عالمية الحسين واستحقاق الوعي الجماهيري زيارة الأربعين مثالاً
كتبه: حسين محمد علي
حرر في: 2016/11/10
القراءات: 456

لم يفهم الغربيون الإسلام إلا من خلال توافد عشرات المستشرقين على البلاد الاسلامية خلال القرون الماضية، فدرسوا التراث والنصوص والمعالم، وعلى أساسها رسموا صورة معينة عن الإسلام وأحوال المسلمين، فدرسوا الحج وبحثوا في أمر البقاع المقدسة، كما بحثوا في القرآن الكريم، وأيضاً سائر مصادر العلم والمعرفة والأدب؛ كل هذا وغيره ساعدهم على إيجاد الطريقة الأفضل - بالنسبة لهم- للتعامل مع الشعوب الاسلامية وتحديداً الانسان المسلم، ويعتقد البعض أن عهد الاستشراق قد طواه الزمان واستنفذ أغراضه، بيد أن معطيات الواقع تشير الى أن الغربيين الذين يرون أنفسهم رعاة الحضارة المعاصرة، ما يزالون يبحثون مما خفى عليهم من حقائق تتعلق بالحضارة والإنسانية، إن لم يكن تحت عنوان الاستشراق، فانه ربما يأخذ عناوين أخرى جديدة.

ومن أبرز الحقائق الكبيرة المتعلقة التي بعد لم يتوصلوا الى صورة متكاملة لها؛ النهضة الحسينية، كحدث تاريخي ذو دلالات عميقة، وايضاً كثقافة وفكر تتبناه شريحة واسعة في الأمة، يتمثل في إحياء ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، ضمن شعائر وطقوس خاصة، أيام عاشوراء وأيام زيارة الأربعين، ولذا نلاحظ محاولات جادّة من علماء وأدباء وفنانين لفهم الدوافع لما يرونه من أعمال مذهلة خلال زيارة الأربعين - مثلاً- مثل المشي لمسافات طويلة صوب مرقد الامام الحسين، عليه السلام، وتقديم مختلف أنواع الأطعمة، وتوفير السكن والراحة وغيرها كثير.

هذه الظاهرة الثقافية لا تكشف لنا الآن حقيقة عالمية النهضة الحسينية، لأن البعد الإنساني في القضية كانت الاشارة الاولى التي التقطها الغربيون سريعاً من أول يوم سمعوا فيه بخبر الواقعة، ربما قبل اكثر من ألف عام، إنما الجديد في الأمر الأبعاد الواسعة لهذه العالمية، ففيما مضى من الزمن كانت القضية في طيات الكتب المخطوطة، وفي أدمغة المستشرقين وأهل العلم والمعرفة، وهم معدودون في بريطانيا او فرنسا - مثلاً- بينما اليوم فان النهضة الحسينية وأبعادها الانسانية تخترق مشاعر الاطفال والنساء وتفاصيل حياة الانسان الغربي، بل وأي إنسان في العالم، بفضل التقدم في تقنية الاتصالات ووسائل الأعلام.

فعندما يسمع الانسان الغربي عن حادثة استشهاد الامام الحسين، عليه السلام، في القرن السابع الميلادي، فان المعنيين بأمر الثقافة في البلاد الغربية سيجدون انفسهم مطالبين بملء هذا الفراغ الذهني الجديد بما يرونه مناسباً لهم، والإجابة عن التساؤلات وتقديم التفسيرات لما جرى، كما حدث تماماً بالنسبة للدين الاسلامي عندما وصل الى المجتمعات الغربية من خلال الكتب المترجمة والمطبوعات العامة وانتشار المبلغين وغيرهم، من ثم جاء دور السينما وفيلم «الرسالة» لتقريب الصورة أكثر الى الاذهان.

هذا التطور الجديد في أمر انتشار النهضة الحسينية الى العالم، يضعنا أمام استحقاق جديد لمواكبة هذا الانتشار بالوعي الكامل - ما استطعنا الى ذلك سبيلا- بكل تفاصيل القضية، لأن الصورة الجديدة التي تنعكس من النهضة الحسينية ستحمل معها مشاهد الزحف المليوني للزائرين في الأربعين الحسيني، او مشاهد المواكب الخدمية والتفاعل المثير للطفل والمرأة والمعوّق وغيرهم مع هذه الزيارة، وايضاً مراسيم العزاء.

ورب سائل عن علاقتنا بما يفعله المصور الصحفي والكاتب والأديب والسينمائي من بريطانيا او فرنسا او اميركا او أي بلد آخر، خلال تواجده في الزيارة الأربعينية؟ كما لو أن هؤلاء يجرون تغطية صحفية لمهرجان او «كرنفال» يتعلق بالزهور او الأزياء وما أشبه ذلك، في حين مشاهد المشاة على الطريق الخارجية لمسافات بعيدة، وتقديم الطعام والدواء والسكن، والحضور الاجتماعي المتنوع، كل ذلك يشكل بالنسبة للزائر الأجنبي «المستكشف» جزئيات وقطع صغيرة يصففها ليشكل منها الصورة التي يريد ان يفهم من خلالها النهضة الحسينية، او السبب في الاهتمام المنقطع النظير بهذه الزيارة بالذات، وهذا يحتاج منّا أن نكون على درجة من الوعي بكل ما يتعلق بالنهضة الحسينية، بما يمكننا من الإسهام في تشكيل تلك الصورة بأحسن ما يكون، وهذا يتم على صعيدين:

 

 أولاً: الوعي على الصعيد الفردي

إنها دعوة حسنة من علمائنا لأن يكون الامام الحسين، عليه السلام، «عِبرة وعَبرة»، وأن يتحول البكاء والتفاعل الوجداني وهياج المشاعر، الى نافذة كبيرة على آفاق المعرفة بتفاصيل الاحداث التي جرت يوم عاشوراء، ولماذا حصل الذي حصل؟ وما هي الخلفيات ثم الدوافع؟ فما الذي دفع اشخاص مثل زهير بن القين أو الحر للالتحاق بمعسكر الحق؟ ولماذا تجنب الامام، عليه السلام، إطلاق سهم صغير في المعركة الكلامية مع العدو، واصفاً إياه ببدء القتال؟ ولماذا قدم ابنه علي الأكبر للقتال على جميع أهل بيته؟ وما الذي يجعله ينحني على عبد أسود من اصحابه سقط جريحاً ويضع خده على خده؟ وغيرها من المواقف التي تحتاج الى تفسير وتوضيح.

إن الاجابة الدقيقة عن هذه التساؤلات وبلورة المواقف والأعمال وكل ما جرى في واقعة الطف، وبالقدر الذي يسجله لنا التاريخ، هو الذي يشكل قاعدة معرفية واسعة تنمي فينا الوعي بالقضية، ومن ثم ّ ينعكس هذه الوعي على السلوك الفردي، ليتحول فيما بعد الى ثقافة راسخة في النفوس، وتكون ضمن هوية الانسان وعنوان انتمائه، وهذا ما نلاحظه في مظاهر حسينية تحولت الى سنّة اجتماعية، مثل سقي الماء في كربلاء المقدسة، او إقامة المجالس الحسينية في البيوت والحسينيات والجوامع على مدار السنة، أو نصب رايات الحزن والسواد على ابواب البيوت وفي الأماكن العامة، ولاشك هنالك العديد من العناوين تنتظر للتحول الى مظاهر وسنن اجتماعية مثل الصلاة في أوقاتها في كل مكان، لاسيما خلال مراسيم العزاء في محرم الحرام وصفر الخير.

ليس هذا وحسب، وإنما تنمية الشعور بالمسؤولية لدى الانسان الفرد إزاء أمور تمسّ الجماعة، مثل النظافة وسلامة البيئة والحفاظ على الممتلكات العامة، وحتى الذوق العام فيما يتعلق بأي سلوك او تصرف معين خلال زحمة الطريق التي يسير فيها الملايين من الزائرين.

أما عن آلية تحقيق ذلك، فان المسؤولية تقع على عاتق المؤسسات الثقافية والإعلامية والدينية لتكثيف أعمال النشر والتبليغ في أوساط المواكب الخدمية وايضاً بين الزائرين السائرين على الاقدام في الطرق الخارجية او من هم في كربلاء المقدسة.

ولعل من أبرز النشاطات الثقافية في هذا المجال، التحفيز على المطالعة فيما يتعلق بالقضية الحسينية وايضاً مما أجاد يراع الكتاب والمفكرين والمؤرخين عن سيرة الامام الحسين، عليه السلام، وما هي الظروف التي عاشها وكيف تصرف حينذاك؟ والخطوة المكملة لكل ذلك؛ إجراء مطابقة بين هذه السيرة العطرة، وما عليه حالنا من سلوك وعادات وطريقة حياة، لنجد حينئذ مواطن الخلل بغية معالجتها سريعاً علّنا نلحق بركب أولئك الملبيين نداء الحسين، عليه السلام، يوم عاشوراء، وفي المراحل التاريخية اللاحقة.

 

 ثانياً: الوعي على الصعيد الاجتماعي

الظواهر الاجتماعية البارزة خلال أيام الأربعين، تعكس جانباً مشرقاً من منظومة القيم والمفاهيم التي يؤمن بها العراقيون عموماً، والمجتمع المؤمن خصوصاً، مثل حسن الضيافة، وروح العطاء بلا حدود، والترحيب بالزائرين من أي قومية او جنسية في العالم، وهذا ما نلاحظه كممارسة يومية، وربما استحالت لدى الكثيرين الى أن تكون جزءاً من حياتهم، لذا يكون من الجدير تأصيل هذه الممارسات النبيلة بالوعي بفلسفة هذه الأعمال - إن صح التعبير- والتي تعد من منظومة الشعائر الحسينية، وما العلّة من الإصرار على تأديتها؟ وغيرها من الأسئلة التي يجب على الجميع الاجابة عنها بشفافية تامّة. فاذا كان بالإمكان إخفاء بعض السلوكيات غير السليمة للفرد الواحد، فان وجود بعض هذه السلوكيات في الشارع العام، ليس فقط يستحيل إخفائه وتبريره، إنما يشكل الهوية والانتماء لهذه المجتمع.

أحد الاصدقاء الظرفاء قال لي يوماً: «إن أردت معرفة جانب من أخلاق مجتمع ما فانظر الى حركة السيارات والمارة في الشارع». وأول حركة وعي في هذا الاتجاه نبدأها من هتاف الامام الحسين، عليه السلام، في إعلان اهداف نهضته ومعارضته للحكم الأموي، بـ «...لطلب الإصلاح في أمة جدي»، فهاهنا الإصلاح، ليس فقط لشيعته ومحبيه، إنما لجميع المسلمين في العالم، وهذا يشمل جميع نواحي حياة الانسان، لتكون لدينا صورة مغايرة تماماً للإفساد والفساد وكل ما يعانيه المسلمون اليوم من ترديات في الأخلاق والإنسانية، وما يستتبع ذلك من مآسي وآلام فيما نراه من سقوط مريع في الفتن الطائفية والسياسية.

وبعمق الوعي الاجتماعي بالأهداف التي ضحى من أجلها الامام الحسين، عليه السلام، يتحدد السلوك العام خلال هذه الزيارة فيما يتعلق بمجمل الأعمال والمواقف، سواءً الصغيرة والجزئية منها او الكبيرة، بدءاً من طريقة تحضير الطعام للزائرين وتوفير اللحوم والمستلزمات والظروف المحيطة بكل ذلك، ومروراً بتوزيع هذه الطعام وما يخلفه من نفايات وبقايا طعام، ومروراً بطريقة عمل المواكب الحسينية الخدمية، وايضاً تعامل أهل المدينة معها، وايضاً التعامل مع الزائرين القادمين من بلاد العالم لهذه المناسبة، وحتى مستوى الالتزام الديني بشكل عام.


ارسل لصديق