الصدوق في (علل الشرائع، ج1: 85) بسنده عن عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَاري قَالَ: «قُلْتُ لِأبي عَبْدِ اللهِ، عليه السلام، إِنَّ قَوْماً يَرْوُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ، صلى الله عليه وآله، قَال: [اخْتِلَافُ‏ أُمَّتِي‏ رَحْمَة] فَقَالَ: [صَدَقٌوا] فَقُلْتُ إِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ رَحْمَة ً فَاجْتِمَاعُهُمْ عَذَابٌ قَالَ: [لَيْسَ حَيْثُ تَذْهَبُ إنَّمَا أَرَادَ قَوْلَ اللهِ، عزَّ وجَلَ: {...فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ}، (سورة التوبة: 122)، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْفِرُوا إِلَى رَسُولِ الله ، صلى الله عليه وآله، فَيَتَعَلَّمُوا ثُمَّ يَرْجِعوا إلَى قَوْمِهمْ فَيُعَلِّمُوهُمْ إنَّمَا أَرَادَ اخْتِلَافَهُمْ مِنَ الْبُلْدَانِ لَا اخْتِلَافاً فِي دِينِ اللهِ إِنَّمَا الدِّينُ وَاحِدٌ إِنَّمَا الدِّينُ وَاحِدٌ». فالمراد بالاختلاف في الحديث النبوي المذكور هو الذهاب والمجيء إلى حلقات العلم كما في قوله تعالى من معنى الاختلاف أي؛ الذهاب والمجيء، والأنسب بهذا المعنى أن يكون الضمير في قوله ﴿رَجَعُواْ للطائفة المتفقهين، وفي قوله: ﴿إِلَيْهِمْ لقومهم، والمراد إذا رجع هؤلاء المتفقهون إلى قومهم، ويمكن العكس بأن يكون المعنى: إذا رجع قومهم من الجهاد إلى هؤلاء الطائفة بعد تفقههم ورجوعهم إلى أوطانهم.

انطلاقاً من هذه الأدلة، يظهر الابتعاد الكبير عن المعنى الحقيقي للحديث النبوي الشريف، على أن الاختلاف بين علماء المسلمين، وبين أبناء الأمة، هو رحمة، بينما الإسلام كله واحد تحت رسالة موحدة لا اختلاف فيها.

ورد عن زرارة قال: سألتُ أبا عبد الله، عليه السلام، في الحلال والحرام فقال: «حَلَالُ مُحَمَّدٍ حَلَالٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَحَرَامُهُ حَرَامٌ أَبَداً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا يَكُونُ غَيْرُهُ وَلَا يَجِيءُ غَيْرُهُ». كما في آية ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ، من سورة التوبة التي بينها العلامة السيد الطباطبائي - قدس سره-: ذكر بأن هذه الآية، ما يفرض على الناس أن يلازم بعضهم البيضة (بيضة الاسلام) للتفقه في الدين ثم تبليغه إلى قومهم إذا رجعوا إليهم.

ومن هنا يظهر أن المراد بالتفقّه؛ تفهم جميع المعارف الدينية من أصول وفروع، لا خصوص الأحكام العملية، وهو الفقه المصطلح عليه عند المتشرعة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ فإن ذلك أمر إنما يتم بالتفقه في جميع الدين وهو ظاهر.


ارسل لصديق