«النجوى» ومخاطر الانزلاق في دهاليز الازدواجية
كتبه: علي جواد
حرر في: 2016/09/17
القراءات: 494

هنالك تصورٌ عام بأن الجلسات خلف الابواب المغلقة وبعيداً عن أنظار عامة الناس، من شأنه تمرير مخططات وبرامج خاصة في أدمغة البعض تحقيقاً لمصالح معينة، ربما تكون سياسية او اقتصادية أو حتى حزبية وفئوية ضيقة، وعلى الأغلب؛ فإن مخاض جلسات كهذه، لن يخدم مصالح الشعب والأمة، اذا لم نقل العكس تماما، عندما يتم التخطيط لمصائر الناس وطريقة عيشهم بعيداً عن رأيهم، فتُشن الحروب الضروس وتعقد الاتفاقيات والمعاهدات الكبرى، ويكون الخاسر دائماً هو الشعب البعيد عن مراكز او غرف التآمر.

والقرآن الكريم يعالج هذه القضية الحساسة والدقيقة في آيات متتالية من «سورة المجادلة»، عندما يأتي السياق القرآني على مفردة «النجوى» التي تعني لغوياً؛ الإسرار بين اشخاص معينين في مكان خاص، ففي «لسان العرب» جاء أن: نَجاهُ نَجْواً ونُجوى: سارّه، والنجوى: السرّ، كما جاء ايضاً: وفلان نجيُّ فلان؛ أي يناجيه دون سواه.

بمعنى؛ أن «النجوى» تمثل سلوكاً انسانياً ينطوي على نوازع نفسية تستدعي الكتمان، فهي يمكن ان تنصرف الى مجال الخير عندما يناجي الانسان ربّه، بالمقابل تنصرف ايضاً الى مجال الشر، وهو ما تشير اليه الآيات الكريمة، وهو ما تحول -للأسف- الى ظاهرة اجتماعية، حيث نلاحظ البعض يفضل أن يسرّ في أذن صديقه قولاً، في مجلس عام، او بحضور اشخاص آخرين، ونفس العمل نراه يتجسد في دوائر اكبر، كأن تكون في جلسات المخططين لوسائل الاعلام، او الاحزاب السياسية او الدوائر المخابراتية وغيرها.

 

 تحذير للمنافقين وتنبيه للمؤمنين

وفي هذه السورة المدنية المباركة التي تعالج إحدى الظواهر المريبة التي كانت تعاني منها الأمة وماتزال، يؤكد الخطاب السماوي خَطَل ما يذهب اليه بحثاً عن مصالحهم، وسعياً لتوجيه ضربة غادرة الى القيم والمبادئ التي تستند اليها الامة، لذا نلاحظ صيغة الاستفهام الموجهة اليهم في الآية الكريمة: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ...}.

هنا يشير سماحة المرجع المدرسي الى أن «الاستفهام للتقرير، فالمعنى: انك لابد ان تعلم يقيناً، كما يعلم الذي يرى شيئاً بعينه، ولكن كيف نعلم بهذه الحقيقة علم من يرى رأي العين»؟ ويجيب سماحته: «بالنظر في آيات الله في الخليقة، فكل ما في السماوات والارض يشهد انه - سبحانه- حيّ قيوم شاهد حاضر.

أما عن التعداد الوارد في الآية، يقول سماحة المرجع المدرسي في كتابه:

 «بحوث في القرآن الكريم»: فان «السياق بعدد الثلاثة والخمسة، وان كان ينبغي حمله على التمثيل، إلا انه -لا ريب فيه- حقيقة خارجية في التاريخ من واقع المنافقين، على ان الجلسات تتم عادة بالثلاثة والخمسة، و أي عدد وتر لما فيه من امكانية التصويت بسهولة، وقال بعض المفسرين: ان في هذا التعبير بلاغة، إذ لم يتكرر العدد، ونجد نظيره في القرآن، ولكن القرآن لم يحصر علم الله بهذا العدد، فقال - تعالى- في سياق الآية نفسها: {...وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا}، خارجاً عن الحد عدداً وزماناً ومكاناً، لأنه، سبحانه، قد تعالى عن الكيف والأين، والعدد التي هي من صفات المخلوق».

وعن الامام الصادق، عليه السلام، في قوله عزوجل:

 {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى...}: «هو واحد احدى الذات، فأين من خلقه، وبذلك وصف نفسه، وهو بكل شيء محيط بالإشراف والاحاطة والقدرة، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الارض، ولا اصغر من ذلك ولا اكبر، بالإحاطة والعلم لا بالذات، لان الاماكن محددة تحويها حدود اربعة، فاذا كان بالذات لزمته الحواية».

بهذه البصائر الايمانية ندرك القدرة الإلهية في تسليط الاضواء الكاشفة على تلكم الزوايا المظلمة، وردّ كيد المنافقين والمتآمرين على الأمة، وفي الوقت ذاته، نعي مسؤوليتنا في اتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر من اي تحرك مشبوه من جهات متنفذة تسعى للتأثير على الرأي العام والترويج لأفكار غريبة، ومن ثم العمل على فضحها والكشف عن حقيقة نواياها.

 

 كيف نكشف المتناجين بالإثم والعدوان؟

في الآية اللاحقة (الثامنة من سورة المجادلة) يشير القرآن الكريم الى وجود إصرار من المنافقين والمتآمرين في الأمة على طريقة عملهم:

{أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ...}، هذا الإصرار يؤكد أن المشكلة باتت تمثل أمراً واقعاً يجب التعامل معه بقوة، لذا فان الخطاب القرآني يرشدنا الى كيفية إزاحة الستار عن هؤلاء وفضحهم أمام الجميع، وهذا يكون من خلال مراقبة سلوكهم وتصرفاتهم.

لنقرأ تكملة الآية الكريمة وهي تخاطب الرسول الاكرم بالقول:

{وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ...}، إذ كانوا يقولون للنبي: «السام عليكم»!! بمعنى «السأم»، أي؛ انك يا رسول الله! سوف تسأم من رسالتك، او السام بمعنى الموت عند اليهود.وهناك تفسير آخر للتحية وهي: انهم كانوا يحيون الرسول بـ «أنعم صباحا، وأنعم مساء» وهي تحية أهل الجاهلية، مع ان الله تعالى أمرهم بتحية الاسلام في محضر الرسول؛ «السلام عليكم»، وهناك تفسير ثالث؛ انهم لم يكونوا يحيون الرسول بصفته قائداً للامة، وانما بصفة شخصية، كقولهم: «السلام عليك يا ابا القاسم»!

وربنا لم يفضح ظاهر نفاقهم وحسب، بل فضح نواياهم وسرائرهم الخبيثة ايضا، حينما اخبرهم بالذي يدور في داخلهم، {وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.

ويتخذ المنافقون عدم حلول العذاب الالهي بهم ذريعة لإثبات سلامة خطهم والاصرار عليه ويبطل القرآن كون هذا دليلا على صدقهم حتى لا يتأثر المؤمنون بدعاياتهم وافكارهم المضللة، مؤكدا بانهم يجازون ما يكفيهم من العذاب على ذلك ولكن بعد حين.

من هنا؛ فان الآية تشير الى اربعة ذنوب رئيسية اقترفها المنافقون، وهي: تجاوز نهي الله بالعودة الى النجوى، وممارسة النجوى بالإثم ومعصية الرسول، والتحية السيئة المخالفة للحق، والافتراء على الله بقولهم في انفسهم ﴿...لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ.

وهكذا؛ تكون سلوكيات معينة لدى بعض الناس، دلالة على مذهبهم ونواياهم، وليس بالضرورة ان تتكرر نفس الشريحة الازدواجية التي كانت على عهد رسول الله، صلى الله عليه وآله، في الوقت الحاضر، لأن بالإمكان التلبّس بمظاهر عدّة قريبة الى الايمان والتقوى وحسن المعاشرة، بيد ان الغموض في الفكر والتناقض في الخطاب الثقافي والسياسي من شأنه ان يكشف عما تخفيه تلك المظاهر.

وحتى تتميز المناجاة الحسنة عن الاخرى السيئة، يبين القرآن الكريم عدم حرمة المناجاة بشكل عام، إنما يحدد لها إطارها ومقاصدها.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}، ان الاحساس بشهادة الله وحضوره مع المتناجين هو الضمان الوحيد لإضفاء الحالة الايمانية على جلسات المؤمنين الخاصة، ويحصنهم من مخاطر الافكار الخاطئة. 

ذلك ان اكثر الروادع التي تمنع السقوط في وادي الغيبة والتهمة والتعصب لجماعة ضد اخرى تتلاشى في جلسات الخلوة، لأن هنالك يحس الانسان برفع الكلفة والتحرر من ضغط المجتمع، ولكن أليس الله ينظر اليهم ويسمع تحاورهم؟ أليس يحاسبهم غدا على الملأ العام أفلا يتقونه؟

حقا انها جميلة ورائعة جماعة المؤمنين، الذين اذا تناجى اثنان منهم تواصياً بالبر، ورسماً خطة لتقديم الخير لغيرهما، وتناصحا بالتعاون مع الآخرين.

ويشير السياق القرآني الى حقيقة نشوء النجوى، كفعل وممارسة، و أن أصلها ليس رحمانياً، مثل النصيحة والتواصي والتذكير وغيرها، إنما شيطاني؛ بدليل أنها (النجوى) الوسيلة الوحيدة التي يتم بها اختراق النفس الانسانية ويجعلها أمارة بالسوء، لذا جاءت الدعوة صريحة وشفافة للمؤمنين، بالحذر من مغبة الانحراف بالنجوى، الى مسارات بعيدة عن الهدى والحق؛ {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ}، بمعنى أن الشيطان هو العدو الاول والأخطر للإنسان المؤمن، لذا يتناجى المنافقون مع بعضهم بتلك المضامين السيئة، لأن الشيطان كان يأمرهم بذلك وكل نجوى سلبية، فهي بدوافع شيطانية؛ كالهوى والطمع والمصالح الذاتية وحب التفريق بين المؤمنين.

ولعل الآية تشير الى عدم الاعتماد على «المناجاة» كممارسة اجتماعية بشل دائم، إلا مع الضرورة والحاجة لحل بعض المشاكل، ليتجنب المؤمنين مزالق الغيبة والتهمة وإصدار الاحكام المتسرعة.


ارسل لصديق