(الفكر الاسلامي .. مواجهة حضارية)
المعرفة بين الاسلام والتصورات البشرية
كتبه: حسن الحسني
حرر في: 2012/09/26
القراءات: 801

لا نبالغ اذا قلنا ان كتاب (الفكر الاسلامي .. مواجهة حضارية) هو من الكتب المخضرمة التي تجاوزت الزمن وارتقت سلّم التحديات في الساحة الفكرية والعقائدية.

فبعد مرور اكثر من اربعة عقود، ما زال هذا الكتاب تتناقله المكتبات ورجال البحث، ومازالت المطابع تواصل طبعاتها المتكررة نتيجة الاقبال الواسع عليه، لا سيما في الآونة الاخيرة اثر اندلاع انتفاضات الشعوب الاسلامية، وما سُميت بـ "الربيع العربي"، كما ذكر مركز العصر للثقافة والنشر ذلك، وهو يبادر بطبعة هذا الكتاب للمرة العاشرة.

 ولو تناولنا مقدمة الطبعة الرابعة لهذا الكتاب، والتي خطها المؤلف سماحة السيد المرجع المدرسي، بأنامله، نرى فيها ان سماحته وبعد خمسة عشر عاما من تأليفه هذا الكتاب، يثير قضايا هامة تستدعي التأمل ، فيقول سماحته : "بالرغم من ان العقيدة الاسلامية هي التي تتحدى ضغط الشهوات والاهواء، وسلبيات المجتمع الفاسد، وهي التي تتفرع عنها العبادات والاخلاق، الا ان مشكلة البشر فيها ليست عقلية، اذ انها من ضرورات العقل التي فطر الله الناس جميعا عليها، بل هي مشكلة نفسية نابعة عن ضعف الارادة امام تحديات المجتمع وضغوط الشهوة " ثم يعلل سماحته ذلك بالقول : "المجتمع الذي تحيط به اجهزة الطاغوت الارهابية، كيف يمكن ان يعبد الله وحده دون ان يتسلح بارادة يقهر بها ضعفه البشري؟ والشاب الذي تعصف به رياح الشهوة العاتية، كيف يتحدى اغراء الحياة، ويعبد الله وحده دون ارادة قاهرة؟ وهكذا الفرد المليء بالعقد، لا يمكنه فهم الحياة بفطرته الطاهرة دون خرق حجاب العقد بعزم ايماني راسخ".

ويستند سماحته الى هذه الحقيقة مشيرا الى ان الاحاديث الشريفة التي تؤكد ان الايمان روح، وتبين ان الايمان عمل، وان على كل جارحة مسؤولية ايمانية خاصة بها، كما جاء في الحديث المروي عن الامام الصادق (ع)، والذي قال فيه : " الايمان عمل كله، والقول بعض ذلك العمل بفرضٍ من الله بين في كتابه واضح نوره ثابتة حجته يشهد له به الكتاب ويدعوه اليه". (1)

وهنا ينبري سماحته لينتقد اسلوب البحث في كتابه من خلال هذه الرؤية بالقول : "ومن هنا يبدو لي ان المنهج الالهي في تذكرة الناس بربهم واعدادهم لاستقبال روح الايمان، والبدء بالعمل بمسؤولياته يختلف عن منهج دراسة العقائد في كتب الكلام، او بالاسلوب المتبع مثلا في هذا الكتاب، وبالرغم من ان هذا الاسلوب قد يكون نافعا، ونجد في كتاب الاحتجاج ان الائمة (ع) استخدموه ايضا؛ الا انه ليس المنهج الامثل الذي نجده في القرآن الكريم والاحاديث الشريفة "!

وجاء في (كلمة البدء) لكتابه القيم الذي يقع في 380 صفحة ويتوزع على ثلاثة اقسام :

1/العلم والفسلفة 2/العقيدة والايمان 3/الانسان والمجتمع، بالقول : "تعيش الامة الاسلامية اليوم تحديا حضاريا كبيرا من جميع الجهات، وبالرغم من ان هذا التحدي الحضاري ظاهرة لازمة في الامة، وان لم يأتِ حين على المسلمين استراحوا فيه من تحديات حضارية، فان التحدي الجديد يتخذ طابعا مختلفا يمكن في تحوله التدريجي الى مواجهة حضارية شاملة، ويرى سماحته : "المواجهة الحضارية تبرز من خلال مظاهر مختلفة، بيد ان نقطة واحدة تقرر مصيرها النهائي لصالح الامة او في صالح اعدائها، تلك هي جدارة (الفكرة الحضارية) بالبقاء ويستطرد سماحته : "ولن تغني الفكرة الحضارية شيئا لو لم تملك الاصالة بطولات وتصنع بهم حضارة متفوقة، اذ من دون التفاعل بين الانسان والفكرة كيف يتمكن الانسان من تغيير واقع حياة وبنائها؟! فهل تتقدم امة تملك تراثا ضخما من الفكر الحضاري لو لم يتحول فعلا الى عطاء وعمل؟ " ويطرح سماحته اخيرا هذا التساؤل : "كيف نحول امسنا الى اليوم؟ والجواب بسيط : لابد من طي الفترة التي تفصل اليوم عن امس ليتصل يومنا بيوم تقدمنا، ونبدأ منه المسير، ذلك لاننا بحاجة الى واقعين: قاعدة بناء ومنطلق مسيرة، وهما ـ في الواقع ـ اصالة وتفتّح، فدون واحد منهما نخسر المعركة الحضارية، والاستلهام من الدين الصحيح يشكل القاعدة والمنطلق والاصالة والتفتح على الحياة يشكل المسيرة والتفاعل".

بعد هذه المقدمة، لابد من تذكير القارئ الكريم، إن الكتاب يتضمن ثلاثة أقسام: الأول: العلم والفلسفة، والثاني: العقيدة والايمان، والثالث: الانسان والمجتمع. هذا التصنيف الموضوعي الرائع، ربما كان من أهم عوامل نجاح هذا الكتاب، فقد تناول سماحة السيد المؤلف، الموضوعات والبحوث بلغة علمية موثقة، مستندة الى البرهان والدليل القاطع، وإذا اردنا قراءة الكتاب باقسامه الثلاثة وبحوثه المتعددة والمتفرعة، فمن الصعب تقديم صورة متكاملة في هذ الحيّز المحدود، لذا ارتأينا تسليط الضوء على أهم ما جاء في البحث الاول، تحت عنوان: "المعرفة بين الاسلام والتصورات البشرية"، ضمن القسم الاول من الكتاب "العلم والفلسفة" ، على أمل تناول البحثين التاليين وباقي المباحث في قراءة أخرى، إنشاء الله تعالى.

العقل نور

جاء في "منهج البحث": "كمن يدخل بيتا يكتنفه الظلام فيتحسس قبل كل شيء عن المصباح، فاذا وجده استضاء به في اكتشاف سائر الاشياء، كذلك حاول الانسان ان يجد في البدء مصباحا للحياة، فاتجه قبل كل شيء ناحية نفسه ليجد فيها العلم والعقل، فاولاهما كل اهتمامه. والاسلام بدأ يذكر الانسان يعقله، ليتخذه مصباحا يكشف به غيب الحياة، وتماما كما ان كل شيء في البيت المظلم ينكشف بالمصباح، الا ان المصباح ذاته لا يعرف الا بنفسه بعد التوجه اليه، فان الاسلام يعتبر العقل اول ما يعرف، بيد ان معرفته لن تكون الا بذاته".

وهكذا يرى سماحة السيد المؤلف ان الاسلام بدأ يعالج أعقد مشكلة عند البشر من زاوية جديدة ومنهج جديد، وذلك حين يأمر الانسان بألا يحاول معرفة العقل إلا بالعقل ذاته، اذ انه سيلحد عن المنهج القويم، اذا حاول المعرفة بالتوصيف او بالتصورات والتحليلات البعيدة، لان ذلك سيبعده عن العقل، مثل الذي يحاول التعرّف على المصباح في الليل المظلم بتوصيفه او تصوره. وبعبارة اخرى، يقول الاسلام: ليس العقل شيئاً بعيداً عن الانسان، ولذا لايجب معرفته إلا بكشف ذاتي وتنبه ذاتي.

ويلخص سماحة السيد المرجع المدرسي المنهج الاسلامي في ازاء العقل في ثلاث نقاط:

1ـ التذكرة، بان معرفة العقل، بداية كل معرفة ومنطلق كل بحث.

2ـ التذكرة، بان معرفة العقل لن تكون الا بالعقل ذاته، او بآثاره وآياته، وذلك بمقارنة حالتي وجوده وعدمه ببعضهما.

3ـ التذكرة بان وجدان العقل، هو الطريق الى وجدان الحقيقة وتميزها عن الباطل. ويستشهد سماحته بالنصوص المقدسة التي تذكر بالعقل وتعرّفه لنا، خلافاً لسياق أدعياء العقل في الكثير من الاكاديميات واصحاب التصورات، فيصبح العقل، كما يقول الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله: " التجرّع للغصة، حتى تنال الفرصة" (2)، وصفة العاقل، كما يقول صلى الله عليه وآله: "ان يحلُم عمّن جهل عليه، ويتجاوز عمّن ظلمه، ويتواضع لمن هو دونه، ويسابق من فوقه في طلب البرّ، واذا أراد ان يتكلم تدبّر، فان كان خيراً تكلم فنعِم، وان كان شراً سكت فسلِم، واذا عرضت له فتنة استعصم بالله، وأمسك يده ولسانه، واذا رأى فضيلة انتهز بها، لا يفارقه الحياء، ولا يبدو منه الحرص، فتلك عشر خصال يعرف بها العاقل". (3)

علاقة العقل بالفكر

ويرى السيد المؤلف في محور "العقل وتقييم الافكار"، ان اول ما نستكشفه لدى السير في ضوء المنهج الجديد، هو ان للانسان نورا يستطيع به تقييم افكاره، وهذا ما يفرقنا عن "الحسيّين" و "التجريبيين" الذين رفضوا الاعتراف بوجود مسبقات ثابتة تقيم بها النفس افكارها المختلفة، كما يذكر سماحته ان الاحكام العقلية لا تكون موجودة عند الانسان منذ ولادته، يقول تعالى: "والله اخرجكم من بطون امهاتكم لا تعلمون شيئاً"، (سورة النحل/78)، موضحا: "ان الآية، لا تعدو ان تكون تنبيها الى واقع العقل والعلم، وانهما النوران الكاشفان اللذان لم يكن احد منا يملكهما حينما أخرج من بطن أمه، فلا بد ـ اذاً ـ ان يعترف انهما من الله، لانه لو كان من نفسه، اذاً لكانا لديه منذ الطفولة".

ويعتقد سماحته ان النظرة الاسلامية حول العقل نابعة من اعطائه الثقة الكاملة في كشف الحقائق الغيبية، خلافاً لتلك النظريات التي تحدد العقل بالشؤون المادية وتنتزع منه حق الحكم في الامور الغيبية، ومن هنا جاء في الحديث عن الامام الصادق عليه السلام: "من كان عاقلا كان له دين" (4)، وعن الامام أمير المؤمنين عليه السلام: "لا دين لمن لا عقل له". (5)

وينوه سماحته في محور العقل والسابقيات العلمية بالقول: "ان السابقيات الفكرية التي تملكها النفس البشرية مثل : العلم باستحالة التناقض والصدفة، وقبح الظلم والشر... هذه السابقيات ليست ذاتها العقل، بل انها حقائق يكشفها نور العقل للنفس، كما يكشف ضوء الشمس الوان الحقول، وكان خطأ الانسان الاكبر غفلته عن مصدر النور وتوجهه الى الاحكام زاعما انها هي حقيقة النور، فراح يبحث عن مصدر يقيم بها تلك الاحكام".

وينتقد سماحته ـ وفق هذه الرؤية ِـ الفيلسوفين "كانت" و"ديكارت" بالقول : من هنا كانت عملية (كانت) النقدية التي استهدفت نقد العقل، موغلة في الجهل، اذ ان الغفلة عن نور العقل، ذلك النور الذي لم يستطع "كانت" ذاته القيام بعملية النقد دون وجوده لديه، إن الغفلة عنه فقط كانت السبب في التوجه الى السابقيات الذهنية كتصور الزمان والمكان والعلة، لينتقدها وينتهي بالتالي الى نظرية النسبية ومنطقه الوضعي.

وعن "ديكارت" يقول سماحته: أصاب "ديكارت" دوار عنيف في مسيرته عبر العقول، اذ انه شكك نفسه في معلوماته النظرية، ورغم ان "ديكارت" عقلي التفكير، فانه أيضاً مخطئ في منهجه، وخطؤه ناشئ من أمرين: الاول: تشكيكه في ان تكون سابقياته الفطرية ناشئة من النفس او من قوة شيطانية داخلها. (6) والثاني: غفلته عن حقيقة النور الذي كان معه في لحظة تشكيكه في العقل.

ويتحدث سماحته من خلال هذا البحث حول محاور متعددة : مثل العقل ومصادر الفكرة ودور الهوى في تضليل الانسان، وكيف يفضح العقل الشهوات، والعلاقة بين العقل والاحساس، وغيرها من المحاور التي تحاول تهميش التصورات البشرية، في مقابل تأصيل قواعد المعرفة وفق الرؤية الاسلامية.

---------------------

1/الاصول من الكافي ج2، ص 33ـ34

2/بحار الانوار، ج1، ص116

3/نفس المصدر ، ج1، ص129

4/الاصول من الكافي، ج1، ص11

5/غرر الحكم، حكمة رقم 115

6/ بول فولكييه، الفلسفة العامة /ص203


ارسل لصديق