الشعائر الحسينية وتنوع المظاهر
كتبه: أنور عزّالدين
حرر في: 2016/11/10
القراءات: 510

من أجل فهم القضايا الكبيرة بالحياة، تكون الحاجة الى قواعد علمية ثابتة وقوانين تفضي الى نتائج واضحة ومحددة يستفيد منها الانسان لتطوير حياته وتحقيق ما يصبو اليه، مثال ذلك العمليات الحسابية، ففي علم الرياضيات هنالك قاعدة ثابتة للضرب او القسمة للحصول على النتيجة الصحيحة، بينما يرى البعض أن بالإمكان الحصول على نفس النتيجة الصحيحة بطريقة أخرى، او كما يسميها البعض بـ «حساب العرب» الدارج في بعض الأسواق الشعبية، وهو ما لا يرتضيه الكثير من أبناء المدارس وخريجي الجامعات.

نفس المعاناة تواجهها الشعائر الحسينية في أيام ذكرى الامام الحسين، عليه السلام، في شهري محرم وصفر، فالبعض يتصور أن فهم النهضة الحسينية يتطلب قواعد وضوابط خاصة، وأي نوع من الخروج عن هذه الضوابط، يمثل ابتعاداً عن النهضة الحسينية - حسب ادعائهم -، وهذا ما دفع البعض لأن يضع علامات الاستفهام على عديد أشكال الشعائر الحسينية، والبحث في مصدرها ونشأتها وايضاً مشروعيتها.

 

 مقبولية في العقل والدين

إن تصورات كهذه في الساحة تعبر عن وجود مشكلتين لدى شريحة في المجتمع؛ الأولى: المشكلة الذهنية، والثانية: المشكلة العقدية. وقد بذل علماؤنا الأفاضل جهدهم في حل هاتين المشكلتين إيماناً منهم بأن قضية الامام الحسين، عليه السلام، تحمل الأبعاد الثقافية والتربوية وايضاً العلمية، فهي تشمل بفنارها جميع الناس، مهما كانت مستوياتهم.

ففي كتابه «الشعائر الحسينية والتحديات الحضارية» عالج سماحة الفقيه الراحل آية الله السيد محمد رضا الشيرازي - قدس سره - المشكلة الذهنية إزاء الشعائر من خلال تقسيم الأحكام الدينية في موضوعاتها الى؛ «موضوعات مجعولة»، و»موضوعات ممضاة»، ويوضح الأولى بأنها «الأحكام التي لم تكن موجودة من قبل، وقد جعلها المشرّع، وهو الله - تعالى- على لسان النبي الأكرم، فهذه الموضوعات (الأحكام) اخترعها الشارع، مع أنها لم تكن موجودة من قبل...»، ويأتي على ذلك بأمثلة قريبة، مثل الصلاة والحج وأمثالهما التي كانت في هيأة معينة قبل الإسلام، ثم جاء الشارع واخترع لها هيأة جديدة.

أما عن «الموضوعات الممضاة» يقول سماحته: بانها «غير المخترعة وغير المجعولة، فالشارع ليس لديه جعل في هذا الموضوع، فقد يطرح موضوعاً ويطرح حكماً، ولكنه لا يمسّ هذا الموضوع، لا توسعة ولا تضييقاً، مثال ذلك؛ الوضوء الذي يكون بالماء، والماء مطهر، فهل نبحث عن حكم شرعي حول ماهية الماء؟ فالماء ليس موضوعاً مخترعاً شرعياً حتى نسأل الامام الصادق، عليه السلام، عنه، بل هو مفهوم عرفي، إذن؛ نسأل العرف، متمثلاً بالناس الموجودين بالقرب منّا، فانهم سيجيبون عما اذا كان ماء البحر - مثلاً- ماءً حقاً؟ فإن كان كذلك تأخذ به وتتوضأ بهذا الماء...».

ويذهب سماحته الى أبعد من هذا في معالجته لظاهرة التنوع في الشعائر الحسينية، فيتخصص في الحديث عن «الحقيقي» و»الخارجي» في الأحكام، فانه «حين يطرح الشارع، حسب الاصطلاح العلمي، قضية ما على النحو الحقيقي، وليس على النحو الخارجي، نأخذ به» ويأتي بمثال عن حديث النبي الأكرم عن أجر من ينير المسجد، فاذا قام شخص ما في الوقت الحاضر وأنار المسجد بالمصابيح الكهربائية التي لم تكن على عهد النبي، فهل يكون غير مشمول بالحديث النبوي؟ يجيب سماحته بالرفض «لان كلمة «من أنار» ليست قضية خارجية بل هي قضية حقيقية، بمعنى كلما تحقق مصداق لـ «أنار» فالحكم يترتب على هذا المصداق».

هذا ما كان من المشكلة الذهنية لدى البعض، أما المشكلة العقدية (العقائدية) فان سماحة الفقيه الراحل يشير في كتابه الى أن الشعائر «تعني معالم الدين والعلامات التي تسوقك الى الله -تعالى- وتأخذ بيدك اليه، ولكن هل حدد الشارع ما هي هذه الشعائر؟ إن الشارع لم يحدد تصرفاً معيناً دون غيره في هذا الموضوع، ولا توجد لدينا رواية تحدد ما هي الشعائر، واذا كان كذلك، فان كل الشعائر التي تدلّ على الله، تعد من شعائر الله - تعالى- سواء كانت موجودة في زمن الامام الصادق، عليه السلام، أو لم تكن...».

فاذا كانت النهضة الحسينية وما تحمل من مفاهيم وقيم، تمثل امتداداً طبيعياً للرسالة التي جاء بها جدّه المصطفى، صلى الله عليه وآله، وأنه، عليه السلام، وإنما امتاز عن سائر الأئمة المعصومين، والأولياء الصالحين وحتى الأنبياء والمرسلين، كونه جسد دور المدافع عن حدود الله ورسالته السمحاء الى البشرية حتى آخر النفس الأخير، فان إحياء ذكرى الامام، عليه السلام، يعد بالقطع واليقين، إحياءً لشعائر الله وقيمه السماوية، لاسيما اذا عرفنا أن الله - تعالى- جعل في مناسك الحج شعائر خاصة، تمثلت في حيوان، تقول الآية الكريمة: ﴿ وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، كما جعل الصفا والمروة من شعائر الله ايضاً، فاذا كان الحيوان (البعير في حج القِران) في مناسك الحج، وأرض جبلية (الصفا والمروة)، تمثل إحدى السُبل الى الله -تعالى- فان الأولى أن يكون ابن بنت رسول الله، وسيد شباب أهل الجنة، خير السُبل جميعاً.

 

 الإبداع في التعبير عن قمة الحزن

وعليه؛ فعندما تكون هذه النهضة المباركة متوهجة في القلوب والنفوس، فان الأطر والضوابط لن تكون قادرة على تحديد شكل التعبير عن هذا التفاعل الوجداني، فهي تظهر في مجالس ذكر بوجود خطيب ومنبر، كما كان الحال في عهود الأئمة المعصومين، عليهم السلام، حيث كانت تلقى قصائد الرثاء وذكر المصاب، ثم ظهرت فيما بعد بتسيير المواكب في الشوارع، ثم اللطم على الصدور، ثم تصاعد حدّة التفاعل بفعل أسباب وظروف عدّة، ليصل الأمر الى ضرب الأجساد بالسلاسل والرؤوس بالسيوف وغيره من الطقوس العملية.

وكان للإبداع الفني دوره في تكريس الشعائر الحسينية، فظهر في تشبيه وتجسيم للحادثة وأبطالها، في مسيرات ومواكب او ضمن طقوس مسرحية خاصة، تقرب للمشاهد في الشارع، الحوادث التي جرت يوم عاشوراء، ولعل أبرزها: مشاهد سبي عيال الامام الحسين، عليه السلام، بعد الواقعة، الى جانب إثارة مشـــــاعر الشباب في قضية القاسم بن الحسن، عليهما السلام، ورسم صورة مؤثرة للشاب المقبل على الزواج واستبدل فرحة الزواج بالتضحية بدمه في الدفاع عن عمّه الحسين، عليه السلام، علماً أن العلماء والمؤرخين يؤكدون أن هذه القضية تحديداً لها جنبة رمزية اكثر مما لها حقيقة واقعية في أحداث تلك الفترة، مع ذلك فان إعداد «غرفة القاسم»، وهي عبارة عن صحن خشبي صغير نُحت عليه ما يشبه غرفة العرس، ويحرص القائمون على هذه الشعيرة أن يزينوا الغرفة بمصابيح ملونة ونقوش رائعة، تحمل على الرأس وسط المواكب الحسينية الراجلة.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد من الإبداع الفني في ابتكار الشعائر الحسينية التي درجت عليها الأجيال طيلة عقود طويلة من الزمن، بل ودفع الوهج المتقد في النفوس لابتكار مظهر جديد في قالب الفلكلور، ويرتبط مرة أخرى بالقاسم، ألا وهي «موكب زفاف القاسم»! وقد حصل أن التقيت بمن ابتكر هذا الموكب في مدينة قم المقدسة، وهو من العراقيين المهاجرين الى ايران خلال عقد الثمانينات، وتحدث عن كيفية تعرضه لتحديات من أصحاب المواكب الحسينية الذين استغربوا الابتكار، وعدّوه تعارضاً مع أجواء الحزن، بيد أن مساندة أحد أبرز خطباء المنبر الحسيني وايضاً احد كبار علماء الدين، شجعه على تكرار التجربة في سنين متوالية، لتتحـــــول فيما بعد الى إحدى الشعائر الحسينية التي يتسابق الجميع لأدائها في كربلاء المقدسة حتى اليوم.

وفي إحدى محاضراته عن النهضة الحسينية اقترح سماحة الفقيه الراحل السيد محمد رضا الشيرازي - قدس سره - وربما بشكل عفوي، أن يكون هنالك موكب خاص بالطفل الرضيع! في سياق الحديث عن تطوير الشعائر الحسينية والمزيد من تكريسه في الواقع الاجتماعي، فإلى جانب مواكب أصحاب المهن والحرف ومن ينتمون الى مناطق سكنية او مدن او بلاد بعيدة، وايضاً مواكب طلبة الجامعات وغيرهم، أن يكون ثمة موكب خاص للأطفال الرضع استذكاراً للطفل الرضيع وما جرى عليه في يوم الواقعة.

وإذن؛ من الجدير بكل من يتبنى قضية الامام الحسين، عليه السلام، وأهدافه السامية، أن يضيف على ما يراه من أشكال التعبير عن الحزن والأسى في هذه الأيام، بكلمة شكر وتقدير ومساندة معنوية، فضلاً عن المساندة المادية التي نشهد التسابق عليها دائماً وبشكل متزايد.


ارسل لصديق