{الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} ودور عامل الوقت في البناء الانساني
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2016/09/22
القراءات: 493

يؤخذ على المسلمين عدم اهتمامهم بعامل الوقت في حياتهم، حتى في أعمالهم الحيوية والاستراتيجية، مثل الدراسة والتجارة ومشاريع البنية التحتية في الزراعة والصناعة والخدمات، فهم يملكون كل شيء، من أموال وخبرات وثروات وقدرات عضلية وذهنية، ولكن؛ لا يملكون الوقت؛ فهو خارج عن ارادتهم، واحياناً كثيرة يسبقهم بخطوات بعيدة، ولا أدلّ على ذلك؛ ما يلاحظونه يومياً من سرعة تطور تقنيات الاتصال وصناعة السلع الاستهلاكية والخدمات بأشكال مذهلة تسلب عقولهم وتطرحهم حيارى لا يعرفون ما يصنعون...؟!

بينما لو تأملنا قليلاً في البناء الحضاري للمسلمين الاوائل، وجدنا أنهم إنما حققوا النجاحات الباهرة في ميادين العلم والمعرفة وانتشار الرسالة في الآفاق، باهتمامهم وحرصهم الشديد على عامل الوقت والزمن، فلم يكونوا ليضيعوا دقيقة من عمرهم في توافه الأمور، وما لا يثمر عن نتيجة مفيدة للإنسان الفرد او المجتمع والأمة، في حل مشكلة اجتماعية او شخصية، او التوصل الى حقيقة علمية، او الاستزادة من العلوم والمعارف الالهية والطبيعية والقرآنية، وهذا لم يكن لولا ثقافة احترام الوقت التي تعرّف عليها المسلمون من الفرائض الدينية، وليس من افكار ونظريات يطرحها هذا او ذاك.

فكيف يكون ذلك...؟ إذ المعروف؛ أن الذي يعرف قيمة الوقت، هو البريطاني - مثلاً- او الاميركي او الياباني وغيرهم من النماذج الناجحة في الوقت الحاضر، فهل يتمكن شخص من مقارنة هذه النظائر بشخص مصلٍّ في المسجد او حاج في الديار المقدسة؟!

قطعاً لا يمكن المقارنة...! لأن احترام الوقت والاهتمام بعامل الزمن تعلمناه منذ اكثر من اربعة عشر قرناً، ومن الايام الاولى التي نزلت آيات الفرائض الدينية، ومنها فريضة الحج كونها تضمنت مفردة واضحة في مسألة الوقت، تقول الآية الكريمة: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ...، (من سورة البقرة: 197)، كما نجد هذا الاهتمام القرآني في فرائض عبادية أخرى مثل الصلاة والصوم، فقد وضع لهما وقت محدد، {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}، (من سورة النساء:103)، كما جاء في الصوم: {... أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ....}، (من سورة البقرة: 185)، وهذا يعني أن للوقت أهمية ومدخلية في جوانب عديدة من حياة الانسان، كما هي مؤثرة في تعميق العلاقة بين الانسان وربه.

 

 الدلالة العقلية والمنطقية

يقول الفقهاء؛ إن هذا التوقيت مبنيٌ على الدقة العقلية، وهنالك بعض الأمور يتسامح الناس فيها ولكن هذه العبادة (الحج) مبنيةٌ على الدقة العقلية المنطقية، بمعنى؛ لا يمكن أن نبدأ بالصلاة خارج وقتها، ولو بثانية واحدة، فإذا بدأ الإنسان صلاته متعمداً قبل وقتها بثانية واحدة فسوف تكون صلاته باطلة.

إن هذا التوقيت محدد ومعين، وهو نوع من التوقيت يعطي للإنسان المؤمن المتديّن نوعاً من الانضباط في حياته، كما أنَّ الإنسان لا يستطيع أن ينام متى ما أحب أو يستيقظ متى ما أحب، لأن هنالك توقيتاً معيناً حدّده الله - سبحانه وتعالى- له، ولذلك يقول الفقهاء: إن الإنسان إذا كان يعلم أن سهره بالليل يؤدي إلى تفويت صلاة الصبح فسهره سيكون محل إشكال، لأن هذا السهر يؤدي إلى تفويت الواجب في وقته، وإذا كانت القضية متوقفة على أن ينام مبكراً فيجب عليه أن ينام مبكراً، وإذا كانت القضية متوقفة على أن يستخدم بعض المقدمات لكي يكون يقظاً في ذلك الوقت، بمعنى انه يحتاج إلى منبه مثلاً أو إلى أن يتفق مع صديق له على أن يوقظه في ذلك الوقت، فيجب عليه أن يفعل ذلك، لأن هذه مقدمات وجودية لأداء الواجب في وقته.

إن تحديد اوقات الصلاة ضمن ساعة بايولوجية، تثبت الحكمة الالهية لفوائد النوم مبكراً في المساء، والاستيقاظ مبكراً عند السحر، نعم؛ هنالك الفوائد المعنوية الجمّة للاستيقاظ في وقت كهذا، وما له من آثار نفسية وروحية على الانسان، عندما يتوجه في جوف الليل الى ربه، يناجيه ويتضرع اليه ويطلب منه حاجاته، وهنالك فوائد مادية ملموسة لهذه العادة التي قلما يلتزم بها الناس، ما عدا أيام شهر رمضان المبارك، وذلك لإدراك سفرة السحور، منها ما جاء في الحديث الشريف: «صلاة الليل تزيد في بهاء الوجه»، والحديث الآخر: «بين الطلوعين - الفجر والشمس- تقسم الأرزاق...»، الى جانب هذا وغيره، توصل العلم الحديث إلى أن الاستيقاظ فجراً (عند صلاة الفجر) يكسب الإنسان الصحة ضد الجراثيم والأمراض ويزيد من عدد الخلايا المناعية في الدم، بسبب توفر هرمون «الميلاتونين» الذي يسمى هرمون السعادة في الجسم، لذلك كانت أفضل ساعات الصحو من النوم عند الإنسان هي ما قبل الفجر مباشرة حتى لحظات بزوغ الشمس وشروقها، حيث يستفيد الإنسان من ذلك الهرمون وهو في قمة غزارته، علما بأن هذا الهرمون يتوقف عند شروق الشمس.

من هنا نعرف حجم الخسارة التي منيت بها الأمة عندما تجاهلت عامل الوقت والزمن في حياتها، بفصل الاحكام العبادية وفلسفتها عن مضامينها الحقيقية، لذا نرى في بعض المجتمعات الالتزام الصارم بأوقات الصلاة، بينما لا نجد القيمة ذاتها في العلم والعمل وما من شأنه ان يرفع من مستوى الشعب والامة الى مصاف الدول المتقدمة والمتحضرة، والمثال البارز والحيّ من فريضة الحج، حيث يجبرون الحجاج على قطع طوافهم بحجة أداء الصلاة في وقتها، لكنهم لا يجبرون شبابهم ورجالهم من قضاء ساعات طوال في أماكن اللهو الباطل والسفر المشبوه هنا وهناك.

 

 الحج ودرس احترام الوقت

إن وجود التوقيت المحدد للعبادات ومنها؛ الحج يفيد الانسان في حياته اليومية ويجعلها في دائرة منتظمة، بل وتدعوه دائماً لتنظيم اعماله وما يفكر به، وفق توقيت محدد، فاذا كان الاسلام دين عبادة وتقرّب الى الله - تعالى - فانه ايضاً دين الحياة المنتظمة والمنتجة، لذا نجد الدعوة الصريحة في القرآن الكريم الى الالتزام بالوقت المحدد في العبادة والعمل لإمرار المعاش، فهنالك وقت للصلاة، وللصوم، وللحج، وللخمس، كما هنالك فترات للراحة وأخرى للعمل والكد لتوفير لقمة العيش للعيال، بل حتى هنالك فترة للترويح عن النفس، يقول الحديث الشريف: «ان النفس تمل كما تمل الابدان فابتغوا لها طرائف الحكمة».

وقد جاء في التاريخ أن الجاهليين في مكة كانوا يحجّون ويطوفون حول البيت الحرام في فترات مختلفة من العام، فجاء الاسلام وحدد وقتاً محدداً لأداء فريضة الحج، وهي خمسة أيام فقط من التاسع وحتى الثاني عشر من شهر ذي الحجة الحرام، أما «أشهر الحج المعلومات» التي وردت في الآية الكريمة، يقول العلماء إنها؛ الاشهر الثلاثة: شوال المكرم، وذو القعدة الحرام وذو الحجة الحرام.

وكما هي الصلاة بمواقيتها المحددة والدقيقة، فان في مراسيم الحج، مواقيت محددة على الحاج الالتزام بها، وإلا فان تأخر دقيقة واحدة عن إحدى المناسك، تطيح بأعماله كلها، وتخرجه من دائرة الحجيج، كأن يتخلف عن الخارجين من عرفات الى المزدلفة عند غروب الشمس، ويبقى في عرفات بعد هذه الفترة، فيبطل حجه، كما هي المسألة الفقهية المعروفة، وهذا ينسحب ايضاً على تسلسل الاعمال في منى؛ حيث الذبح أولاً ثم الحلق ثم رمي الجمرات، فلا يجوز الإخلال بهذا التنظيم في المناسك. وكذلك الحال بالنسبة لسائر الاعمال العبادية في هذه المراسيم العظيمة.

وخلال هذه الايام المعدودة في مكة المكرمة وقبلها في مواقيت الاحرام، يتعلم الانسان أروع دروس الالتزام بالوقت في العبادة؛ فاذا كان الالتزام بالوقت شديداً خلال هذه خمسة الأيام فقط، فما بال الانسان - الحاج وغيره - في سائر أيام السنة، وهو مسؤول عن «عمره فيما أفناه وشبابه فيما أبلاه...»؟

وعندما يلاحظ الحاج من بلاد المشرق ما يعانيه أخوه الحاج من بلاد المغرب، من تحديات وصعوبات وويلات في جوانب عديدة من الحياة، يكون وجهاً لوجه أمام المسؤولية الاخلاقية والشرعية بأن يغتنم وقته ولا يبذر به، ويحسب للساعات والدقائق كيف يستثمرها لما ينفع به نفسه ومجتمعه وامته في طلب العلم والمعرفة والثقافة ثم النشر وإفادة الآخرين بكل الوسائل المتاحة، فهذا هو ما جعل الشعوب الاخرى تتسابق في مسيرة التقدم والتطور، فهم لا يتسابقون على الانتاج الافضل، وإنما يسابقون الزمن نفسه، حتى بلغ الامر باليابانيين بأن يتخلّوا عن فترات الاستراحة والعطل غير الضرورية لمزيد من العمل والانتاج، وإن كان في هذا تطرّفاً ومبالغة تعود بالضرر على الصحة النفسية والبدنية للإنسان، لان الهدف والغاية القصوى هو الانسان نفسه، وهذا ما يدعو اليه الاسلام.

* المحاضرة مقتبسة من محاضرة الفقيد الراحل السيد محمد رضا الشيرازي.


ارسل لصديق