الإمام الرضا في ذكرى مولده..
تصاعد المدّ الرسالي واختبار قوة الجماهير
كتبه: محمد علي جواد تقي
حرر في: 2012/09/27
القراءات: 898

في يوم الجمعة الحادي عشر من شهر ذي القعدة الحرام عام 148 للهجرة النبوية الشريفة، ولد ثامن أئمة الهدى، علي بن موسى الرضا عليهما السلام في مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله.. ينقل المؤرخون عن أمه "تكتم".. تلك الجارية الطاهرة، المؤمنة: "لمّا حملتُ بابني، عليّ الرضا، لم أشعر بثقل الحمل، وكنت أسمع في منامي تسبيحاً وتحميداً وتهليلاً من بطني، فلمّا وضعته وقع إلى الأرض واضعاً يده على الأرض، رافعاً رأسه إلى السماء، محرّكاً شفتيه كأنّه يناجي ربَّه، فدخل أبوه فقال لي: هنيئاً لكِ كرامةَ ربِّكِ عزّوجلّ. فناولتُه إيّاه، فأذَّنَ في أُذُنه اليمنى، وأقام في اليسرى، وحنّكه بماء الفرات..".

في هذا اليوم المبارك يفرح المؤمنون بيوم الله، فهو فصل مضيء آخر في منهج الرسالة المحمدية، يجدون فيه ما يسكّن النفس، وينير القلب والفكر.. ويكونون بذلك مصداقاً للحديث الشريف: "شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا". بمعنى إن المؤمنين والموالين لأهل البيت عليهم السلام، يلتمسون منهم الطريق القويم، ويستلهمون المنهج الصحيح في الحياة.

وفي هذا اليوم المبارك، نتذكر حقيقة غاية في الاهمية، بأن الأئمة المعصومبن، لنا دائماً مصدر قوة لا تضاهى، تجعلنا على طول الخط، قادرين على تحدي المشاكل والصعاب، صغيرها وكبيرها، من المشاكل الفردية والاجتماعية، وحتى المشاكل السياسية مع الحكام الظلمة، وهذه القوة تستمد وجودها من قيم السماء وتعاليم الدين الحنيف، ولذلك نقول دائماً، ان ما قام به الأئمة الاطهار من مواقف خلال فترات حياتهم، إنما هو انعكاس للرسالة المحمدية الخالدة. لكن تبقى المشكلة في جمهور المسلمين والمؤمنين الذين طالما يفرطون بهذه القوة وهذه النعمة الالهية العظيمة، وما يزالون حيث الإمام الحجة المنتظر عجل الله فرجه في غيبته، والكثير يدعون لتعجيل ظهوره، دون توفير الاجواء والارضية المناسبة لهذا الظهور. ومما يؤسف له حقاً، أنّا لا ندرس حياة الامام الحسن المجتبى عليه السلام، بنفس الروح الثورية والحماسية التي نبحث فيها قضية أخيه الامام الحسين عليه السلام، كما اننا نبحث حياة الامام الكاظم – بمعظمه- في إطار جدران السجون، فيما نبحث حياة ابنه الامام الرضا بين جدار قصر المأمون العباسي، بل نجد من يستذوق تسمية هذا الامام الغريب خلال زيارته له عليه السلام: بـ (السلطان أبو الحسن...)! وهذا يعود الى الحاجة الماسّة التي يستشعرها الشيعة على طول الخط، لمصادر القوة والمنعة، بما يؤمن لهم الموانع أمام جور و ظلم الحاكمين.

ولو طالعنا حياة الإمام الرضا عليه السلام، وهو في مدينة جده رسول الله صلى الله عليه وآله، وتحديداً في الأيام الاولى لتوليه مهام الإمامة، نكتشف عظمة الدور الذي قام به أبوه الإمام موسى الكاظم عليه السلام، وهو بين جدران السجون المظلمة. وفي كتابه "التاريخ الاسلامي"، يقول المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله-، "تميّز عهد الامام الكاظم عليه السلام، من الناحية السياسية، ببناء أسس الثورة الرسالية، وكانت طريقة الامام تتمثل في رفع مستوى الامة والنهوض بوعيها ودفعها الى التضحية والجهاد لتصل الى مستوى يمكنها من استلام الحكم.. ولذلك ضحى الامام بنفسه وآثر السجن حتى نال الشهادة..". بمعنى، إن الامام الكاظم عليه السلام بخوضه المواجهة مع الحكم العباسي واستشهاده مسموماً، كرر تجربة الامام الحسين عليه السلام في مواجهة الحكم الأموي واستشهاده ايضاً لكن بالسيف، والحالتان – كما يعتقد المرجع المدرسي والصحيح كذلك- هما اللتان أعطتا مسيرة الحركة الرسالية ، زخماً ثورياً ومعنوياً كبيراً، فاندلعت الثورات والانتفاضات، وأصبح الحكم الأموي وبعده العباسي على صفيح ساخن، لا قرار له، فكانت الثورات الشيعية، أهم عوامل سقوط الدولة الأموية، فيما كانت الثورات الشيعية في العهد العباسي من أهم عوامل تفكك الدولة العباسية وانفلات قبضتها على البلاد الاسلامية، وظهور دول شيعية خارجة عن سلطة ما يسمى بـ (الخلافة)، مثل دولة الأدارسة في المغرب، والدولة التي شكلها محمد ابن الإمام جعفر الصادق عليه السلام في الحجاز.

 

تجربة ثورية في منتصف الطريق

الروح الثورية والمستوى النسبي من الوعي والثقافة الدينية والرسالية،هو الذي دفع بآلاف الموالين لأهل البيت عليهم السلام لأن ينضموا تحت ألوية الثوار من أحفاد الامام الحسن والحسين عليهما السلام، ويخوضوا عباب الموت في سوح القتال ضد حكام الجور العباسيين، لكن لابد من معرفة حقيقة أن المستوى الاعلى من الوعي والثقافة لم يكن إلا للنخبة والثلّة  المؤمنة، والتي كانت في موقع القيادة، كما سنرى فيما بعد.. لكن في كل الاحوال فان الثورات التي اندلعت قبل وخلال إمامة الامام الرضا عليه السلام، كانت بالمجمل تشكل نقطة قوة رادعة بوجه السلطة الحاكمة التي لا تبرح تتحين الفرصة لايجاد الثغرة ونقطة الضعف لتوجيه ضرباتها للحركة الرسالية، بل للأئمة اهل البيت عليهم السلام بشكل خاص.. ففي تلك الفترة اندلعت "ثورة أبي السرايا"، والتي رفع لواءها محمد بن ابراهيم بن اسماعيل ابن طباطبا بن الحسن المثنى بن الحسن المجتبى ابن أمير  المؤمنين عليهم السلام، وكانت بتاريخ 196 للهجرة، كما اندلعت في نفس الفترة، ثورة محمد بن جعفر الصادق عليه السلام في الحجاز، ومركزها المدينة المنورة.

ومن الحرّي بنا أن نسلط الضوء ولو قليلاً على ثورة (أبي السرايا)، وامتداداتها، لنعرف حجم القوة التي بلغها الشيعة في عهد الامام الرضا عليه السلام، وفي المقابل، عمق الشرخ والتصدّع الذي عانت منه الدولة العباسية، فقد امتد نفوذ الثورة، انطلاقاً من الكوفة، الى واسط والبصرة والاهواز والحجاز واليمن، علماً ان ثورات اخرى اندلعت بوجه العباسيين، لكن هذه كانت الأشد وطأة عليهم، حيث استدعوا معظم قواهم وامكاناتهم للقضاء عليها، ولم يتمكنوا من تحقيق هذا الهدف إلا بعد تكبدهم خسائر جسيمة في الارواح والاموال والعتاد.

جاء في "مقاتل الطالبيين" إن "أبو السرايا" كان يفد الى كربلاء ويحضر مرقد الامام الحسين عليه السلام، مع اصحابه للزيارة وتجديد العهد بالولاء والطلب بثأره، والثورة على الظالمين، ثم كان يدعو الناس في كربلاء، الى الالتحاق بركب الثوار في الكوفة بقيادة "ابن طباطبا"، ومما جاء في خطبة له أمام الناس: "ايها الناس هبكم لم تحضروا الحسين لتنصروه، فما يقعدكم عمّن ادركتموه ولحقتموه؟ وهو غداً خارجاً طالباً بثأره وحقه وتراث آبائه وإقامة لدين الله...". ثم أخذ "ابو السرايا" البيعة لمحمد بن ابراهيم ، وكان معه علي بن عبد الله بن الحسين بن الامام السجاد عليه السلام.. وجاء في "مقاتل الطالبيين" يصف حالة الكوفيين المعبئين لثورة "أبي السرايا": "كان أهل الكوفة منبثين كالجراد، إلا انهم على غير نظام وغير قوة ولا سلاح ، إلا العصي والسكاكين والآجر.. ودعا "أبو السرايا" الناس الى البيعة للرضا من آل محمد، والعمل بكتاب الله وسنّة رسوله صلى الله عليه وآله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبايعه الناس حتى تكابسوا عليه...".

ومن خلال قراءة تفاصيل هذه الثورة المدوّية، نعرف أنها كانت تتميز بتماسك الصفوف، وقوة الادارة وحنكة القيادة. وهذا بفضل وجود قائد ميداني مثل "أبو السرايا"، وهو السري بن منصور بن ذهل بن شيبان، من بني ربيعة.. فقد تكبد العباسيون هزائم منكرة في معاركهم مع هذا القائد الثائر، وكانت سوح المعارك آنذاك تدور في المنطقة الواقعة بين الكوفة وبغداد، وقد حاول والي المأمون "الحسن بن سهل" بكل ما أوتي من سلاح وأموال وجند، لكسر شوكة الثوار، فما كانت النتيجة إلا العكس تماماً.

ومن دلائل تماسك الصف الثوري الشيعي، أن وفاة القائد الثائر محمد بن ابراهيم بن طباطبا، كانت بمنزلة سحابة سوداء مرت بسرعة على الثوار، فانتخبوا محمد بن محمد بن زيد الشهيد، وكان حدث السنّ، لكن الوعي العميق لدى علي بن عبيد الله الذي آثر منصب القيادة، رغم وصية ابن طباطبا له بخلافته في القيادة. جعلت الناس تتوجه لبيعة حفيد زيد الشهيد غير عابئين بحداثة سنّه.

وكانت آخر حملة جهّزها والي المأمون على جيش الثوار، هي التي قادها "هرثمة"، وهو الوالي السابق على بغداد، ورغم عدائه وكرهه لـ "الحسن بن سهل" الوالي الجديد، إلا ان العطايا الجزيلة وإعادة الاعتبار له سياسياً وعسكرياً في بغداد، يدل على عظم خطر الثوار رغم قلتهم و ضآلة قدراتهم العسكرية. فقد جنّد العباسيون تحت إمرة "هرثمة" ثلاثين ألف مقاتل. وبعد جولات طاحنة من القتال العنيف، حيث كان يسقط من الجند العباسيون بالمئات واضعاف من يستشهد من الثوار، لم يجد "هرثمة" إلا تكرار تجربة "عمرو بن العاص" في حرب صفين، فصاح بأهل الكوفة: "يا أهل الكوفة علام تسفكون دماءنا ودماءكم..؟! ان كان قتالكم إيانا كراهيةلامامنا، فهذا المنصور بن المهدي رضي لنا ولكم نبايعه، وان احببتم إخراج الامر من ولد العباس، فانصبوا امامكم..." فامسك أهل الكوفة عن القتال لعدة أيام يفكرون فيما عُرض عليهم، فناداهم "أبو السرايا": "ويحكم ان هذه حيلة من هؤلاء.. إنما ايقنوا الهلاك فاحملوا عليهم، فامتنعوا وقالوا: لا يحلّ لنا قتالهم وقد أجابوا..."!

 

مسيرة لا انقطاع فيها

هذه الهشاشة في الوعي الجماهيري، من أكثر المنزلقات التي سقط فيها اتباع أهل البيت عليهم السلام، في العهود الماضية، وحتى الراهنة، وخطورتها تكمن في هدر الفرص الذهبية لتحقيق النصر المحتوم، وتبديد الجهود والقدرات والتضحيات. لكن مع ذلك، فان هذه الثورة وغيرها، شكّلت دعامة أساس في مسيرة الحركة الرسالية، وكانت أحد عوامل القوة أمام المعسكر العباسي، وكان من الأسباب الرئيسية لاقدام المأمون على استدعاء الامام الرضا عليه السلام الى خراسان ومنحه منصب ولاية العهد، بل قبل ذلك عرض عليه الخلافة، ولو كذباً ودجلاً.. فقد استنزفت الثورات الشيعية قدراً كبيراً من طاقات وقدرات العباسيين، لذا اضطر المأمون لأن يتخذ موقفاً ليّناً، وهو المعروف بدهائه وحنكته. يقول المرجع المدرسي في "التاريخ الاسلامي": ان اتخاذ المأمون قراره بشأن الامام الرضا، يُعد بمنزلة طلب الهدنة من الحركة الرسالية... طبعاً هذه الهدنة لم يحصل عليها المأمون رغم ما فعل، وقرّب، ولان، وغيرها من الاجراءات بحق الشيعة وشخص الامام الرضا عليه السلام، لأن الامام لم يدع له ثغرة بسيطة ولو بحجم رأس إبرة، ان ينفذ من خلالها ويستفيد من وجوده عليه السلام في خراسان، ومن كون الامام ولياً للعهد. بل انقلب الامر عليه، كما تذكر كتب التاريخ ويذكره المؤرخون، من أن المأمون بقراره هذا، حكم على نفسه بالاحتقار والتصاغر في أعين الناس الذين كانوا يرون عظمة الامام الرضا عليه السلام، وعلو شأنه وأهليته بالخلافة والحكم، الامر الذي دفع المأمون لأن ينهي سيناريو الوئام والعلاقة الودّية ويدسّ السمّ الى الامام لاغتياله وتغييبه عن الساحة السياسية في خراسان.

ربما كان المأمون يتصور، أنه بتصفية الامام عليه السلام غيلةً وتحت جنح الظلام، وكذلك ارتكاب الجريمة النكراء ذاتها، وبنفس الاسلوب مع محمد بن محمد بن زيد الشهيد، قائد ثورة "أبي السرايا"، عندما اقتيد اليه من بغداد، انه يبقي على الاوضاع السياسية والاجتماعية هادئة، نسبياً، كما كانت في عهد الامام الرضا عليه السلام، لكن يخيب هذا الظن دائماً عند جميع الحكام، لأن القوة التي يمتلكها الأئمة المعصومون ليست من النوع الذي يتمكن الحكام الطغاة من استيعابها وتحليلها والتقليل من شأنها، فهي قوة الحق والقيم السماوية، هذا بشرط أن تأخذ مدياتها في أوساط الامة، وإلا تبقى الرسالة والقيم والمفاهيم تدور بين اصحاب الأئمة والعلماء ومراجع الدين ومن يحوم حولهم، وهم بكل الاحوال قلّة في مجتمعاتنا، قياساً بالشرائح والاطياف المختلفة، مثل التجار واصحاب الرساميل، والمرأة والشباب والحرفيين والمزارعين وغيرهم.


ارسل لصديق