حوار حول سورة البلد - القسم الثاني، (من الآيةالسادسة حتى نهاية السورة)
حوارات حول القرآن الكريم .. (36)
كتبه: السيد جواد الرضوي
حرر في: 2016/09/17
القراءات: 385

(بسم الله الرحمن الرحيم)

يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً (6) أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ (7) أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ (15) أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17) أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ (18) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (19) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (20)

 

العظماء وغيرهم

* ماذا تريد ان تعالج الآية عندما تقول عن الإنسان: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً، اثم تعقب بالقول: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}؟

 - حينما يحمل الانسان قضية كبيرة؛ يكبر، ونسبة أدائه لقضيته يكون تساميه، وهكذا حَمَّلَ الله عباده الصالحين المزيد من المسؤوليات، وابتلاهم بأشد البلاء، حتى جاء في الحديث المعروف: «البلاء للأنبياء؛ ثم الأولياء؛ ثم الأمثل فالأمثل».

بيد أن بعـض الناس كلما حمل رسالة أو قضية أو مسؤولية، صغرت نفسه في عينيه، وقال: كيف أؤدي هذا العمل؟ وحاول الفرار منها.

حقاً؛ عند هذه النقطة يفترق العظماء عن غيرهم؛ إنهم لا يجدون أحدا أحق منهم بعمل الخير أو تحمل المسؤولية، بل تجد بعضهم يبحث عنها بحثا حثيثا.

ولعل هذه الآية تعالج هذه الحالة الشاذة في نفس الانسان، حيث تراه إذا أعطى قليلا، كَبُرَ في عينيه، وقال: إنه مال كثير، ولا يقول أنه قدمه لحياته، بل يراه مغرما ويقول: إنني أهلكته؛ إنه ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَداً؛ أي: مالاً كثيراً مجتمعاً، ولعله يكون كاذبا في ذلك؛ فلم ينفق إلا قليلا، وعظم عمله في عينه؛ بخلاف المؤمن الذي لا يخرج أبداً عن حد التقصير في جنب الله؛ ولذلك فهو يتطلع - أبداً - الى عمل أكبر وأفضل.

ثــم انه يزعم: إنه متروك لشأنه كالبهيمة السائحة، وانه لا أحد يراقبه. كلا؛ ليس الامر كما يزعم؛ إن الله يراقبه وهو أقرب اليه من حبل الوريد؛ وذلك قوله: {أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ}.

 

أعضاء المسؤولية

* في قوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}؟

 - الذين يتهربون من مسؤولياتهم يفرغون حياتهم من محتواها؛ من لبها؛ من هدفها. فلماذا إذا جُعِلَ انسانا، وأوتي الأحاسيس المختلفة: أوتي عينا يبصر بها؛ فيعرف الحق والباطل، وأوتي لسانا ينطق به، وأوتي شفتين ليطبقهما على لسانه إن هَمَّ بكلام خاطئ.

يقول تعالى عنه: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ للبصر والبصيرة معا ﴿وَ ألم نجعل له ﴿لِسَاناً ينطق به ﴿وَشَفَتَيْنِ ليطبقهما على لسانه ان هَمَّ بكلام خاطئ، فذكر هذه الاعضاء تحديدا؛ لأنها هي التي تميز انسانية الإنسان.

 

النجدان طريقان

* ماذا اراد بـ(النَجْد) في قوله تعالى: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ؟ ولماذا جاء به بصيغة المثنى؟

 - إن أعظم نِعَمِ الله على الانسان انه منحه الحرية؛ فهداه الى ما هو طريق الحق وما هو طريق الباطل؛ فقال: {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ}.

وأصل النجد الأرض المرتفعة، وروي عن النبي، صلى الله عليه وآله، انه قال: «أيها الناس! هما نجدان: نجد الخير ونجد الشر»(1).

ولعل تسمية الطريقين بالنجدين بسبب أنهما طريقان، واضحان، متميزان؛ ظاهرة معالمهما، ومعروف روادهما.

 

ما لم يقتحم

* ثم قال تعالى: {فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ}؛ فماذا لو لم يقتحم العقبة؟ وما المراد بالعقبة؟

 - كل ما في الانسان يعكس المسؤولية التي حُمِّلَها، فقد أُلهم الفجور والتقوى، وأُودعت في داخله نوازع الشر وحوافز الخير، وسُخِّرت له الأشياء لكي يستخدمها في واحد من السبيلين.

والسؤال: كيف ينبغي ان يتصرف حتى يحقق المسؤولية التي هي الهدف من خلقه؟ الجواب: عليه ان يقتحم، وما لم يفعل ذلك يبقى وراء جدار التخلف.

وقالوا عن الاقتحام: الدخول بسرعة وضغط وشدة، وعن العقبة

قالوا: الطريق الصعب الوعر الذي فيه صعود.

 

هكذا العقبة

* هلا تضربون لنا مثلاً في اقتحام العقبة؟

- هل تسلقت الجبال؟ وهل صادفك طريق وعر ضيق بين الصخور المتراكمة، ومن تحتك الوادي العميق؟

الحالة النفسية التي يعيشها المتسلق الشجاع هي الحالة المطلوبة في تحدي الصعاب في الحياة وتحمل المسؤوليات؛ قمةٌ في الوعي، ومَضاءٌ، في العزم، وشجاعةٌ في الاقدام.

أية وسوسة او تردد او ارتجاج للتقدم، او أية غفلة وتساهل تكفي سببا للسقوط في الهاوية السحيقة!

 

ثواب العقبة

* لماذا جاء بصيغة الاستفهام في قوله: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ}؟ ثم أوضح: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ؟ وما الفرق بين فك الرقبة وبين عتق الرقبة؟

 - الاستفهام لتعظيم شأن العقبة وكثرة ثوابها؛ لأنها تجاوز شح النفس، ومصارعة هواها بالكرم والايثار.

وقالوا عن فك الرقبة: انه أشمل من عتق رقبة؛ لان العتق هو تحرير الرق بصورة كاملة؛ بينما فك رقبة يكون بالمشاركة مع الآخرين، وأوردوا في ذلك حديثا مأثورا عن رسول الله، صلى الله عليه وآله، مرفوعا، عن البراء بن عازب: جاء اعرابي للنبي، صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله! علمني عملا يُدخلني الجنة، فقــال: «ان كنت أقصرت الخطبة لقد أعرضت المسألة. اعتق النسمة، وفك الرقبة».

فقال: أَوَليسا واحدا؟

قال: «لا؛ عتق الرقبة ان تنفرد بعتقها، وفك الرقبة ان تعين في ثمنها، والفيء على ذي الرحم الظالم؛ فان لم يكن ذلك فأطعم الجائع، واسقِ الظمآن، وأمر بالمعروف، وانهَ عن المنكر؛ فان لم تطق ذلك، فكف لسانك الا من خير»(2).

 

اطعام اليتيم والمسكين

* وردت ثلاثة قيود في قوله تعالى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ *أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}؛ فقيد للإطعام، وقيد لليتيم، وقيد للمسكين؛ فلماذا حدد بهذه القيود؟

- ان الاطعام جيد، وعند المجاعة - حيث يحضر النفوس الشح، وينتشر الاستئثار، ويصبح الناس في هلع شديد - يكون أعظم ثوابا؛ لأنه يعدّ تجاوزا لحالة الشح، واقتحاما لعقبة حب الذات؛ ولذا قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ؛ أي: في يوم ذي قحط ومجاعة.

وقد يكون الإطعام بهدف الحصول على مكسب مادي او رياء وسمعة، ويتبين ذلك - عادة - عند انتخاب موضعه؛ فمن الناس من لا يعطي الفقير درهما، ولكنه ينفق على الموائد الباذخة ألوف الدنانير. من هنا حدد الله كل الانفاق وقال: ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ.

فأَوْلى الناس بالاهتمام بالأيتام أقرباؤهم. واليتيم حلقة ضعيفة في المجتمع لضعفه وقلة احترام الناس له؛ ولذلك تتوالى النصوص القرآنية التي تشجع على الاهتمام به.

والمورد الضروري الآخر للإنفاق هو المسكين القريب؛ وهو قوله تعالى: {أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}؛ أي: الذي ألصقه الفقر بالتراب.

 

الولاية والاقتحام

* هل المراد بالعقبة فك الرقبة واطعام اليتيم والمسكين فقط؟

- يبدو ان فك الرقبة والاطعام مَثَلان لاقتحام العقبة، وان الكلمة تشمل كل اقتحام لعقبة الهوى، وكل مجاهدة لتيار الشهوات، وان أعظم ما ابتلي به الانسان عقبة التسليم للحق ولمن يمثله من البشر؛ كالرسول وخلفائه، عليهم السلام، عبر العصور؛ فَمَنْ والى الرسول وائمة الهدى من خلفائه، صلى الله عليه وعليهم، فقد اقتحمها؛ وإلا هَوَى في النار؛ لذلك عبر القرآن عن هذه الطاعة بكلمة «ثم» وقال: {ثُمَّ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا}؛ ذلك ان المسافة بين فك رقبة والاطعام، وبين الايمان التام بكل ما أنزل الله واتباع رسول الله، صلى الله عليه وآله، مسافة شاسعة، وان البشر لا يزال يعمل الخيرات ويقاوم شهوات نفسه حتى يعرج الى مستوى التسليم لله والايمان برسالاته، واتباع الرسول وخلفائه المعصومين؛ صلى الله عليه وعليهم.

والصبر من الايمان بمنزلة الرأس من الجسد، وأعظم منه التواصي به؛ فانه قمة التسليم للحق، والرضا بالمكاره التي في طريقه. وأعظم من الصبر، الرحمة؛ فقد تعبر على اذى الناس وأنت تدعوهم الى الخير ولكن يمتلئ قلبك بغضا لهم؛ بينما المؤمن حقا هو الذي يرحم الناس جميعا، وحتى أعداؤه تسعهم رحمته، وأعظم من كل ذلك التواصي بالمرحمة، واشاعة ثقافة الصبر والرحمة في المجتمع؛ ولذا قال: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ}.

 

أصحاب الميمنة

* من قصد بقوله: {أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ}؟

- أراد بهم هؤلاء الذين يتصفون بهذه الصفات؛ فهم اصحاب الميمنة؛ أي: اصحاب الجنة الذين يحظون بالعاقبة الحسنى.

وهكذا جعل الله شرطا لدخول الجنة يتمثل في اقتحام العقبة، ومن لم يحقق هذا الشرط الأساسي فإن أمانيه في الجنة تذهب عبثا، وقد قال الامام أمير المؤمنين، عليه السلام:(هيهات؛ لا يخدع الله عن جنته).

و جاء في حديث مأثور: «حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات».

 

أصحاب المشأمة

* أصحاب المشأمة هم الكفار كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ فماذا لو أنفقوا وأتوا بالأعمال الصالحة؟

 - الكفار الذين سقطوا في فخ الهوى، ولم يتساموا الى مستوى التحدي؛ يتهاوون في النار وساءت مصيرا؛ ولذا قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ}.

ولا يُقْبَل منهم إنفاقهم؛ لان الايمان شرط مسبق لقبول أي عمل صالح، والعرب كانت تتشاءم من الشمال ولذلك سمتها المشأمة.

وكما سجنـوا أنفسهم في زنزانة الذات، وصدوها عن رحاب الحق الواسعة؛ فانهم يُعَذَّبون بنار مطبقة عليهم، مغلقة دونهم؛ فـ﴿عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ.

نعوذ بالله من هذه العاقبة السوأى.

------------

* (1) تفسير نور الثقلين/ ج5/ ص 581.

* (2) الميزان/ ج 30/ ص 295.

 

تبين سورة [البلد]

﴿لا زائدة لتأكيد القَسَم؛ أو نافية للقَسَم ﴿أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ: مكة المكرمة ﴿وَ الحال ﴿وَأَنْتَ يا محمد، صلى الله عليه وآله، ﴿حِلٌّ: حالّ وساكن؛ أو مستحل الحرمة ﴿بِهَذَا الْبَلَدِ وَ قَسَما بكل ﴿وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ من الأولاد؛ أو قَسَما بآدم، عليه السلام، وأبنائه البشر؛ وجواب القَسَم؛ {لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}؛ شدة ونَصَب. ﴿أَيَحْسَبُ: أيظن هذا الإنسان {أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ}؛ أي: ان لن يعاقبه الله؟! إنه ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ: أفنيت ﴿مَالاً لُبَداً أموالا كثيرة لتحقيق مقاصدي ﴿أَيَحْسَبُ؛ ثم يزعم: ﴿أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ، وأنه متروك لشأنه؟!! كلا؛ ليس الأمر كذلك؛ فإن الله يراقبه ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ للبصر والبصيرة، معا؟ ﴿وَ ألم نجعل له {لِسَاناً وَشَفَتَيْنِ}؛ فميزناه عن سائر الأحياء بالنطق؟ ﴿وَهَدَيْنَاهُ: منحناه حرية اختيار أحد ﴿النَّجْدَيْنِ: طريق الحق وطريق الباطل ﴿فَلا اقْتَحَمَ: فلم يدخل بسرعة وضغط وشدة ﴿الْعَقَبَةَ: الطريق الوعر الذي فيه صعود؛ والمراد اعمال الخير التي تحتاج إلى اقتحام ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ: وأي شيء العقبة؛ تعظيما لشأنها؛ والعقبة مثل: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ: تحرير العبد بالمشاركة مع الآخرين، ﴿أَوْ مثل: ﴿إِطْعَامٌ للمساكين {فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ}: عند القحط والمجاعة؛ فيطعم ﴿يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ؛ أي: من أقربائه؛ فأولى الناس بالأيتام أقرباؤهم ﴿أَوْ يطعم {مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ}؛ الذي ألصقه الفقر بالتراب ﴿ثُمَّ؛ بالإضافة إلى ذلك ﴿كَان؛ أي: لماذا لم يكن {مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا}: أي أوصى بعضهم بعضا ﴿بِالصَّبْرِ على طاعة الله ﴿وَ كذلك ﴿تَوَاصَوْا: اوصى بعضهم بعضا ﴿بِالْمَرْحَمَةِ: بالرحمة على العباد؟ ﴿أُوْلَئِكَ المتصفون بهذه الصفات هم ﴿أَصْحَابُ الْمَيْمَنَة: اليمين؛ فيدخلون الجنة {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ عَلَيْهِمْ} الشمال؛ فيساقون إلى النار؛ تلك النار ﴿نَارٌ مُؤْصَدَةٌ: مطبقة؛ لا يستطيعون الفرار منها.


ارسل لصديق