لماذا آل إبراهيم {بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ}؟
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2016/09/21
القراءات: 665

{رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَم}، (سورة إبراهيم: 37) نستفيد من الآية المباركة أن هناك رافد من روافد السماء، لوجود الكعبة المشرفة التي هي بيت الله على الأرض، كونه مهبط للرحمات، تنطلق منه الرسالة السماوية، فحكمته - تعالى - تقتضي أن تكون على الأرض قيادة سماوية لهداية الناس إلى الصراط السوي الذي رسمته السماء، وهذا لا يكون إلا على يد أناس ربانيون يختارهم الله، عز وجل، لهذه المهمة السماوية العظيمة، لذا في الدعاء الذي ذكره إبراهيم، عليه السلام، عند قوله -تعالى-: ﴿أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي، لم يكن إسماعيل، عليه السلام، وأمه هاجر، فقط، بل الامتداد الطبيعي لهذه الذرية الطاهرة التي تنتهي بالنبي الأكرم محمد، صلى الله عليه وآله، ومن ثَمَّ ذريته من أهل البيت، عليهم السلام، وهذا كله تمهيداً للرسالة الخاتمة التي جاءت على يد أشرف خلق الله محمد، صلى الله عليه وآله، بالإضافة إلى عوامل أخرى كانت السبب في وجود الأسرة النبوية بهذه البقعة من الارض وليس غيرها:

أولاً: لكي لا يسكنها أحد من الجبابرة والأكاسرة، فإنهم يريدون طيبات الدنيا، فإذا لم يجدوها، تركوا ذلك الموضع، فالمقصود تنزيه ذلك الموضع من وجود أهل الدنيا.

ثانياً: خلو المكان من البساتين والطبيعة الخلابة ومن ملذات الدنيا، لئلا يقصدها أحد للتجارة بل يكون ذلك لمحض العبادة فقط.

ثالثاً: أظهر الله تعالى بذلك شرف الفقر حيث وضع أشرف البيوت في أقل المواضع نصيباً من الدنيا؛ فكأنه قال: جعلت الفقراء في الدنيا أهل البلد الأمين فكذلك أجعلهم في الآخرة أهل المقام الأمين.

رابعاً: جعل الله عز وجل الكعبة في موضع خال عن جميع نعم الدنيا؛ فكذا يجعل كعبة المعرفة في كل قلب خال من محبة الدنيا.

خامساً: مثل هذا المكان لا يصلح لنهوض حضاري وارتقاء مدني؛ لأن الأرض تشهد أن هذا مكان غير صالح لنشأة الحضارات، فهو إذن شهادة واضحة على أن الانسان ليس له دخل في نشوء مكة المكرمة. هكذا الفلسفة الإلهية التي أجريت على يد نبيه إبراهيم، عليه السلام، ليجعل أفئدة من الناس تهوي إلى هذا المكان طلباً خالصاً للتوجه إلى الله عز وجل، وبالشكل الذي ينعزلون عن الدنيا وما فيها من ملذات التي تبعد الإنسان عن العبادة الحقيقية.


ارسل لصديق