العلم بين المسؤولية الاجتماعية وطموحات السلطة
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2016/09/19
القراءات: 360

بالرغم مما للعلم من فضل كبير في حياة الانسان، ودور أساس في مسيرة الرقي والتطور في المجالات كافة، بيد أن الملاحظ في الاوساط، قلق بالغ من ابتعاد العلم عن دوره الانساني وانحرافه نحو اهتمامات تلحق الضرر الفادح بإنسانية الانسان، وايضاً بحياته اليومية وحتى بمستقبله.

فأن يكون الانسان طبيباً في عيادته او المستشفى، او محامياً وقاضياً في المحكمة، او مهندساً في مصنع، يمثل انجازاً يبعث على الفخر والاعتزاز، بيد أن الوجه الآخر للعملة يقرأها عامة الناس ويجدون أن هذه التخصصات العلمية وغيرها على خطر عظيم باقترابها من حافة السقوط من الشاهق الانساني، فيكون الطبيب او المهندس او المحامي - البعض منهم لا كلهم طبعاً - خالين من المشاعر الانسانية، في حين يفترض ان تكون اختصاصاتهم في خدمة الناس والمجتمع.

فما السبب في ذلك؟

 

 العالِم مستهدف دائماً من قبل الحاكم

جاء في الحديث الشريف عن الإمام الصادق، عليه السلام: «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء»، بمعنى أن العلماء يمثلون النخبة اللامعة والمؤثرة في المجتمع، ومن هذه النخبة يتمخض القادة الكبار والمحررون والمصلحون، ولذا فان الرؤية الاسلامية للعلم النافع ذي المدخلية في الحياة السعيدة للمجتمع والامة، هو ذلك العلم المؤطر بالتقوى والقيم الاخلاقية، بما يوفر له الضمان من أي انحراف او تطويع من قبل جهات ضاغطة، سواء من السلطات الحاكمة او المجتمع او حتى من النوازع النفسية.

فإضافة الى الدوافع المادية التي تحثّ أي عالم على استثمار ما لديه لتوفير الحياة المرفهة والمزيد من التملك والتسيّد في المجتمع، فان ثمة دوافع أخرى تلعب دورها في جر العالم الى حافة الهاوية، منها مغريات السلطة والحاكم، لان الحاكم الباحث عن وسائل البقاء فترة أطول في قمة السلطة، يحتاج دائماً الى العلماء والمفكرين والمثقفين، فهم الذين يرسمون له المنهج ويخططون له البرامج في مجالات عدّة بالحياة، من تربية وتعليم وصحة وزراعة وصناعة وقضاء، فاذا كان كل شيء وفق الأصول العلمية والمنطقية يكون أقرب الى فطرة الانسان، ويحظى بالمقبولية الجماهيرية، وهذا تحديداً ما يبحث عنه الحكام المستبدون، لذا لم نشهد الوئام في العلاقة بين العالم والحاكم، باستثناء الانظمة السياسية المتمخضة من إرادة الشعب وتلتزم بنسبة جيدة من «الديمقراطية» واحترام حقوق الانسان ومبدأ المشاركة السياسية، فإنها تحترم العلم والعلماء لأنها تجد فيهما خير وسيلة لتقدم البلد وازدهاره ورفاهية شعبه، مما ينعكس ايجاباً على حاضر ومستقبل الحكم.

وفي العالم أمثلة عديدة عن تجيير الحكومات للعلماء ومكتسباتهم لخدمة مصالح سياسية، إذ لولا علماء الفيزياء والكيمياء في اوربا، واكتشافهم للبارود والديناميت، لما تمكنت مصانع السلاح من انتاج المتفجرات والقذائف والصواريخ، ولما تمكنت القوى الكبرى من التوصل الى صناعة القنابل النووية والهيدروجينية وحتى الجرثومية، مما يسمى بأسلحة الدمار الشامل، وكل هذه، تمثل نتاج جهود مضنية في المختبرات، بيد أن النتيجة لم تكن لصالح الانسان، بقدر ما كانت وبالاً عليه.

ولعل المثل الأبرز والأجدر بالإشارة؛ ما حصل في العراق، عندما استغل النظام الصدامي البائد العقول والادمغة العراقية لتطوير ترسانته العسكرية، فبدلاً من أن يبحث علماء الكيمياء العراقيون انتاج الافضل في البتروكيمياويات وانتاج الاسمدة والمبيدات الحشرية والبذور المحسنة لإنعاش الزراعة وتطويرها، او يكون العلماء الفيزيائيون مبدعين في حقول الطاقة والاتصالات، نجد الكيمياويين مبدعين في انتاج القنبلة الجرثومية والقنابل السامة، والفيزيائيين ينتجون «المدفع العملاق» الذي أثار الاستهجان والاستغراب، قبل ان يكون مفاجأة علمية وتقنية.

وبنفس القدر الذي يتقرب العالم الى الحاكم وامتيازاته المغرية، يبتعد بمثله وأكثر من المجتمع والدوافع الانسانية، نظراً الى الفاصلة الموجودة بالأساس بين الانظمة الديكتاتورية وبين الشعوب الطامحة الى الرقي والتطور، وهذا لن يحصل، إلا بإبقاء الناس تحت طائلة الجهل والتخلف، وتحديد رقعة الشريحة المتعلمة والواعية.

 

 هل من ضمانات لاستقلال العلم والعلماء؟

الاجابة؛ نعم، بالإمكان تحصين العلم من الاستغلال البشع، ولكن؛ لابد من خطوة اخرى من العالم نفسه على طريق التفاعل لتحقيق المطلوب، وهذا ما يقدمه الاسلام من خلال النصوص الدينية المقدسة؛ من القرآن الكريم وسيرة المعصومين، عليهم السلام، من هذه الضمانات نذكر ما يلي:

أولاً: إعطاء العلم قيمة ذاتية واجتماعية، ليكون العلم والعلماء وليس المال والسلطة محوراً يستقطب حوله قدرات الجماهير وطاقاتهم وإمكانياتهم.

فالعلم، وليس العمل وحده، هو الذي يرفع درجات الإنسان عند الله سبحانه وتعالى، وتأكيد الإسلام على العلم كمحور لحركة الإنسان في الحياة، لأن الحضارة البشرية قائمة على قاعدة العلم، ولأن الإسلام يريد أن يمنح العلم قيمة اجتماعية رفيعة ليكون العلم والعلماء هم محور استقطاب المجتمع، بعيداً عن تأثيرات وضغوطات الثروة والقوة.

جاء في الحديث عن الإمام الحسن العسكري، عليه السلام، أنَّ رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «أشدُّ مِن يُتمِ اليِتيمِ الذي انقطعَ عن أبيه، يُتُمُ يتيمٍ انقطعَ عن إمامهِ، ولا يَقْدر الوصول اليه، ولا يدري كيف حكمه فيما يُبتَلى به من شرائع دينه».(1)

ثانياً: يعمل الإسلام على تزكية دوافع طلاب العلوم والعلماء، لكي يبعدهم أكثر فأكثر عن التأثر بالمال والقوة.

والنصوص الدينية تؤكد وبشدة على ضرورة نظافة نوايا ودوافع طالب العلم، بأن يكون طلب العلم للّه، وحينما يكون للّه، يكون للجماهير، أي للمصلحة العامة.

جاء عن الإمام علي، عليه السلام: «طلبة هذا العلم على ثلاثة أصناف، ألا فاعرفوهم بصفاتهم وأعيانهم: صنف منهم يتعلمون للمراء والجهل، وصنف منهم يتعلمون للاستطالة والختل، وصنف منهم يتعلمون للفقه والعقل.

فأمّا صاحب المراء والجهل، تراه مؤذياً، ممارياً [أي: مجادلاً] للرجال في أندية المقال، قد تسربل بالخشوع، وتخلى من الورع [فظاهره خاشع ولكن لا توجد في قلبه ذرة خشوع] فدقَّ الله من هذا حيزومه [أي: قصم ظهره] وقطع منه خيشومه [أي: أرغم أنفه].

وأما صاحب الاستطالة والختل، فإنه يستطيل على أشباهه من أشكاله، ويتواضع للأغنياء من دونهم، فهو لحلوائهم هاضم، ولدينه حاطم. فأعمى الله من هذا بصره وقطع من آثار العلماء أثره. وأما صاحب الفقه والعقل، تراه ذا كآبة وحزن، قد قام الليل في حندسه [أي: ظلامه] وقد انحنى في برنسه [لباس الزهد] يعمل ويخشى، خائفاً وجلاً من كل أحد الا من كل ثقة من إخوانه، فشدّ الله من هذا أركانه، وأعطاه يوم القيامة أمانه».(2)

ثالثاً: يشن الإسلام حملة عنيفة ضد علماء السوء الذين يستغلون مكانتهم في المجتمع ضد مصالح الناس، ويجعلون من علومهم وسيلة تحقيق المآرب الذاتية والأهداف الخاصة.

ولفضح علماء السوء وتعريتهم أمام الناس يعطي الإسلام للمجتمع قيماً ثابتة وواضحة يستطيعون عبرها التعرف على علماء السوء ومن ثم لعنهم وطردهم من ساحة المجتمع.

والقرآن الحكيم يضرب لنا أمثالاً تاريخية لعلماء السوء، ويسمي بعضهم بالكلب والبعض الآخر بالحمار!

يقول - تعالى - وهو يحدثنا عن قصة بلعم بن باعوراء العالم المنحرف في بني إسرائيل الذي استخدم علمه لضرب نبي الله موسى، عليه السلام ورسالته: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَاَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ}، (سورة الاعراف: 175).

والغواية هي الضلالة بوعي. فقد يضل إنسان طريقه وهو غافل، وقد يضل طريقه عامداً، فهذا الإنسان كان واعياً ولكنه لم يتبع وعيه، فأضلّه الله وكان من الغاوين.

وفي كتابه «القيادة السياسية في المجتمع الاسلامي»، يصف سماحة المرجع الديني السيد محمد تقي المدرسي، من يستثمر علمه في سبيل الاستعلاء على الناس، و»يطلبون العلم لكي يعدّهم الناس من أهل العقل، بانهم كالكهنة الذين كانوا في بعض مراحل التاريخ اكثر قوة من الملوك، فكانوا يستغلون الجماهير بعلمهم وفطنتهم، فلم يوظفوا علمهم من اجل السلاطين، ولا من أجل اصحاب المال والنفوذ، وإنما من أجل ذواتهم وإرضاءً لشهوة التسلّط والتحكم عندهم».

هؤلاء المثل السيئ للعالم الذي ما تزال الامة تعاني منه، أما المثل الحسن والناصع، فانه في ذلك العالم الذي يطبق علمه على نفسه أولاً، ويجعل علمه وسيلة لخير الناس وسعادتهم، ولعل هذا ما يفسّر الحديث المأثور عن رسول الله، صلى الله عليه وآله: «علماء أمتي كأنبياء بني اسرائيل»، الذين تحدوا كل الضغوطات والمخاطر حتى الموت، من اجل المبادئ والقيم.

------------

(1)- بحار الأنوار/ ج2/ ص2/ ح1

(2)- نفس المصدر/ ج2/ ص46/ ح4.


ارسل لصديق