النهضة الحسينية وحقوق المرأة
كتبه: أمير حسين صفري
حرر في: 2016/11/10
القراءات: 566

في هذا الوقت من كل عام نسترجع ذكريات الملحمة الحُسينية بكل ما تحمله من حكم ومواعظ وعبر إنسانية وتاريخية ترشد حاضرنا وتنير طريق المستقبل للأجيال المسلمة، ولعل من أبرز معالم تلك الثورة الخالدة التي انتصر فيها الدم على السيف مشاركة المرأة المؤمنة في مواقف يعجز التاريخ عن تجاهلها مهما طال الزمان، لأن الصورة الأولى والأكبر كانت لعقيلة بني هاشم، زينب بنت أمير المؤمنين، عليهما السلام، بشخصيتها القيادية ومواقفها الجريئة.

ثمة مسائل كثيرة لا يُستهان بها تتعلق بدور السيدة زينب، عليها السلام، خلال مفاصل النهضة الحسينية، منها؛ العوامل التي نسجت هذه الشخصية وأسست لدورها الأسري والإنساني العظيم، صانعة منها امرأة حُرة، حرة في إعلان رأيها، وحرة في اتخاذ نخبة من القرارات المصيرية في تلك اللحظات الحاسمة، وعلاقة ذلك بحقوق المرأة المسلمة التي تسمح لشخصيتها بالنضج والارتقاء وتأدية دورها في المجتمعات الإسلامية.

ولا شك أن امرأة تملك شخصية بهذا القدر من الشجاعة والثقة بالنفس والقدرة على قيادة الموقف لم تكن وليدة الصدفة، إنما يعود الأمر الى ما نالته العقيلة زينب، عليها السلام، منذ طفولتها، من عظيم الحقوق والشرف والكرامة، وذلك في إبداء الرأي والمشاركة في اتخاذ القرارات.

فكانت ذات منزلة رفيعة في أسرتها النبوية الشريفة، وكيف لا تكون كذلك، ورب هذه الأسرة هو؛ أمير المؤمنين، عليه السلام، المربي الأول، وتدرجت العقيلة زينب، في مراقي الكرامة في عهد شقيقيها؛ الحسن والحسين، عليهما السلام، فكانت ثمرة التربية العلوية، ظهور شخصية قيادية بكامل الحقوق، قادرة على اتخاذ القرارات الحاسمة التي لولاها ما تم الحفاظ على بقايا الأسرة الحسينية وحمايتها.

ومن هنا تتجلى ضرورة وعي المجتمعات الإسلامية بأهمية حقوق المرأة المسلمة، وعدم التغافل عنها، كونها أساساً هاماً من أسس نهضة المجتمعات المتمسكة بالفكر الحُسيني الزينبي.

ويمكننا الإشارة الى ثلاثة نماذج لحقوق المرأة المُسلمة التي تجسدت في شخصية السيدة زينب، عليها السلام، نستلهمها من ثلاث مراحل في حياتها، قبل وبعد واقعة الطف، فكان لثلاثة من أهم الرجال العظام، دور تأسيسي في حياتها:

الأول: والدها؛ الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، الذي رباها على الوعي بحقوقها، وفتح لها أبواب الحق في التعبير عن الرأي، والحق في اتخاذ القرار، ولم يبخل عليها بحقها في التعليم، لأن أسلوبها في إدارة الأمور واتخاذ القرارات المصيرية، وأسلوبها الخطابي الذي يجمع بين الجُرأة والبلاغة في مجلس الشام، يؤكد أن تربيتها لم تقتصر على التوعية الدينية والأخلاقية فحسب، بل على مشاطرة شقيقيها الحسن والحسين، عليهما السلام، في حق التعليم والارتشاف من مختلف جوانب المعرفة التي تؤهلها على المواجهة ودحض الحجة بأقوى منها.

الثاني: شقيقها الإمام الحسين، عليه السلام، الذي أعطاها حق اتخاذ كثير من القرارات الضرورية والحاسمة خلال يوم عاشوراء.

ما يؤكد ثقته بقدرتها على تحمل مسؤولية قيادية عظمى تتجاوز حدود الجلوس مع النساء وتسكين روع الأطفال.

الثالث: ابن شقيقها؛ الإمام علي بن الحسين، زين العابدين، عليه السلام، الذي فسح لها المجال لأن تتكلم أمام أولئك الطغاة البغاة، للدفاع الجريء عن مبادئ النهضة الحسينية، سواء في الكوفة أو الشام، لأن العقيلة زينب، عليها السلام، تعرف جيداً أنها ترافق إماماً معصوماً، واجب الطاعة هو الامام زين العابدين، عليه السلام، وهو نفسه يعطي عمته المنزلة العظيمة بقوله: «يا عمّة أنت عالمة غير معلمة»، مع ذلك كله، فإنها لا تتحرك ولا تتكلم إلا بإذن مسبق وموافقة من الامام السجاد، عليه السلام.

«إن التأمل في أهداف النهضة الإنسانية الحسينية يجعلنا مدركين لقيمة مشاركة المرأة في بناء المجتمعات الإسلامية على قاعدة القيم والمفاهيم التي دافعت عنها السيدة زينب عليها السلام حين شاركت شقيقها الحسين عليه السلام في مساعيه وساندته خلال تضحياته، وعلى هذا تكون شخصية تلك السيدة التي لن ينسى التاريخ مواقفها العظيمة خير قدوة لكل امرأة مؤمنة تطمح لنيل حقوقها الشخصية والمُجتمعية والإنسانية على اختلاف مجالاتها دون تفريط في واجباتها الدينية المقدسة».


ارسل لصديق