اسم الله مُعجزة الكون
كتبه: زكي الناصر
حرر في: 2016/09/17
القراءات: 580

 هل مِن معاجز في الحياة؟

تساؤل يطرحه البعض عن إمكانية حدوث أمور تخالف الطبيعة كأن يتحوّل السمّ القاتل الى دواء يُشفي السقيم.

وجود الانسان معجزة وبقاء الكُرة الارضية في الفضاء وعدم تناثرها وتمزقها أو سقوطها في مكان سحيق، إنّ ذلك مُعجزة قطعاً، ولكنّنا ولتعودنا على تلك الظواهر نعدّها حالة طبيعية، لأنّ الشمس تشرق كلّ يوم، ولکنّ الواقع أن لا شيء محتوم في هذه الحياة الّا بإرادة ربّانية، فقبل مليارات السنوات حيث لم يكن وجودٌ للشمس ولا للقمر، ولم يكن هناك من شروق ولا من غروب، ولکن بلحظة من ارادة الرب المتعال خلق المجرّات قال تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ، (سورة الذاريات: 47).

من هنا نتساءل هل يمكن أن تعمل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ مُعجزة في حياة الانسان؟!

 

 معجزة باسم الله

کان طفلٌ يدرس عند استاذه؛ إلّا أنه كان يتأخّر فسأله المُعلّم ذات يوم عن سبب تأخرّه فأجاب الطفل، إنّه يفصله مع الدرس نهرُ ماء وليس عليه جسر قريب.

فقال المُعلّم: ولماذا لا تمشي على الماء؟!

قال التلميذ: وكيف يُمكن ذلك؟

قال له المعلم: أن تقول ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحَمَنِ الرَّحِيمِ.

و في اليوم التالي وجده الاستاذ وقد سبق التلاميذ في الحضور الى الدرس وفي اليوم الثالث كذلك فسأله عن السبب فأجاب التلميذ أنه عمل بوصية الاستاذ وفعلاً استطاع المشي على الماء.

وهكذا فان البسملة تعمل المعجزات ولكن بشرطها وشروطها ومنها الايمان الخالص والتوكّل الكامل.

وربّنا الذي خلق الكون باسمه وجعل فيه وسيلة لعمل المُعجزات.

 

 يس دليل القُدرة

ویكمن تجلّي ذلك بـ «يس» أيضاً!

فكيف لإنسان عاش أربعين عاماً بين قومه لم يقرأ كتاباً ولم ينظم شعراً ثم يأتي بهذا القرآن المليء بالحِكم ويذكر حوادث سبقت وحوادث ستحدث في المستقبل.

ألیس ذلك خلاف الطبيعة؟! أليس هو مُعجزة؟!

فمن يريد أن يقول شيئاً لابدّ له من التعلّم، وتمرّ أحياناً سنوات من أجل أن يتعلّم، ولا ينطق الطفل الّا بعد سنوات، ولكن كيف اشارت مريم الى ابنها عيسى فقال الناس متعجبين؛ كيف نُكلّم من كان في المهد صبياً! قال تعالى:

{فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا}، (سورة مريم: 29).

لكنّه تكلّم وقال: {إِنْيِّ عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنىِ نَبِيًّا}، (سورة مريم: 30)، صحیح أنّ ربّنا جعل السُنن حاكمة على الكون لكنّ ذلك لا يعني عدم امكانية المُعجزات باسم الله.

ثُمّ إنّ اسم الله كلمة تذكر في بداية كل الكتب السماوية، حتى أنّ الانبياء حينما يقومون بعمل يذكرون اسم الله عليه.

فالنبي نوح، علیه السلام، حينما ركب السفينة بعد أن جاء الامر الالهي بأن يغرق من في الارض جميعاً إلّا من ركب السفينة معه، عليه السلام، قال حین رکبها: {وقالَ ارْكَبُوا فيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحيمٌ}، (سورة هود: 41).

وحین کتب النبی سلیمان، علیه السلام، الی بلقيس استهَلَّ رسالته بقوله: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم}، (سورة النمل: 30).

وكلّ السور القرآنية إلّا البراءة تستهلّ بالبسملة، لانّ بسم الله كلمة الأمان وكلمة الرحمة، كونها لا تتناسب مع إعلان البراءة.

في {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم} المنطلق والهدف، باسم الله نبدأ والى الله ننتهي، وأنّ الى ربك المنتهى. ثم إنَّها رمز التوحيد، ورمز التخلص من كبرياء، رمز التوّكل الکامل عليه تعالى. وفيه رمز المحبّة (محبة العبد لله ومحبة الله لعبده).

ولذلك جاء في الحديث الشريف عن الامام علي بن موسى الرضا، عليه السلام، أنه قال: «إن‏ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحيم أقرب إلى اسم‏ الله‏ الأعظم من سواد العين‏ إلى بياضها»(1).

 

 كلامُ العبد أم الرب؟

حين نقرأ في سورة ياسين المُباركة ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فإنّه في الواقع كلامُ العبد مع الرب وكلام الله أيضاً، فهو الذي علّمَنا الحمد وأن نذكره بالرحمانیة والرحيمية، فلم يقل: (بسم الله المنتقم الجبّار)، والاختصاص بالرحمانية والرحيمية؛ لأنّهما صفتنان دون غيرهما تُبيّنان سبب خلقنا، فربّنا العظيم خلقنا ليرحمنا لا لحاجة منه الينا بل حاجة منّا اليه سبحانه.

ومن تجليات رحمة الله - تعالى - نزول القرآن الکریم؛ لأنّ من أسباب الرحمة تبيان الطريق لهم لكسب مرضاته ولجلب رحمته ولنيل جنّته، وهكذا انزل الله الكتاب وبعث الانبياء، ومن هنا يبدأ باسم الرحمن؛ فرحمة الله كالنسيم في كلّ مكان يتنفَّسُه المؤمن والكافر والطاغوت والضحية على حدّ سواء، فحتّى الكافر يستنشق الهواء وذلك من رحمة الله.

 امّا الرحيم اسم عام لكن لمعنى خاص كما يقول ربّنا تعالى:

{وَاكْتُبْ لَنا في‏ هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابي‏ أُصيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتي‏ وَسِعَتْ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ}، (سورة الأعراف: 156).

فالمقصود من الرحمة هنا بمعنى الرحيم التي سيكتبها للذين يؤمنون فربّنا رحمن في الدنيا ورحيم في الآخرة رحمة دائمة لأهل الجنّة.

ففي الدنيا تكون شاملة للجميع امّا في الآخرة فهي مُختصّة بالمؤمنين. ومن هنا استخدمت كلمة الرحمن سبعاً وخمسين مرّة في القرآن الكريم، امّا كلمة الرحيم فقد وردت في القرآن الكريم مائه واربع عشرة مرة، بمعنى ضعف كلمة الرحمن تماماً؛ لأنّ الرحمة الشاملة تنتهي بالموت امّا الرحمة الدائمة وهي رحيمية الله عزوجل يوم القيامة لا نهاية لها.

وهذا بعض أبعاد البسملة وإن كان أغوارها عميقة، وهي التي جلس أمير المؤمنين من بعد العُتمة الى أذان الفجر لشرح معنى حرف من حروفها وهو الباء.

 يقول الامام علي علیه السلام: «لو شئت لأوقرت سبعين‏ بعيرا من باء بسم الله الرحمن الرحيم.»(2)‏

 

 يا سامع الوحي (يس)

یس اسمٌ من اسماء النبي لكنّه ليس شخصيَّاً إنّما هو اختصار لكلمتي يا سامع الوحي، کما أنّ نون من أسماء النبي كما جاء في قوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، (سورة القلم: 1)، وهنا يعني ياسين اسم من اسماء النبي وهو الذي سلّم الرب على آله في سورة الصافّات فقال: ﴿سَلامٌ عَلى‏ إِلْ ‏ياسينَ، (سورة الصافات: 130).

ستة اسماء ذُكرت للنبي في القرآن الكريم، اسم محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، وطه وعبد الله واحمد ونون وياسين.

القرآن الکریم كتاب عميق ودقيق، وكتاب يعلمنا في كل حرف من حروفه شيئاً؛ يعني هنالك علم مخبوءٌ تحت كل حرف من حروف القرآن الکریم.

حینما یخاطب الله نبيه بصفته فيقول عزّ وجل:

{يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَميلاً}، (سورة الأحزاب: 28)، او قوله تعالی: {يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذينَ يُسارِعُونَ فِي الْكُفْر}، (سورة المائدة: 41). فإنّه يستخدم صفة كونه نبيَّاً او رسولاً، وهذا الامر هو الغالب في الخطاب الربّاني الى النبي، صلى الله عليه وآله، الّا في موارد معينة ذكر ربّنا العظيم النبي باسمه، وذلك لبيان المُرسَل اليه. بينما ورد اسم الجلالة اربعة آلاف مرّة في القرآن للتدليل على أنّ هذا الكتاب هو من عند الله المُتعال، ولو كان من عند النبي الأكرم لكان يذكر اسمه اكثر من ذكر اسم الله، ونتبين ذلك في قراءتنا للإنجيل المُحرّف، حيث إنّ اكثر حديثه عن عيسى وعن مريم وحتّى الكنائس فيها صور للمسيح وامّه ويقلّ فيهما ذكر الله.

 

 الاهتمام بالاسم

اذن لابدّ من الاهتمام بالاسم بوصفه يترك أثراً على الاشخاص، ولذلك وردت التأكيدات المتكررة من الروايات الشريفة على أهمية اختيار الاسماء المناسبة، وأنّ من حق الولد على ابيه أن يُحسن اسمه.

 وكان من اعمال النبي، صلى الله عليه وآله وسلم، اذا جاءه أحد يحمل أسماء الجاهلية القبيحة استبدلها باسم جميل. وهکذا علينا أن نحسن التعامل مع الآخرين باستخدام صفاتهم الحسنة، كما يتحدث القرآن مع رسول الله، صلى الله عليه واله، فيقول: ﴿يَا أيُّهَا النَّبِي أو ﴿يَا أيَّهَا الرَّسُول، كما لا يجوز لنا ان نتنابز بالألقاب فإطلاق الاسم والصفة الحسنة للأشخاص يُعطيهم ايحاءً ايجابيَّاً ممّا يؤثر في سلوكياته.

وهکذا علينا أن نتعلّم من القرآن الكريم اختصار الكلمات، فبدل أن يقول يا سامع الوحي والقرآن الحكيم انك لمن المرسلين. يقول

{يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيم * إِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ}، (سورة يس: 1- 3).

-----------

* (1) عيون أخبار الرضا، عليه السلام،/ ج‏2/ ص5

* (2) عوالي اللئالي العزيزية في الأحاديث الدينية/ ج‏4/ ص: 102.


ارسل لصديق