عناوين ملحمة الطف: ملحمة الطف عنوان البطولة
أصدر سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي - دام ظله- سلسلة بيانات خلال أيام عاشوراء تحت عنوان...
كتبه: هيأة التحرير
حرر في: 2016/11/09
القراءات: 466

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله بجميع محامده كلها على جميع نعمه كلها، والصلوات الطيبات الزاكيات على رسول الله المصطفى محمد وآله الأطهرين.

أيها الموالون لآل بيت الرسول، صلى الله عليه وآله، ألم تقرأوا كلمة الرب: {وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} (سورة الأعراف: 58)، وقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّـهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}؟ (سورة إبراهيم: 24). وما جاء في آية النور: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ}؟ (سورة النور: 35)

أيها الموالون؛ أنتم نبات ذلك البلد الطيب وثمرة تلك الشجرة الطيبة، وتستضيئون بتلك المشكاة مشكاة نور الرب، وابرز ما فيكم؛ تلك البطولات التي توارثتموها من نهضة الطف، بطولة الإنسان الفرد، بطولة الأسرة الفاضلة والتجمع الرسالي، وبطولة المجتمع الأبي.

إن الإمام الحسين، عليه السلام، علمنا كيف نعيش بكرامة أو نموت بعزة ونورث الأجيال الإباء. إن ملحمة الطف أورثت الفرد الرسالي صلابة لا تلين في المواقف، رغم الصعوبات أو لستم تدعون ربكم وتقولون: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ صَبْرَ الشَّاكِرِينَ لَكَ»!

وكم هي العِبَر التي ورثتموها من قولة زينب، رمز البطولة، عليها السلام، حين قالت لكل تلك المصائب الكبرى: «ما رأيت إلا جميلا».

إن بطولة الفرد تتمثل في الكدح الدائب، وفي الصلابة عند الهزائز، وفي التصدي للمسؤوليات الكبيرة، وفي التحدي لأعقد المشاكل. بطولة الإنسان يستمدها من النية التي لو توفرت لهانت كل الصعاب عنده، وهذه النية تستمد قوتها من ملحمة الطف ففي كل لحظة فيها درس وافٍ وعبرة بالغة. والتجمع الرسالي؛ سواء في الأسرة، كنظام طبيعي، او في الهيئات الإيمانية والمنظمات الاجتماعية بأطيافها المختلفة، إنه تجمع الليوث، كلّ يوصي صاحبه بالتصدي والتحدي، وكل يشد عضد أخيه بالمثابرة كما فعل أهل بيت أبي عبد الله الحسين وأصحابه، إنهم كانوا كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ}. (سورة الصف، 4)

والمجتمع الرسالي كما الجبل الأشم، يواجه الأعاصير ويبتسم للتحديات، إنه كالبركان ينفجر ناراً ونوراً، ناراً على كل عدو، ونوراً لكل من أراد شكوراً.

إنكم يا أولياء الله وأولياء رسوله وأولياء أهل البيت، أنتم من ذلك النبت الطيب فتعالوا نتسلح بالتميز في حياتنا، نتميز في الاستفادة القصوى من عقولنا، ونتميز بإثارة كل بواعث الخير في ضمائرنا ونتميز في تفجير كل طاقاتنا ومواهب الرحمن لنا. نتميز ونتميز، حتى نكون تلك الأمة الشاهدة على عصرها، ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، والله المستعان.

ملحمة الطف عنوان الأمل الواعد

 بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الهداة المرضيين.

هل أتاك حديث الكساء؟

لقد تكررت الروايات بشأنه، وليس غريباً أن يجتمع أولئك الخمسة الذين بارك الله فيهم وفي ذريتهم وأتباعهم المرة بعد الأخرى. 

ولعل واحدة من تلك الجلسات كانت عاصفة أكثر من غيرها، حيث نزل عليهم الملك المقرب جبرائيل، عليه السلام، وأخبر النبي بما يجري على أهل بيته من المصائب الكبرى من بعده، وأخذ منهم الميثاق بالصبر وكان وقع الفاجعة شديداً على الأم الحنونة فاطمة الزهراء، عليها السلام، في ما يتصل بمصائب ابنها أبي عبد الله الحسين، عليه السلام.

سألت أباها بعد أن سلمت لله أمرها بما سوف يحدث بعد شهادته، عليه السلام، وبتلك الصورة الفجيعة، فأخبرها رسول الله، صلى الله عليه وآله، كيف يقيض الله سبحانه رجالاً لا تعرفهم طواغيت الأرض؟ وكيف أنهم يجمعون تلك الأجسام المقطعة ثم ينصبون على طف مقابرهم علماً؟ وكيف يجتهد أئمة الكفر وأشياع الضلال لكي يطمسوا تلك الراية فلا تزداد مع الزمان إلا علواً؟

بلى... تلك كانت الرواية التي حدثت بها زينب، عليها السلام، ابن أخيها الإمام زين العابدين، عليه السلام، على مصرع شهداء الطف يوم الحادي عشر من المحرم. وكانت هذه الرواية منطلق مئات الثورات والانتفاضات عبر التاريخ، حيث أعطت الأمة أملاً واعداً بأن كربلاء ليست نهاية، وملحمة الطف منطلق لملاحم وانتصارات قادمة. 

ولا يزال مئات الملايين من أبناء الأمة الإسلامية وهم يواجهون الطغاة والغزاة ويتحدون عوامل الضعف يستفيدون من هذه الواقعة ومن هذا الحديث الشريف.

بلى... إن الله قد وعد ولا يخلف وعده، أن ينصر عباده الصالحين ويستخلفهم في الأرض، وليمكن المستضعفين من بعد الفراعنة. 

وكانت واقعة الطف عنوان الأمل الواعد الذي لم يزل ولا يزال بإذن الله تعالى، يشحن ضمائر الملايين من طلائع الأمة عزماً راسخاً في جهادهم من أجل حياة كريمة.

إننا حين نجد اليوم عصائب الحق، وكتائب الإيمان، وجنود الرحمن، وطلائع حزب الله، وأبطال أنصار الله وكل المجاهدين الدعاة إلى الله كيف يتحدون قوى الشر هنا وهناك، وكيف ينصرهم الله سبحانه؛ نعرف تأويل قوله سبحانه: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي (سورة المجادلة، 21) وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ. (محمد - 7)

وهكذا كانت ملحمة الطف إشارة البدء لظهور الحق على الباطل، وهذه الإشارة سوف تتحول إلى مسيرة عاصفة وإلى تيار جارف وإلى أمة مقتدرة حتى يظهر الله وليه الأعظم فيملؤها قسطاً وعدلاً كما مُلئت جوراً وظلما، عجل الله تعالى فرجه، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، ويومئذ نعلم ونزداد يقيناً أن ملحمة الطف كانت عنوان الأمل الواعد.

ملحمة الطف عنوان الخلق العظيم 

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ناصر المجاهدين، مبير الظالمين، وصلى الله على رسوله محمد، شفيع المذنبين وعلى آله الأطهار السادة الميامين.

هل يستطيع أحدٌ أن يحصي عدداً، كم مليوناً من البشر درسوا عند سيد الوفاء أبي الفضل العباس، عليه السلام، قيمة الإيثار وخلق الإباء ومنهج الاستقامة؟

وكم فتىً استهان بالصعاب حين سمع قصة السيد الرشيد، قاسم بن الحسن، عليهما السلام، حين استهان بالموت وبعد أن مشى إلى المعركة راجلاً ودخل غمار لجج الحرب وانقطع شسع نعله، ورأى أن نعله أشرف من كل أولئك الأنذال، وانحنى لإصلاح فردة نعله فاغتاله العدو؟

أما سيد فتيان بني هاشم؛ علي الأكبر، عليه السلام، فقد علّم الأجيال معنى البطولة والفداء، وكان كما جده رسول الله، في الخَلق والخُلق، وكما جده أمير المؤمنين، عليه السلام، في الشجاعة والإقدام. إن علياً الأكبر، عليه السلام علمنا كيف يوفي الابن لأبيه وفاء رسالة، ويفديه بنفسه ويصبر على كل الصعاب.

أما زينب، عليها السلام، فعلمت الأجيال، النساء والرجال على حدٍ سواء، سعة حدود الصبر؟ و كم أن احتمال الإنسان للصعاب كبير، وكيف أن شخصاً واحداً يمكنه إذا توكل على الله أن يزيح من أمامه جبال المصائب والهموم ويحقق تطلعاته. إنها زينب التي قد لا نجد كلمة تختصر أبعاد شخصيتها، إلا أن نقول: إنها شقيقة الحسين، وإنها بنت فاطمة، وبنت علي عليهم جميعا صلوات الله. إنها درست في مدرسة جدها وأمها وأبيها وسيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين، عليهما السلام، كيف تقاوم في كربلاء، وتدير معركة التحدي بكل جدارة، وكيف تلهب مشاعر أهل الكوفة ضد بني أمية، حتى بدأت يومئذ حركة التوابين وانتفضت ضد بني امية وانتقمت من قاتل أخيها عليها السلام، وكيف حاكمت في الشام يزيد بن معاوية في بيت سلطانه ومرغت كبرياءه في وحل الهزيمة.

أما سيد شهداء العالم من الأولين والآخرين، الإمام الحسين، عليه السلام، فإنه كان كما الشمس تشرق على العالمين كل يوم بأفق جديد وضياء باهر، ولو أن أهل الأرض استقوا كل يوم من فيض خلقه العظيم؛ لكان كالبحر الزاخر لا ينفد عطاؤه. إن الإمام الحسين، سلام الله عليه، جعل ملحمة الطف صورة مثالية لكل رسالات الأنبياء وتحديهم، عليهم السلام، ضد الجاهلية، وحينما قال لأعدائه: «هيهات منّا الذلة»، فتح عن أعناق البشرية المزيد من أغلال الذل، و أعطاهم كرامة لا تقدر بثمن، وحينما نثر دم رضيعه الذي ذبح في حجره في السماء وقال: «هون ما نزل بي إنه بعين الله»، حين ذاك علمنا، كما علم البشرية كلها، المعنى الحقيقي للإيمان، وللمسؤولية الإنسانية الكبرى، والذي يتمثل في معرفة الرب والعبودية المطلقة له. حقاً ملحمة الطف عنوان الخلق العظيم، فمن شاء استزاد ومن شاء استقل.

ملحمة الطف عنوان التسامي الرباني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، جليس الذاكرين، وصلى الله على سيد العارفين، وعلى آله الهداة الميامين.

إن وليد يوم الثالث من شعبان الذي بكته الملائكة قبل أن يطأ الأرض ويباركها بأقدامه الشريفة، إنه هو الذي كان عندما أثخنته الجراحات في طف كربلاء، ووقع على أرضها؛ نادى: باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله.

وليس غريباً أن يكون من المستحب شرعاً أن نتلو دعاء السبط الشهيد صبيحة يوم عاشوراء؛ أن نتلوه نحن في يوم ولادته، حيث يقول فيه: 

«اَللّهُمَّ اَنْتَ مُتَعالِي الْمَكانِ، عَظيمُ الْجَبَرُوتِ، شَديدُ الِمحالِ، غَنِيٌّ عنِ الْخَلايِقِ، عَريضُ الْكِبْرِياءِ، قادِرٌ عَلى ما تَشاءُ، قَريبُ الرَّحْمَةِ، صادِقُ الْوَعْدِ، سابِغُ النِّعْمَةِ، حَسَنُ الْبَلاءِ، قَريبٌ إذا دُعيتَ، مُحيطٌ بِما خَلَقْتَ، قابِلُ التُّوبَةِ لَمَنْ تابَ اِلَيْكَ، قادِرٌ عَلى ما اَرَدْتَ، وَمُدْرِكُ ما طَلَبْتَ». 

ذلك لأن يوم ولادته في كربلاء هو يوم ولادته الحقيقية، وما بين تلك الولادة وهذه الولادة كانت حلقات حياته متصلة من التسامي الرباني.

لعلك تجد قمته في وادي عرفات حيث يخاطب ربه سبحانه قائلاً: 

«مَتى غِبْتَ حَتّى تَحْتاجَ اِلى دَليل يَدُلُّ عَليْكَ، وَمَتى بَعُدْتَ حَتّى تَكُونَ الاْثارُ هِىَ الَّتى تُوصِلُ اِلَيْكَ، عَمِيَتْ عَيْنٌ لا تَراكَ عَلَيْها رَقيباً، وَخَسِرَتْ صَفْقَةُ عَبْد لَمْ تَجْعَلْ لَهُ مِنْ حُبِّكَ نَصيباً». 

وهكذا فليس غريباً أن ينظر الله من فوق عرشه لزوار أبي عبد الله الحسين يوم عرفة قبل أن ينظر إلى ضيوفه في وادي عرفات، وأنا وأنت حين نتشرف بحبه وولائه دعنا نعيش كما عاش في ذرى ربه، حيث تتسامى الروح في درجات عرفانه، إلى حيث يكون الرب محور حياتنا. بمعرفته نستنير، وبضياء وجهه نستجير، وبحوله وقوته نصبح ونمسي ونعيش، به نعتصم، وبه نثق، وعليه نتوكل.

إن لكل إنسان خلقه الله سبحانه هذه الفرصة، أن يتسامى إلى حيث يكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر. أو لم تقرأ في الدعاء: «يا جليس الذاكرين» ؟

وبالحسين الوجيه وجده وأبيه وأمه وأخيه وذريته الأئمة الأطهار عليهم جميعا صلوات الله نتوسل حتى يكونوا هم المعراج إلى معرفة ربنا فبهم نعرف الرب وبهم نتوسل إليه.

إن الكلمات الأخيرة التي لفظها سيد الشهداء قد عبرت عن مدى حبه لربه ومدى معرفته به، ألم يقل: «إلهي رضىً برضاك لا معبود سواك». وكانت هذه المعرفة المتسامية، هي سمة أهل بيته الشهداء في أرض الطف، فالعباس، عليه السلام، حامل رايته كان صلب الإيمان، نافذ البصيرة، وإيمانه ويقينه وعظيم عرفانه جعله قدوة في صدق الموقف وفي التسليم المطلق لإمامه. وهكذا كانت زينب، عليها السلام، التي حملت راية النهضة من بعد أخيها.

ألم تسمع كيف أنها في ليلة الحادي عشر انحدرت لوحدها نحو المعركة، وبدأت تفتش عن أخيها بين بقايا الأسلحة والحجارة حتى وجدته بتلك الحالة... فلا رأس ولا ثياب ولا عضو سالم في جسده، فصدره قد رضّ بحوافر الخيل، و إصبعه قد قطعه سارق خاتمه، وجراحاته كما نجوم السماء لا تحصى، ولكن زينب بنت فاطمة، عليها السلام، التي كان ربنا، سبحانه وتعالى، يرضى لرضاها ويغضب لغضبها. هذه زينب بنت علي بن أبي طالب، عليه السلام، الذي قال: «لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِينًا». هذه زينب ربيبة الحسن المجتبى والحسين المصفى، إنها لم تأبه في تلك الساعة بكل تلك المصائب التي تواردت على أخيها، وإنما تقدمت وتقدمت ثم حملت جثمان أخيها المقطّع إلى السماء قائلة: «اللهم تقبل هذا القربان من آل محمد صلى الله عليه وآله».

بلى.. تلك كانت لحظة عرفانية بالغة القرب، أفلا نسمو مثلما سمت، ونتعالى معها إلى حيث ربنا سبحانه وتعالى يتقبلنا كما تقبلها، ويتقبل تضحياتنا وفداءنا كما تقبل الحسين، سلام الله عليه وأهل بيته.

هيأة التحرير
 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24 25 26 27 28 29 30 31 32 33 34 35 36 37 38 39 40 41 42 43 44 45 46 47 48 49 50 51 52 53 54 55 56 57 58 59 60 61 62 63 64 65 66 67 68 69 70 71 72 73 74 75 76 77 78 79 80 81 82 83 84 85 86 87 88 89 90 91 92 93 94 95 96 97 98 99


ارسل لصديق