الحسين، عليه السلام، مشروع الإصلاح الإلهي في العالم ...
كتبه: السيد جعفر العلوي
حرر في: 2016/11/13
القراءات: 798

بيّن الإمام الحسين، عليه السلام، هدف خروجه على الحاكم الظالم؛ الإصلاح في أمة جده، إلا أن هذا الإصلاح لم يكن بمفهوم الإصلاح الذي يتداوله السياسيون في يومنا هذا، بل هو إصلاح أعمق وأوسع وأدق، ولعلنا نستطيع أن نرسم معالم هذا الإصلاح الحسيني ضمن الرؤية العقيدية الإسلامية التي شكلت منطلق وهدف الإمام في ثورته العظيمة هذه، وذلك في النقاط التالية:

1- إصلاح في مفاهيم الناس العقيدية، والتي شابها الكثير من التشويه والتغيير والانحراف بفعل مجيء حكام غيروا وبدلوا الكثير من تعاليم الله ورسوله الكريم، ومن أهم مفاهيم العقيدة التي كانت بحاجة للتبلور والإصلاح في وعي وسلوك الأمة هي قضية ولاية أهل البيت، عليهم السلام، والتأكيد على دور هذه الولاية في تعزيز علاقة الأمة بالقيادة الشرعية، وضرورة الطاعة لأهل البيت، عليهم السلام، وأن الابتعاد عن هذه الولاية هو الذي سبب ضياع الأمة وصعود حكام الضلال.

2- الإصلاح السياسي بحيث لا يتولى زمام قيادة الأمة، طاغية او متجبر او فاسق، بل يجب أن يكون القائد من سنخ أئمة أهل البيت، أو الأقرب لهم في جميع الأمور، عبادة وعلماً وأخلاقاً وعملاً. وهذا ما أكده الإمام في كل خطاباته التي أشارت الى أن يزيد شارب الخمر ومعلن بالفسق وقاتل النفس المحرمة، «ومثلي لا يبايع مثله»، وقوله في استحقاق قيادة الأمة: «وأنا أحق من غيّر».

3- الإصلاح الاجتماعي العام، فمجيء حاكم ظالم فاسق كيزيد إنما جاء بسبب ترك الأمة لواجباتها الدينية مما مهد لوصول مثل ذلك الطاغية الى الحكم، وهذا يفسر توضيح الإمام للإصلاح الذي ينشده بقوله: «أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر»، وفي الحديث الشريف: «...لتأمرن بالمعروف ولتنهين عن المنكر وإلا يولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم»، فترك الناس لهذه الوظيفة هو الذي أدى لمجيء حكام الجور وتمكنهم على رقاب الأمة.

4- الإصلاح الاقتصادي، فقد ركز الإمام الحسين، عليه السلام، على أن بني أمية اتخذوا مال الله دولاً وعباد الله خولا، وأن سياسة التلاعب بأموال الأمة هي التي أذلت الناس وجعلتهم يتحولون الى فقراء يستعبدهم الطواغيت، بل إن الإمام كشف عن أن المال الحرام الذي يرشي به الطغاة جنود الباطل هو السبب الذي جعل ذلك الجيش الأموي في ضلال تام فيقدم على أعظم جريمة في التاريخ البشري، وقد كشف الإمام عن هذه الحقيقة: «فَقَدْ مُلِئَتْ بُطُونُكُم مِنَ الحَرَامِ وطُبِعَ عَلى قُلُوبِكُم. وَيْلَكُم، أَلَا تَنصِتُون؟ أَلَا تَسْمَعُون؟».

5- الإصلاح الزمني الممتد، فقوله عليه السلام: «إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي»، يعني الأمة في كل الأزمنة وليس في زمنه، عليه السلام، وذلك لأن الأئمة، عليهم السلام، هم حماة العقيدة وقادة الأمة لكل الأزمنة وليس في زمانهم وحسب.

6- الإصلاح العالمي

فمشروع أهل البيت، عليهم السلام، رسمه الله لهم حين خاطب نبيه الأكرم بقوله تعالى:

 {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}، (سورة إبراهيم: 1)، فالقرآن هو منهج ودستور الله لإخراج كل الناس في العالم من كل ظلمات الجهل والتخلف والظلم الى نور الله وصراطه المستقيم، وإصلاح الأمة الإسلامية هو الطريق لإصلاح الأمم، لأن رسالة الإسلام رحمة للعالمين.

من هنا؛ لا يمكن تفسير التعظيم العالمي والمتزايد للإمام الحسين عليه السلام عاماً بعد عام، إلا أن وراءه اليد الغيبية المباركة لله - تعالى-. صحيح أن الرسول الأكرم وأهل بيته عليهم الصلاة والسلام قد دعوا لتعظيم الإمام الحسين والتأثر لمصابه وقضيته، إلا أن ذلك هو في الأصل من توجيه الله لهم، وما نشاهده اليوم من تزايد مظاهر الإحياء الحسيني وبالأخص في ذكرى الأربعين السنوية للإمام الحسين ومسيرات المشي والعزاء المليونية، إلا ترجمة لمدى العناية الإلهية بهذا الإمام العظيم، الذي دشن طريق الإصلاح واسترخص دماءه الشريفة ودماء الخيرة من أهل بيته وأصحابه لتكون وهجاً ومناراً للناس كي يقتدوا به ويتحولوا الى مؤمنين حسينيين يحملون مشروعه الإصلاحي في كل العالم.


ارسل لصديق