المشي الى كربلاء ورسالة السلام
كتبه: علي جواد
حرر في: 2016/11/13
القراءات: 474

فيما زائرو الامام الحسين، عليه السلام، ينطلقون هذه الأيام في مسيرة المشي نحو كربلاء المقدسة لأداء زيارة الأربعين، نتوقف للتأمل في الحديث النبوي الشهير: «إن الحسين مصباح هدى وسفينة نجاة».

الإطلاق في كون الإمام مصباح هدى وسفينة نجاة، يثير تساؤلاً عن المقصود بالهدى والنجاة؟ أهل نحن اتباع أهل البيت (الشيعة)، أم المسلمون أجمعهم؟

عندما تتجسد طموحات الإنسانية جمعاء في النهضة الحسينية، وعندما يجد كل مظلوم وطالب حق في العالم، نفسه الى جانب الحسين، عليه السلام، أمام الظلم والطغيان، فانه بالقطع؛ تكون أبواب النجاة مفتوحة له، كما هي فرص الهداية والرشاد، وبما أن العالم اليوم يشكو أزمة الأمن والسلم في جميع نواحي الحياة، بسبب نزعة الصراع والاحتراب التي تقود عقول قادة الدول الكبرى، فلا غرو من القول: إن سكان العالم اليوم بإمكانهم جميعاً الدخول في هذه السفينة للنجاة مما هم عليه، والاستفادة من هذه الفرصة، وهذا تحديداً يفسّر لنا سبب الاحترام والإكبار الذي تحظى به مراسيم إحياء النهضة الحسينية في كل مكان بالعالم، فالناس في الهند - مثلاً- او في الصين أو في أميركا اللاتينية او جميع أرجاء المعمورة، يرون في هذه المراسيم نبذاً شديداً للعدوانية والقسوة والظلم، وإحياءً لقيم السلام والمحبة.

هذا الإبداع في فكر النهضة الحسينية، هو الذي مكّن سكان العالم من التمييز بين الإسلام الحقيقي الذي ضحى من أجله الامام الحسين في كربلاء، وبين الإسلام المزيف الذي تسعى جماعات مشبوهة في نشره هنا وهناك، كما انه يتفهّم مغزى الشعائر الحسينية، وأنها أعمال وفعاليات لها توجه تربوي الى داخل الانسان، ولا تتجه بالسلب ضد الآخر، ومن هذه الشعائر، السير على الأقدام لمسافات طويلة نحو مرقد الامام الحسين، عليه السلام. وهي الفعالية المميزة بحضورها الجماهيري المليوني، حيث تشهد الطرق الرئيسية المؤدية الى كربلاء المقدسة، كل عام توافد أعداد غفيرة، وهي بازدياد عاماً بعد آخر.

واذا كان مفهوم السلم والأمن يندرج في مضامين الشعائر الحسينية، فانه يتجسد اكثر في هذا الزحف المليوني أيام زيارة الأربعين، حيث يكون المشهد أشبه الى حد كبير - بل وأكثر- باجتماع الحجيج حول بيت الله الحرام، وهم من مختلف القوميات والأعراق والألوان، جنباً الى جنب لأداء فريضة إلهية واحدة في أمان تام وفّره لهم ربهم، فحتى الحشرات آمنة في أيام مناسك الحج، فضلاً عن الانسان، أما في هذه الشعيرة الحسينية - كما في الشعائر الأخرى- فان الامام الحسين، عليه السلام، كتب رسالة الأمن والسلام بدمه ودموعه للعالم، فهو بكى على أعدائه لأنهم سيدخلون النار بسببه، لذا أكثر من النصح والإبلاغ علّهم يتذكرون، كما وقف أمام النبال ولم يبدأ أعداءه بقتال، ففضّل ان تصيبه، وأصحابه واهل بيته، النبال كالمطر، ويصاب بجراح، ولا يكون هو البادئ بالقتال والحرب.

هذه الرسالة حملها المشاة، ليس اليوم، إنما منذ سنوات بعيدة، حيث بدأت الفكرة، وحافظت عليها الأجيال وهي تحمل القابلية على التطور في الأداء، وهذا ما نلاحظه اليوم ايضاً، مع ازدياد النمو السكاني، وتوسع الطرق، والتطور الحاصل في مستوى الفكر والثقافة.

ولمن يتابع تاريخ هذه الشعيرة العظيمة، يجد أنها شهدت الذروة في مجدها يوم تمثلت السلام والنجاة أمام الاضطهاد والظلم، فكانت قبساً من ذلك المصباح الهادي (الحسيني) فمزقت حجب الظلام في العراق، وكانت سبباً في الإطاحة بنظام حكم طالما حسب نفسه المتكامل والدائم، فزال واندثر فيما بقيت هي الى اليوم.

وها هي اليوم مثالٌ للتلاحم الاجتماعي تحت راية الإيمان والولاء، وانبلاج للقيم الإنسانية والأخلاقية الى ما وراء الحدود الجغرافية لتصل الى جميع قارات العالم بما فيها تنوع عرقي وقومي، فالجميع يتخلّى عن جنسيته وانتماءاته الطائفية والاثنية ويشعر بالأمان التام وهو يحثّ الخطى نحو كربلاء الحسين.


ارسل لصديق