النظرية الثقافية بين المثال والواقع
كتبه: علي عبد الحسين
حرر في: 2012/09/26
القراءات: 1143

عندما نريد وضع نظرية ما، في حقل من حقول الحياة، فنحن بين طريقتين أو صورتين: فإما أن نتخذ صورة التنظير النظري، وإما أن نتحلّى بالتنظير التطبيقي.

التنظير النظري سهلٌ وبسيط، يضع الحلّ من وراء الطاولة والمكتب، بعيداً عن تعقيدات الواقع وصعوبة التطبيق، فهو يُنشئ نظريات مثالية تشهق وتموت فور وصولها أرض الواقع ومرحلة التطبيق.

أما التنظير التطبيقي المعتمد على الاستقراء والمسح وغيرهما من آليات التحقق من الواقع، فإنّه يتعرّف على المشكلة ونتائجها وحلولها و…، ومن ثمّ يضمن النجاح الميداني، ويشكّل الثقافة الحية المتحرّكة والمتفاعلة مع الواقع ومتطلباته.

الثقافة الحيّة؛ ثقافة حياتية تنبسط على شتى مجالات الحياة، وتلازم حاملها في نومه ويقظته، وحركاته وسكناته، ولبسه، وأكله و…، وليست معتمدة على الفكر النظري وحده.

ألّف أفلاطون كتابه "الجمهورية"، وتمثّل فيه مجتمعاً مثالياً يسوده العدل، ويخلو من الشوائب، وأخذ ينظِّر له، لكنّ في آخر حياته عدل عن نشدان "جنة الفردوس" في الدنيا، فألف "الشرائع" الذي تخلّى فيه عن مثاليات "الجمهورية".

أما "المدينة الفاضلة" للفارابي، فهي التي يعشقها كلّ مُحب للأخلاق والإنسانية، وعندما يقرؤها يتلهّف للوصول إلى مكان وجودها، وتصدر أنفاسه، زفرات الحسرة والحنين ترقباً لها وتطلعاً، لكن لا يكاد ينتهي من قراءتها حتى يدرك أنهّا ضرب من المثالية، لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع، إذ ما أسهل الكلام، وما أصعب العمل والتطبيق.

وقد تنبّأت "الشيوعية" بزوال "الرأسمالية" وانقراضها، وسير البشر نحو مجتمع يتساوى فيه الجميع، يخلو من الطبقية، ولا يحتاج إلى نظام دولة، لأنّ العدل فيه قد تجسّد، والرخاء قد ضرب بأطنابه عليه، وأظله في كنفه..!

لكنّها تراجعت فيما الرأسمالية قائمة، ولم تستطع حفظ الحياة لنفسها، في أكبر دولة بالعالم تبنّت هذه النظرية، إذ لم تدم أكثر من نيِّف وسبعين عاماً (1917م - 1990م)، ثم شهد العالم تفسّخ إمبراطوريتها العظمى متمثلة بما كان يسمى بـ(الاتحاد السوفيتي)، وتهاوي كيانات دول المنظومة الشرقية الواحدة بعد الأخرى.

وحينما يكتب كثير من الإسلاميين عن المجتمع، فإنهّم يستمدون صورته من المجتمع المثالي، والمجتمع النموذج، (ما ينبغي أن يكون)، الخالي من كلّ وهن وعيب، لا من المجتمع الموجود أمامهم أي (ما هو كائن).

إنهّم ينظرون إلى المجتمع - الطموح، وليس المجتمع - الواقع، لذلك تغدو كثيراً من اطروحاتهم نجوماً لامعة في الليل الداجي، تداعب النفوس المتطلعة، و تسكّن المشاعر الهائجة، لكن لا تكاد تظهر الشمس لتكشف الواقع على حقيقته: ببياضه وسواده، بإشراقه وبؤسه، حتى تلملم أذيالها، و تفرّ هاربة لتتركنا نعايشه ونصارعه كما هو بعيداً عن التصنّع وعمليات التجميل، ولندرك أنّ تلك التشخيصات والحلول لم تكن لهذا الواقع، بل كانت لشيء آخر.

ولنا في تجربة الرسول الاكرم مع المشركين والجاهليين في عصره، حيث اشترطوا عليه للإيمان برسالته، شروطاً تعجيزية: "وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا  * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا" (سورة الإسراء /90 -93).

 لكن أمام هذه المثاليات يأتي الجواب صريحاً ومستمداً من الواقع:

أ ـ فالنبي صلى الله عليه وآله يعترف أنّه بشر: "قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا". وليست في هذا مشكلة، بل هو ألزمّ للحجة، لأنّه منهم، وهم مثله، فهم بذلك يستطيعون تنفيذ التشريعات وهم قادرون عليها، ولكن المشكلة أنهّم يريدون (خارقاً) حتى يتّبعوه، لا شخصاً من جنسهم، وتشمله نظم التكوين؛ يأكل، ويشرب، ويمشي في الأسواق، ويموت… "وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا: أبعث الله بشراً رسولاً"؟!.

ب ـ وإذا انطبق هذا على عالم البشر، فالله سبحانه يخبرنا أنّه سنّة شاملة، تنطبق بذات الصرامة على غير البشر، فـ "قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ.." ، هل سيبعث الله لهم رسولاً من البشر؟! كلا، بل "لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا" (سورة الإسراء /95) ، لإنّه من طبيعتهم، وملك مثلهم.

ومن المؤسف حقاً أن لا تهتم مجتمعاتنا، ولا تعطي مكانة للاستقراء الميداني، وعمليات المسح والإحصاء، والتجربة والآليات الميدانية المباشرة الأخرى، فتناقش الأمور ضمن تصورات ذهنية، لا تستمدّ شريان حياتها من الواقع، ولا تنتزع مصداقيتها منه، و تكتفي بالتخرّصات، أو الملاحظة الذاتية، مع ما تحويه في أكثر الأحيان من وجهات نظر شخصية لا تمتّ إلى الواقع الموضوعي بصلة.

وبذلك يكون "التعميم الذي يصل إليه الباحث، قد لا يكون تعميماً سليماً، بل متسرعاً أو ذاتياً ناتجاً من آراء مسبقة اتخذها الباحث عن ضالته قبل أن يبدأ بدراستها..".


ارسل لصديق