بعد نهضة الطف الإصلاحية الإمام السجاد عليه السلام يقود النهضة التربوية والأخلاقية
كتبه: الشيخ عواد الكربلائي
حرر في: 2016/11/13
القراءات: 452
الإمام زين العابدين، عليه السلام، كان له دور عظيم بعد واقعة كربلاء المؤلمة، بدأ بإحياء منهج خاص استكمالاً لثورة الامام الحسين، عليه السلام، وهو منهج الثورة على الذات، والنهضة التربوية لإعادة الحياة الحقيقية إلى هذه الأمة، بعد تعرضها لانحراف حادّ في العقيدة والسلوك تجسّد في واقعة كربلاء، من ترويع وتجويع ثم قتل بشع ثم سلب ونهب وسبي وانتهاك للحرمات. 
فقد توجه الامام السجّاد، عليه السلام، الى البناء الروحي والأخلاقي كل ما تهدّم من إنسانية الانسان بفعل تلاعب الحكام بمقدرات الأمة، وبفضل هذا المنهج، استطاع الإمام، عليه السلام، أن يربي جيلاً من التقاة والمخلصين الى جانب الفقهاء والعلماء والرواة والمحدّثين، فكانت قاعدة الانطلاق؛ روحية وأخلاقية وإنسانية، تمثلت بالصحيفة السجادية، فهي لم تقتصر على المناجاة والدعاء والتضرع الى الله - تعالى- إنما احتوت على مختلف العلوم والمعارف.

الصحيفة السجادية

يحتوي هذا السفر العظيم -إضافة إلى ما ذكرناه- على مسائل وقضايا اجتماعية وأخلاقية وتربوية، إذ كتب عنها كثير من العلماء مثل؛ أغا بزرك الطهراني في كتابه القيّم «الذريعة على تصانيف الشيعة»، إضافة إلى مائة وخمسين شرحاً لهذا الكتاب العظيم.
وتُعد التربية بالدعاء، من أهم الوسائل في تربية النفس وتهذيبها، حيث يقف الانسان أمام الله -عز وجل- طائعاً ذليلاً متضرعاً له، وهو يلبّي الدعوة: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ، (سورة غافر، 60)، وتعلمنا هذه الصحيفة المباركة كيف نكون في استعداد للتوجه إلى الله تعالى، وذلك بالابتعاد عن الذنوب التي تحبس الدعاء، والاستعداد النفسي والنية الخالصة مع الله وغيرها من شروط الدعاء.
قال أمير المؤمنين، عليه السلام: «اعرفوا الله بالله، ورسوله بالرسالة، و أولي الأمر بالمعروف والعدل والإحسان»، وقال الإمام السجاد، عليه السلام: إن مجالسة الصالحين داعية إلى الصلاح»، وهنا الإمام، عليه السلام، من خلال الدعاء ومعايشته المجتمع بعد صحوته، واستشعار عمق الجرح في كيان الأمة بسبب ما حصل في كربلاء، وايضاً شعوره بالذنب، يقدم دروساً في التغيير والإصلاح من خلال الدعاء والوسائل الأخرى التربوية.
إن منهج الدعاء والتهجّد والتضرّع الى الله - تعالى- شكل منهجاً متكاملاً للبناء الروحي والعقائدي، وهذا ما كان يراه المسلمون متجسداً في أعماله العبادية.
يقول طاووس اليماني، وهو أحد أبرز أصحابه: «رأيت رجلا يصلّي في المسجد الحرام تحت الميزاب يدعو ويبكي في دعائه، فجئته حين فرغ من صلاته؛ فإذا هو زين العابدين عليّ بن الحسين، عليه السلام، فقلت له: يا بن رسول الله تبكي وأنت ابن رسول الله فقال: أما أني ابن رسول الله فلا يأمنّني من عذاب الله وقد قال الله تعالى: ﴿فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ؛ لقد خلق الله الجنّة لمن أطاعه وأحسن ولو كان عبدا حبشيّا، وخلق النار لمن عصاه وأساء ولو كان سيّدا قرشيّا».

الأخلاق السامية

ولما تقرأ عن الإمام السجاد، عليه السلام، قبل توجهه الى الله - تعالى- تجد أنه في وضوئه للصلاة، يتغير وجهه، وعندما يقف للصلاة، يكون كالخشبة اليابسة لا يتحرك منه شيء سوى ثيابه تحركها الرياح، وهذا من أنواع التذلل لله -عز وجل- والعبودية الحقيقية التي أطلق عليها أمير المؤمنين، عليه السلام، بانها «عبادة الأحرار».
ومن أخلاقه أيضاً؛ لما كان يعطي الصدقة يخفي وجهه، حتى لا يشعر السائل بذلّ الصدقة والعطاء، وهذا درسٌ لنا جميعاً بأن نعطي وننفق بعيداً عن الشهرة وعدسات الكاميرا. 
ومن أروع المشاهد الإنسانية والأخلاقية في التعامل يقدمها لنا الإمام السجاد، عليه السلام، عندما حصل أن سقطت جفنة (آنية من حديد) من يد أحد الخدام على رأس طفل من أطفال الإمام، عليه السلام، فمات في الحال، عندها ارتجف الخادم وخاف، ومن الطبيعي لأي أب يشاهد ابنه ميتاً بهذه الطريقة، أن يشتدّ على المسبب، ولكن ما ظهر من الإمام، عليه السلام، كان خلاف ذلك، فعندما رأى الأمر المفجع، سلّم أمره إلى الله -عز وجل- وأخذ بتجهيز ابنه ودفنه، ومن ثم حرر العبد وأطلقه لوجه الله تعالى، وفي موقف آخر عندما كان أحد الخدم يصب الماء على يديه الشريفتين فسقط الإبريق من يده فشُج رأسه، عليه السلام، عندئذ نظر إليه الإمام وهو جالس، فقال العبد: ﴿والكاظمين الغيظ، قال عليه السلام: كظمتُ غيظي، ثم قال: ﴿والعافين عن الناس، قال، عليه السلام: عفوتُ عنك، ثم قال: ﴿والله يحب المحسنين، قال، عليه السلام: اذهب فأنت حر لوجه الله.
نعم هذه هي مدرسة أهل البيت، عليهم السلام، تسمو بالأخلاق العالية والتواضع، فلنتصور فيما لو حصل هذا مع فرد من أفراد المجتمع ماذا يصنع في هذه الحالة؟ عليه أن يتذكر فوراً أنه أحد اتباع الامام السجاد، عليه السلام، الذي يحبه ويجلّه ويقرأ أدعيته، فلا يفعل ما يتعارض مع أخلاق وسيرة هذا الإمام الفذّ. 

رسالة الحقوق

المنهاج الآخر الذي عرضه الإمام، عليه السلام، على هذه الأمة، هي رسالة الحقوق التي تمثل قاعدة إنسانية لقيادة الحياة بشتى جوانبها، بما فيها الواجبات الملقاة على الإنسان في شتى جوانب الحياة.
ومن هذه الحقوق؛ حق الأذن، والعين، واللسان، وفي قوله، عليه السلام عن الأذن: «إياك وأن تمرغها بالاستماع إلى الغناء والحرام»، وعن العين: «وإياك ونظر الحرام بالعين»، وعن اللسان: «وإياك والغيبة باللسان»، إن من شأن تطبيق هذه القوانين على الواقع العملي أن توصِل الإنسان إلى مرضاة الله -عز وجل-.
وأما من جانب تعامله، عليه السلام، مع عبيده، فكان يتعامل معهم بكلام طيب حيث يناديهم بـ «يا فتاي يا فتاي...»! إنه يزرع فيهم القيم الرسالية ويتعامل معهم كبشر لا يختلفون عن غيرهم، فما هو هدف الإمام من هذا التعامل مع العبيد وبهذه الأخلاق الحميدة؟
الإجابة تتلخص بعدة نقاط:
1- التأكيد على قيم الإسلام في نظرته إلى البشر بأنهم جميعاً لآدم وآدم من تراب، جاء في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا، (سورة الحجرات، 13)، وجاء في الحديث الشريف: «لا فرق بين عربي ولا أعجمي إلا بالتقوى»، وجاء في عهد أمير المؤمنين، عليه السلام، لمالك الأشتر: «... والناس صنفان إما أخ لك في الدين او نظير لك في الخلق». 
2- الترويج لشراء العبيد وتعليمهم وتربيتهم ثم عتقهم لوجه الله تعالى.
 3- السعي إلى زج هؤلاء العبيد الأحرار في المجتمع الحر ليكونوا أفرادا صالحين مفيدين.
وكان، عليه السلام، يعطيهم الدروس في القرآن والفقه وغيرها من العلوم الدينية الأخرى، وكل ذلك لوجه الله تعالى، من خلال قوله لهم: «لقد عفوت عنكم فهل عفوتم عني، فكانوا يقولون سيدي يابن رسول الله عفونا عنك، فيقول لهم، عليه السلام: لا تقولوا لقد عفونا عن علي بن الحسين، بل قولوا اللهم أعف عن علي بن الحسين كما عفا عنا فاعتقه من النار كما عتق رقابنا من الرق».
لقد قدم الإمام رسالة الحقوق إلى الأمة والأجيال، وأعطاهم أفضل الدروس والعبر من خلال رسم مناهج عملية لسلوك الإنسان بهدف تطوير حياته على أسس تتوفر فيها جميع عوامل الاستقرار النفسي والوقاية من الإصابة بأي لون من ألوان القلق والاضطراب. إن هذه الرسالة العظيمة التي لم يسبق لها نظير، رواها التابعي الجليل، أبو حمزة الثمالي، تلميذ الإمام السجاد، عليه السلام، وعندما نلاحظ هذه الرسالة، نرى أنها مقسمة إلى أنواع من الحقوق؛ منها حول أعضاء جسد الإنسان والجوارح؛ من أم رأسك إلى قدمك، وما فيه من حقوق الجوارح، في حق البصر والسمع واللسان واليد والرجل وغيرها من الجوارح السبعة، والتي بها تكون الأفعال، ثم جعل -عز وجل- لأفعالك عليك حقاً إضافة إلى الصلاة والصيام وغير ذلك من حقوق العبادات، وحقوق الوالدين وحقوق القرابة وحق الرعية والجار والشريك وغيرها من الحقوق الأخرى. ومن أبرز هذه الحقوق؛ حق الله تعالى والذي برزه الإمام السجاد، عليه السلام، وأكد عليه، وأوجبه الخالق -عز وجل- على الناس، وجعله من القيم العظيمة، وكما هو مدون في كتاب الله تعالى وفي سنة نبيه، صلوات الله تعالى عليه، وبفضل هذه الحقوق كان، عليه السلام، امتداداً لجده الإمام علي، عليه السلام، الذي قدم مناهج واسعة الأفق وما زالت الأمة الإسلامية تعيش في ظلها، وتمثل الفنار الذي يهدي الانسان الفرد الى الطريق الصحيح، وايضاً الحاكم والمسؤول في الدولة.

ارسل لصديق