في رحاب الحج.. قيمة التعاون أداة بناء الشخصية
كتبه: سماحة السيد محمود الموسوي
حرر في: 2012/09/01
القراءات: 4015
 لكل عبادة من عبادات الإسلام، غاية تحققها في بناء الشخصية، بالإضافة إلى ما تبنيه في جوانب أخرى، ولكل عبادة خصوصيتها وآلياتها في بلوغ هدف بناء الشخصية وإيصالها إلى المقامات السامية من التقوى والصلاح والإستقامة، والحصول على التوازن الروحي، من أجل التغلب على المشكلات والأزمات، وتسخير إماكاناته في سبيل تقدّمه وصلاحه.
ومن خصوصيات الحج ومناسكه أنه يساهم في بناء الشخصية، على المستوى الفردي من خلال المجموع، ومن خلال اغتنام فرصة اجتماع الناس في هذه الرحلة المباركة، وبالرغم من أن الفرد يمكنه أن يحقق نتائج باهرة في صياغة شخصيته وبنائها فردياً، ومن خلال الخشوع والنظر للأعمال، من خلال معرفة معانيها ومضامينها المعنوية، إلا أن بناء الشخصية من خلال المجموع لا يمكن تجاوزه أو غضّ الطرف عنه.
فأنت يمكنك أن تصلّي لله في جوف الليل سرّاً والناس نيام.. ويمكنك أن تخرج من مالك صدقة تدفعها سرّاً.. ويمكنك أن تصوم وتمسك عن الطعام دون أن يشعر بك أحد من الناس.. إلا أنه لا يمكنك أن تحج حجاً خفياً صامتاً بمفردك.. فلابد أن ترتحل مع المجموع وتجتمع مع الناس وتتعامل مع المختلفين.. لابد أن تحتاج إلى غيرك من الناس سواء جئت راجلاً أو على ضامر. ففي كل تفاصيل رحلة الحج ستحتاج إلى التعامل مع الآخرين.
ويمكن أن نصيغ هذه المعاني وهذه الآليات في الإصلاح وبناء الشخصية في الحج من خلال المجموع، في عبارة (التعاون)، كقيمة معبرة عن عمق حركة التعامل مع الناس في موسم الحج، بوصفها أداة للإصلاح، وآلة لبناء الشخصية السويّة والمستقيمة، فإننا نرى أن آية التعاون التي جاءت في القرآن الكريم التي تحثّ المسملين عليه في البر والتقوى، وتنهاهم عن التعاون على الإثم والعدوان، جاءت في سياق الحديث عن الحج والتواجد في بيت الله الحرام والشهر الحرام.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلآئِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُواْ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (سورة المائدة / 2).
أن تكون متعاوناً مع الآخرين والمختلفين، فهذا يعني أنك تجاوزت العديد من المسافات للوصول إلى التعايش وإلى السلم الاجتماعي المراد تحقيقه في رحلة الحج، وعندما يكون الإنسان ضيفاً في بيت الله الحرام، ومن خلال هذا التوجيه الاجتماعي في عبادة الحج الجمعية، يمكن للفرد أن يبني شخصيته ويطور من ذاته ويصيغ روحه في قالب إيماني.
ولذلك فإننا نرى أن هنالك مجموعة من الآفاق التي وردت في الحج وتجلّت في هذه الرحلة المباركة، سواء في أحكامها أو في أجوائها أو في مستلزماتها، تعزز فاعلية التعاون في بناء الشخصية، وهنا نذكر بعضها، لتكون مورداً لدخول الفرد في بناء شخصيته عبر وعيها و وعي لوازمها.
1. الجماعة
جاءت خطابات القرآن الكريم في الدعوة إلى الحج، وفي بيان أحكامه وبيان مناسك الحاج بصيغة جمعية، حيث قال تعالى في دعوة الناس إلى الحج لكي يتوافدوا بكثافة وتنوّع: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾. (سورة الحج / 27).
فالحج رحلة جماعية يأتيه الناس من كل بلد سحيق، فيتوافدون في مكان واحد وزمن واحد مما يستدعي تحقيق التعاون في كل حركة تدفع باتجاه بلوغ أهداف الحج العليا كالوصول إلى التقوى والحفاظ على السلام في النفس والعلاقات والأمن الاجتماعي.
2. المنافع
في رحلة الحج، منافع الدنيا وحوائج الآخرة، وهذه المنافع يشهدها الحاج حيث يقول تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾. (سورة الحج / 28). ولا تحصل المنافع، ولا تتحقق هذه الغاية إلا عبر مبدأ التعاون الذي ينظر للآخرين على أنهم يشتركون معه في الإنسانية وفي الدين، فمادام أنه سيشكر الله تعالى على ما رزقه من بهيمة الأنعام، ويجب عليه أن يضحي بها ليطعم الأطراف الضعيفة في المجتمع، فلابد هنا أن تذوب الحواجز النفسية التي تخلق التعالي على الآخرين والتكبر عليهم، لتحقيق هذا الهدف.
3. الشروط
في رحلة الحج العبادية والتي يبدأها الحاج بلبس ثوبي الإحرام، ثم يعقد نيته، فتحرم عليه مجوعة من الأفعال، هو مطالب بأن ينتهي عنها، فمن أهم ما يحرم عليه، ما يكون في المسار الاجتماعي، حيث الاختلاط مع الناس، وما تستوجبه هذه الرحلة الجماعية، يقول تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ﴾. (سورة البقرة / 197). فلا (رفث) حيث تهذيب الشهوة الجنسية والامتناع عن مباشرة النساء وما يتبع ذلك من أفعال متلازمة مع الشهوة، و لا (فسوق) لكي لا يحصل التعالي على الآخرين حيث التجرّد من كل علائق الدنيا ليكون مع الآخرين سواء، ولا (جدال) لضبط وتنظيم التحاور مع الناس لتكون علاقاتهم علاقة عنوانها السلام والأمن.
4. التعاون
ويتجلّى مبدأ التعاون بين الناس في رحلة الحج بمراعاة الظروف الخاصة عند الضعفاء وأصحاب الاحتياجات الخاصّة، فإن حكم مرافقة النساء لقضاء مناسكهن من هذا القبيل، والحاج الرجل تنطبق عليه بعض أحكامهن إذا كان مرافقاً لهن، كجواز إفاضته من المشعر الحرام إلى منى لرمي الجمرات ليلاً، فهو فعل جائز للنساء ضمن ظروفهن، والمرافقين لهن من الرجال، يجري عليهم هذا الحكم أيضاً، كما أكد الشرع على قائد القافلة أو (الحملة) على مراعاة المرأة التي تطرقها عادتها عند دخول مكة أو ماشابه ذلك، مما يتطلب منها التمهّل. فعن علي بن أبي حمزة، أنه سأل أبا الحسن عليه السلام عن الحائض، فذكر الحديث.. إلى أن قال: قلت  أبى الجمال أن يقيم عليها والرفقة، قال: فقال: ليس لهم ذلك، تستعدي عليهم حتى يقيم عليها، حتى تطهر وتقضي مناسكها .
5. الطهر المادي والمعنوي
البيت الحرام مهوى أفئدة الناس من كل حدب وصوب، ولذلك فهو يحتاج إلى الرعاية والاهتمام، ولأنه الموقع الذي يلتمس فيه الناس الطهر، فلا بد أن يكون طاهراً ومطهراً من كل نجس معنوي أو مادي، حيث أوعز الله تعالى إلى الأنبياء والرسل أن يقوموا بهذه المهمة لتهيئة المكان لاستقبال الوفود من ضيوف الرحمن، فقد قال تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾. (سورة البقرة / 125).
وقد توعد الله تعالى كل من يعمل خلاف ذلك، ويصد هذه المهام الخدمية الجليلة، ويصد الناس عن البيت الحرام في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. (سورة الحج / 25).
وقد دعى المصدود والمعتدى عليه، أن لا يعتدي على من صدّه ولا يتجاوز حدّه، لكي لا تحصل الفتنة ويتحوّل البيت الحرام إلى ساحة اقتتال ونزاع بين الأطراف، فقد قال جلّ شأنه: ﴿وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ﴾.
6. استقبال الحاج
رحلة الحج محفوفة بالمشاركة الاجتماعية، فكما أكد الشرع على استحباب الاحتفاء بالحاج وحسن استقباله وتوقيره، فإنه وجه الخطاب إلى الحاج ليأخذ معه من الحج تحفة هدية الحج التي تعبّر عن تواصله مع أحبابه وأهله، فعن أبي عبد الله عليه السلام، أنه قال: (هدية الحج من الحج). وقال الصادق عليه السلام: (من عانق حاجاً بغباره كان كأنما استلم الحجر الأسود) . وعنه عليه السلام قال: (كان علي بن الحسين عليهما السلام، يقول: يا معشر، من لم يحج، استبشروا بالحاج وصافحوهم وعظموهم، فإن ذلك يجب عليكم تشاركوهم في الاجر).

-------------------------

* كاتب وباحث من البحرين


ارسل لصديق