معيار الثقة في العلاقات الاجتماعية الناجحة
كتبه: مصطفى الصفار
حرر في: 2016/09/17
القراءات: 463

«الثقة» كلمة ذات معان عميقة وكبيرة، وتمثل إحدى القيم الاجتماعية النبيلة ذات المدخلية في تقوية الأواصر وبناء العلاقات الايجابية والمثمرة، وربما؛ لا يختلف اثنان، على أن الثقة من عوامل التقدم في أي مجتمع، كلما توفرت بنسب اكثر، كانت فرص التطور والتقدم اكثر، وهذه الحقيقة يؤكدها لنا أمير المؤمنين، عليه السلام: «... والثقة؛ قافلة تحملك للأمام».

رغم معرفة الجميع بأهمية الثقة في الحياة بشكل عام، لكن نستغرب من أنها أصبحت في وقتنا الحالي كالعملة النادرة، ففي بعض الأحيان نستند الى الثقة في تعاملنا مع شخص معين، ثم نصاب بخيبة أمل بسبب سوء تصرف او حتى خيانة غير متوقعة، فيقفز في الذهن فوراً «مبدأ سوء الظن» بدلاً من حسن الظن، الذي هو من مرتكزات الثقة، وهذا يؤكد لنا أن الثقة، كقيمة اجتماعية وأخلاقية مقدسة، لن تأتي عبر الهواء الطلق وتسكن قلوب افراد المجتمع، إنما الامر بحاجة الى جهد لصناعة هذه الثقة بين افراد المجتمع، وبمعنى أن الكل مسؤول عن وجود الثقة، وفي الوقت نفسه، مسؤولون عن فقدانها في أي لحظة.

وكما هي النبتة الصغيرة التي يرجى منها شجرة مثمرة، لابد لمن يريد زرع الثقة في قلوب الآخرين، من الرعاية والاهتمام المستمر بعزم وإرادة لخوض العلاقات الودية بين افراد المجتمع بالتعاون والتسامح والتكافل والسلوك الحسن، والاحتكام الى القيم الاخلاقية مثل الصدق والأمانة وغيرها مما تقوي جذور الثقة في النفوس، وتجعلها الاساس المتين في العلاقات الاجتماعية.

 

دور الفطرة الإلهية

بما أن الثقة سلوك اخلاقي حسن، فإنه من المؤكد صلته بالفطرة السليمة التي فطر الناس عليها، بيد أن هذه الفطرة، كما نراها تتلوث وتتشوه في جوانب عديدة من حياة الانسان، فإنها تؤثر ايضاً في مسألة الثقة بين الناس.

ومما يؤسف له أن يكون الإنسان هذه المرة ايضاً، متخلفاً عن بعض الحيوانات في الانحراف عن الفطرة الالهية السليمة، وخسران الثقة، بينما نرى الحيوانات تسير على وفق نظام مدروس ومحكم فيما بين نوعها الخاص، ولا يمكن لأي شيء أن يخلخله، بحيث تشعر الطيور او الحيوانات البرية وحتى الكاسرة، من أنَّ خروجها عن هذا المنهج المرسوم لها يعني هلاكها، كونها مخلوقات ضمن المجموعة التي تعيش معها، ويجب أن تكون هذه المعيشة بطريقة معينة، بينما نرى الإنسان يشذ عن كل قاعدة المنهج الإلهي المرسوم له بحجة أنه حر في التصرف في حياته ولا شأن لأحد به، والتحرر من القيود التي يرسمها الدين والأعراف الاجتماعية والضمير، من ثَمَّ ينتج انعدام الثقة بين الناس ويصبح مجتمعنا أسوأ حالاً من الغابة.

لنأخذ مثالاً واحداً من حياة الغابة؛ طائر الزقزاق الصغير والجميل جعل الله غذاءه من بقايا اللحم العالقة بين أسنان التمساح، وهو الحيوان المعروف بخطورته وقساوته بين الحيوانات والانسان معاً، بيد أن هذا التمساح المفترس، يضطر أن يفتح فمه بعد كل وجبة غذاء ليأتي هذا الطائر الصغير، وبشكل جماعي، ليلتقط بقايا اللحم، فيما يبقي التمساح فكّه الأعلى ثابتاً ولا يطبقه ابداً، وهو ما تعرفه جيداً تلك الزقازيق.

فالذي علّم تلك الطيور الصغير الوديعة وايضاً التمساح الشرس على أن الثقة عامل بقاء حياة الاثنين، قطعاً ويقيناً علّم الانسان؛ هذا المخلوق المكرّم، أن يجعل الثقة قاعدة لتعامله مع افراد مجتمعه؛ بدءاً من الأسرة الصغيرة، ثم الجيران والاصدقاء والمجتمع الكبير، وصولاً إلى العلاقة بين الدولة والحكومة وبين الشعب.

هذه هي فطرة الله -تعالى- في مخلوقاته، ودرس لنتعلم منه، وقد جاء في الآية الكريمة: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}، (سورة فصلت: 53).

 

كيف نزرع الثقة؟

كما اسلفنا؛ فان وجود الثقة في العلاقات الاجتماعية، ثمرة لجهد المزارعة والسقاية والرعاية وتوفير جميع عناصر النمو، لذا فإنها لا تتحقق إلا عن طريق إرادة أحد الطرفين، او كليهما - في أحسن الفروض - وهذا يتطلب جهداً كبيراً وصبراً طويلاً، لأن هذا النوع من الزرع، ليس كلاماً يُقال؛ إنما يترجم إلى أفعال حقيقية تجلب ثقة الجانب الآخر.

ومن أبرز وأهم عوامل النمو؛ الأخلاق الحميدة والسلوك الحسن في السلوك العام، بما يكسب ثقة الآخرين، وعن طريقها تسود السكينة والتوافق الاجتماعي المتين؛ لأنه مبنيٌ على أساس الأخلاق، فلا يوجد في التاريخ مجتمع ناجح ولا حضارة راقية من دون استنادها الى قاعدة الأخلاق.

وعندما نتحدث عن الاخلاق، إنما نتحدث عن المنظومة الاجتماعية المتكاملة التي جاء بها الاسلام، ولذا نقرأ في الاحاديث الشريفة بأن «المؤمن لا يكذب» أو «المؤمن لا يزني»، بمعنى أن الايمان والاخلاق صنوان لن يفترقا ابداً، وبذلك يكون للثقة مصداقيتها العملية وفائدتها في الواقع الاجتماعي الذي يعيشه الناس، ولن تكون كما نلاحظ اليوم، بأنها مدعاة للخسارة والخذلان.

من أجل ذلك نعرف أن للأخلاق جانبين أساسيين: الأول يصل إلى الله -عز وجل- والثاني يصل إلى الناس، فلولا الأخلاق لما غفر الله لعباده، ولولا الاخلاق لما تعارف الناس فيما بينهم، إذاً؛ زرع الثقة بين أفراد المجتمع يعتمد على هاتين النقطتين: فالجانب الأول بينه لنا رسول الله، صلى الله عليه وآله: «جعل الله سبحانه مكارم الأخلاق بينه وبين عباده، فَحسْبِ أحدكم أن يتمسك بخلق يتصل بالله»، فيما بين أمير المؤمنين، عليه السلام، الجانب الثاني في قوله: «لو كنا لا نرجو جنة ولا نخشى ناراً، ولا ثواباً ولا عقاباً، لكان ينبغي لنا أن نطلب مكارم الأخلاق، فإنها مما تدل على سبيل النجاح».

ولكي نحقق الثقة في النفوس، يلزم أن تكون هناك أرضية صالحة لنشر هذا المبدأ في مساحة أوسع من نفوس الافراد، ومن مواصفات هذه الارضية؛ الإيمان الراسخ والثقة بالله أولاً؛ والاعتماد عليه تعالى، ثم الثقة بالنفس ثانياً، والتي تنبع من القلب السليم للتمكن من التأثير في الطرف الآخر، كما يقول الإمام الصادق، عليه السلام، في حديث طويل: «... ما يخرج من القلب يدخل إلى القلب، وما يخرج من اللسان لا يتجاوز الآذان».

 

المعيار الأساسي والضابط لزرع الثقة

الأخلاق هي المعيار والضابط الذي يُقاس به سلوك الإنسان بشكل عام، وهو الذي يساعده كسب رضوان الله -تعالى- في الآخرة، أما في دار الدنيا، فهو سبب لرقي الإنسان إلى مستوى الكمال، فلما جاء رسول الله، وحوّل مجتمع الجزيرة العربية، من الجاهلية والفساد والانحلال، إلى ذروة الكمال من خلال زرعه الثقة بينه وبينهم، ونتيجة لهذا أصبح المسلمون يسل مون للنبي، صلى الله عليه وآله، أموالهم و أرواحهم وما يملكون من أجل أن يبادلوا رسول الله، هذه الثقة التي زرعها فيهم، والسبب في ذلك يعود إلى الاخلاق التي يتحلى بها، ومن أجل ذلك جاء الثناء الإلهي في القرآن الكريم: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ، (سورة القلم: 4).

وبالحقيقة؛ فإن الحديث عن الثقة، طويل ومتشعب، لما له من اهمية ومدخلية في جوانب عديدة بالحياة؛ الاجتماعية منها والاقتصادية والسياسية، فهناك الثقة بالنفس، والثقة بالله، والثقة بين افراد المجتمع وفي العلاقات الاسرية، ولكل حقل حديث مفصل.

وما نسمع به اليوم من ضجيج عبر وسائل الاعلام، حول المشاكل المتفاقمة بين افراد المجتمع ومؤسسات الدولة، حيث فقدان المصداقية والكذب والخيانة وغيرها، كل ذلك بسبب خيانته للثقة التي أعطيت له من قبل المجتمع، وقد أوصانا الاسلام منذ بزوغ فجره وتأسيس اول مجتمع اسلامي في المدينة على يد الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله، بصدق الحديث، وأداء الأمانة، لأنه من أسباب عدم الثقة هو الكذب والخيانة وما شابه ذلك، حيث يقول: «الصدق مبارك والكذب مشؤوم»، ويقول امير المؤمنين عليه السلام: «الصدق صلاح كل شيء، والكذب فساد كل شيء».

ويقول الامام الصادق عليه السلام: «من صدق لسانه زكى عمله»، اي صار عمله ببركة الثقة المتبادلة والتي أساسها الصدق زاكيا ناميا في الثواب.

ان التزامنا بهذه التعاليم في كتاب الله والسنة الشريفة فيما يتعلق بالثقة المتبادلة، وتجنب التدليس بها وبكل اشكالها، من شأنه ليس فقط سعادة حياته اليومية، بل يضمن لنا التقدم والرقي في المسيرة السريعة التي تتسابق فيها الأمم، وحريٌ بنا ونحن نحمل كل هذا الكم الهائل من الاحكام والنصائح والعبر، ان نكون صورة نموذجية رائعة لمجتمع مثالي متحضر ذي حضارة عريقة، يتعلم منها اي انسان في العالم.


ارسل لصديق