لا نحل مشاكلنا بدعوات الإصلاح السطحية
كتبه: بشير عباس
حرر في: 2016/09/15
القراءات: 374

لماذا فشلت كل دعوات وحركات الاصلاح في الجزيرة العربية قبل ظهور الاسلام؟

فقد شهدت الجزيرة العربية الكثير من قيم الرسالات الالهية، فكان فيها من يمثل الحنيفية الابراهيمية، وكان فيها ممن يدعو الى رسالة النبي موسى، عليه السلام، وفيها من يمثل النبي عيسى، عليه السلام، من أوصيائه، وكانت لديهم الشعائر الدينية السامية، كالحج الى بيت الله الحرام، والاهتمام بالحُرمات، لاسيما الاشهر الحُرم؛ مع كل ذلك فشلت دعوات الاصلاح وتلاشت، وكانت العرب في مسيرة تسافلية؛ كل يوم من سيئ الى أسوأ، حتى كادت العرب أن تباد.

ثم جاء الاسلام، وظهر نوره، بشخص الرسول الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله، مبعوثاً رحمة للعالمين، فحدث التحول الكبير والشامل، ولم يحول سكان الجزيرة العربية من حالة الفساد الى حالة الصلاح وحسب، وإنما ايضاً حولهم الى كتلة ايمانية عظيمة ومترامية، استطاعوا ان ينشروا راية الدين في ربوع الارض، وان ينشروا راية العدالة، وراية السلام وراية التقدم والتكامل خلال فترة وجيزة. فما هو سر نجاح الاسلام حينها؟

إنما نطرح هذا السؤال، لأننا ابتلينا اليوم بما يشبه ذلك، فنحن ايضاً نجد في الامة وبلادنا، ومنذ فترة طويلة، وربما منذ مئة عام، دعوات وحركات الاصلاح، من اتجاهات مختلفة، ولكن مع كل ذلك لا نجد تلك النتائج الباهرة المرجوة.

السبب في ذلك؛ ان الاسلام والقرآن الذي هو جوهر الاسلام وكلمات وسيرة النبي، صلى الله عليه وآله، وكلمات وسيرة الوصي والائمة جميعاً، عليهم السلام، كل ذلك صاغ حركة اصلاحية جذرية في الامة، فلم يكونوا يبحثون عن المشاكل السطحية، إنما كانوا يقتلعون جذور الفساد وليس جوانبه وأعراضه السطحية الظاهرية.

 

 معالجة جذور المشكلة؛ الرشوة مثالاً

لنأتي بمثال على ذلك؛ «الرشوة»، وهي عمل يمارسه البعض منذ القِدم وحتى اليوم، فجاء الإسلام وحرم الرشوة، كما أن الحركات الاصلاحية في العالم جميعاً تحرم الرشوة، بل ظهرت هنالك منظمات دولية ضد الفساد الاداري والمالي، أو ما يسمى بالشفافية، ولكن؛ دون جدوى! في حين كان المسلم - في عهد النبي الأكرم أي منذ اكثر من اربعة عشر قرناً - عندما يكَلَف من قبل النبي، صلى الله عليه وآله، بأي عمل، كان هو اول من يمتنع عن اخذ رشوة بل كان يحرمها ويخبر بحصولها، من أي أحد او جهة كانت، وذلك لأنه، صلى الله عليه وآله، حينما حدثهم عن الرشوة وحرمها وحذرهم منها، وهكذا سائر ابواب الفساد والانحراف، جعل من نفوسهم نفوساً غنية ونزيهة وكريمة، بينما تجد اليوم، كل الالسن ووسائل الاعلام تتحدث عن الفساد المالي والاداري.

ومع ذلك الظاهرة السلبية سائدة، لأن النفس مصابة بأمراض الخسّة والطمع والدناءة، فالذي يمد يده الى اموال الناس، ويأخذ الرشوة، ويساعد على إشاعة الفساد، ويخرب النظام والقانون في الدولة، لديه مشاكل نفسية في مقدمتها حب الدنيا وملذاتها، وهو بالتحديد ما حاربه الاسلام ودلّ على الطريق للتخلّص منه، بمعنى أنه دلّ الانسان على الحل الجذري للقضاء على الفساد.

والآلية في ذلك؛ نجدها في العديد من الآيات المباركة والاحاديث الشريفة؛ التي تعد أكل أموال اليتامى ظلماً والمال السحت والتطفيف وغيرها من اشكال استحصال المال الحرام، كلها تمثل ناراً ملتهبة في بطن ذلك الانسان، تبقى معه الى يوم القيامة وتسحبه الى نار جهنم، لذا نجد في الوقت ذاته، حوافز الاخلاق والفضيلة وتقوى الله، مما يدفع الانسان المسلم الى المزيد من تهذيب نفسه وتدريبها على التقوى والورع عن محارم الله.

وهكذا الحال بالنسبة لسائر الاحكام التي تربي المجتمع والامة على الالتزام بالقيم والتعاليم التي فيها حياتها الكريمة والسعيدة، مثل الفرار من المعركة، فالإسلام لا ينهى عن الانسحاب من مواقع القتال امام العدو، لان النهي هنا فيه تعويم، إنما يحدد الموقف من الهروب والانسحاب بأنه «من الكبائر» التي تجر الى نار جهنم، بالمقابل يبين منزلة المجاهدين والمضحين بأنفسهم في سبيل الله، في دار الدنيا وفي الآخرة، ويعلن بوضوح - في القرآن - أنهم ليسوا بأموات، إنما أحياء عند ربهم يرزقون.

وهكذا يضخّ الاسلام روح الشهادة والتضحية والعطاء في النفوس، بحيث لا يعود يفكر الانسان المجاهد، بمنصب او مكسب دنيوي، فهو يذهب الى جبهات القتال ليس طلباً للنصر فقط، بل قبل ذلك وبعده، يحمل ثقافة وروح طلب الشهادة، ومن هنا نفهم كيف أن سبعين جرحاً كانت على جسد امير المؤمنين، عليه السلام، في معركة أحد، وعندما زاره النبي، صلى الله عليه وآله، قال له: «صبراً يا علي، فيرد عليه قائلاً: يا رسول الله! هذا موضع الشكر وليس موضع الصبر»، فهذا مثال البصيرة والثقافة الرسالية، والقدوة الحسنة لمن يريد الجهاد الحقيقي وتحقيق النصر وصناعة الحضارة.

 

 لنحذر من التجارب الفاشلة

في العراق اليوم هنالك هبّة جماهرية ونخبوية، ولا ريب؛ أن كل انسان في العراق اليوم يتطلع بأن يجد طريقا الى الصلاح والاصلاح، وانا أقول: حذاري؛ حذاري من ان نستمر في الغفلة ونكتفي بالجوانب السطحية من الاصلاح، ولا نتعمق في المعالجة، ولا نكتشف الاصول والجذور فيما نعاني منه من فساد وهدر وتضييع للفرص والوقت والطاقات والثروات، علينا أن نعرف أن تلك الثقافة التي تربي البعض عليها مثل؛ حب الذات، والجشع والطمع، واللامبالاة بالحلال والحرام، واللامبالاة بمعاناة الناس، وغيرها، يجب ان نحاربها ونقتلع جذورها، ونزرع ثقافة اخرى مغايرة تماما، وهي؛ ثقافة الايمان والتقوى، وحب الآخرين، والعطاء، والتضحية، والشجاعة، والتعاون والتكامل. لا ثقافة العصبية والحزبية والفئوية والانانية.

ورغم كل ما يحيط بنا من صعوبات وتحديات، إلا إننا متفائلون بمستقبل العراق والشعب العراقي، وهذا يستدعي العمل على اعتماد برنامج تغييري شامل وجذري في الأمة وعلى كافة المستويات، وعلى ضوء هذا البرنامج تكون هنالك تغيرات جذرية في البناء الثقافي للشعب العراقي من خلال النظر في عمل وزارة التربية، و وزارة التعليم العالي، و وزارة الثقافة، فهنا يكون المنطلق في الاصلاح السليم، وهذا يحتاج الى دراسة وجهد مخلص وجدّي من قبل كل المعنيين.

وربما يحصل أن يتحدث البعض عن تصوراته واعتقاداته بشأن التجارب الاصلاحية، وما يعدونه الحل والبديل لمشاكل العراق، ومنها ما يدعي البعض بـ «المدنية» او الدولة المدنية، غافلين عن العراق جرّب هذه الدولة طيلة المائة عام الماضية، وإلا ما هي هوية الانظمة التي حكمت العراق بعد الاحتلال البريطاني، من الملكية ومن بعدها الجمهورية، بمختلف الوجوه الديكتاتورية...؟ فكل الذين جاؤوا بالشعارات القومية والديمقراطية والوطنية وغيرها، كلها كانت تستند بالنهاية الى نظرية «الدولة المدنية»، فما الذي قدموه للعراق؟

من هنا نسأل الداعين الى «الدولة المدنية» طيلة العشر سنوات الماضية، هل كتب احدكم كتاباً حول «الدستور المدني»، ولماذا وضعتم الدستور وراء ظهوركم وتركتموه وسلطتم الضوء على هذه الفكرة؟ كان الأجدر مناقشة الفكرة مع العلماء والخبراء في البلد، بدلاً من عقد المؤتمرات والندوات وإطلاق الشعارات الرنانة لجذب الرأي العام، الى جانب التعويل على اطراف خارجية مشبوهة، فهذا دليل على الخوف من العراق وأرضه، فمن يخاف لا يعمل، إنما يعمل على الاستقواء بالأجنبي من اجل الحصول على كرسي الحكم، كما فعل صدام وأمثاله.

وفي العراق اقول لبعض ابناء الشعب العراقي الذي يتصور أنه بترك البلد واللجوء الى البلاد الاخرى يحل مشاكله؛ لا جنّة في الغرب، إنما الجنة يجب أن تصنعوها انتم في بلدكم، وفي عراقكم، ولا يمكن حل المشاكل والازمات والمعاناة بالهروب منها، بل بتحمل ابناء البلد جميعا المسؤولية، فلا تتركوا بلدكم وكونوا شجعاناً ابطالا على قدر المسؤولية وتعاونوا وفكروا واعملوا وابنوا هذا البلد، وشخصوا واعرفوا اين الداء ثم عالجوه، فالعراق يحتاج الى حلول جذرية، لا ترقيعية، فترميم الجدار او البناء المتهالك لا يسفر إلا عن سقوط هذا البناء.

والحلول الجذرية لا تأتي إلا من الثقافة الصحيحة، والتنظيم الصحيح، والادارة الصحيحة، ومن ثم بتوعية الجماهير على يد المثقفين والعلماء والخطباء الذين يعكسون منهج النبي الأكرم وأهل بيته، صلوات الله عليهم أجمعين.


ارسل لصديق