الحــسن والحـسين {إمامان قاما أو قعدا} والــــــرد على مــــــزاعم التمـــايز
كتبه: الشيخ علي الخزاعي
حرر في: 2016/11/13
القراءات: 691

نعيش هذهِ الإيام ذكرى استشهاد الامام الحسين، عليه السلام، وما جرى عليه، وعلى أهل بيته من المصائب والرزايا التي هي صدّعت قلب النبي الأعظم، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، والحسن المجتبى، صلوات الله عليهم أجمعين، مما يؤكد على أن النهضة الحسينية، إنما هي امتداد للرسالة المحمدية، بيد أن البعض يحاول رسم صورة خاصة لأهل البيت، عليهم السلام، بما ليسوا فيها، ومنها ما قيل عن التمايز المزعوم بين الإمامين الشهيدين والمظلومين؛ الحسن والحسين، عليهما السلام.

فقد قالوا في السبط الأول خلاف ما قالوا في السبط الثاني، لنقرأ ما جاء في أحد الكتب: في شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار، عليهم السلام، الجزء الثالث صفحة 396. في رواية ليس من طرقنا، ذُكر عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن إدريس، قال: كنت قاعداً في حلقة المسجد فيها المسيب، فسمعته يقول: سمعت علياً، عليهم السلام، يقول: ألا أخبركم عن أهل بيتي، أما عبد الله بن جعفر فصاحب لهم. وأما الحسن بن علي فصاحب جفنة وخوان، ولو قد التقت بحلف البطان لم يغن عنكم في الحرب حبالة عصفور - أي أداة مصنوعة من الحبال يؤخذ بهالصَيد العصفور -، وأما ابن عباس فلا يقرؤكم. وأما أنا والحسين فنحن منكم وأنتم منَّا.

وفي كتاب ترجمة الامام الحسين، عليه السلام، (حديث ابن عساكر) في صفحة 208 في قوله: أنبأنا سليمان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي إدريس: عن المسيب بن نجبة قال: «سمعت عليا يقول: ألا أحدثكم عني وعن أهل بيتي؟ أما عبد الله بن جعفر فصاحب لهو، وأما الحسن بن علي، فصاحب جَفنة وخوان فتى من فتيان قريش، لو قد التقت حلقتا البطان لم يغن عنكم في الحرب شيئا، وأما أنا وحسين فنحن منكم وأنتم منا»!!

أي، أن أحاديث كهذه لا تنسجم مع قدسية وسمو ورفعة الشخصية والمنزلة العظيمة التي يتحلى بها الإمام الحسن، عليه السلام، وخصوصاً في الرواية الثانية والتي ذَكرت أن أمير المؤمنين، عليه السلام، يذم عبد الله ابن جعفر بن أبي طالب، عليه السلام، بذكره (صاحب لهو)، ومن ثم يصف، الإمام الحسن، عليه السلام، بأنه (صاحب جفنة وخوان) أي: صاحب كرم وسفرة طعام، ويصفه وصفاً آخر من أنه، (لو قد التقت حلقتا البطان) كناية عن اشتداد الأمر، أي أن الإمام الحسن، عليه السلام، ليس له دراية في الحرب أو القتال وممكن أن تكون هذه (كناية عن الجبن) وحاشا أمير المؤمنين أن يكون قد ذكر ذلك وهو المربي الأول لا يمكن أن يصدر منه انتقاص بحق ولده الحسن، عليه السلام.

ولم تقتصر هذه المحاولات على الكتب التاريخية فقط، لتخرج علينا مجلة عراقية تصدر في كربلاء المقدسة، باسم «صدى كربلاء»، (1) كتبه رشيد كرمه تحت عنوان: (التضحية والشهادة، يرتبط بذكريات الطفولة) الحسين في كربلاء (القسم الأول) يقول: «... و الحسين، هو الابن الثاني لعلي بن أبي طالب من فاطمة الزهراء، والاسم مصغّر من أخيه الأكبر؛ الحسن، وهما من الأسماء المستحدثة في الإسلام ، ورغم نشأة الأخوين في بيئة واحدة وخضوعهما لتربية واحدة فقد اختلفَ...»!

وللرد على الأخ رشيد كرمه نقول: «فقد اختلفَ...»، نعم أنا معك في مسألة الاختلاف اذا كانت بين اثنين غير معصومين، أما من نصّ عليهما القرآن الكريم بأنهما في نفس المنزلة والمرتبة، فالأمر يختلف تماماً»؛ وقد ذكرهما الله - جل جلاله - في القرآن الكريم ما يؤكد وحدة المرتبة والمنزلة لسبطي رسول الله، صلى الله عليه وآله، في آيات عديدة عن حوادث حصلت وشهدها المسلمون، وهي شهادة لهما، تبقى للأجيال طول الزمن. وهي كما يلي:

1- آية التطهير: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا}، (سورة الأحزاب: 33).

2- آية المباهلة: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}، (سورة آل عمران: 61).

3- آية المودّة: {ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ}، (سورة الشورى: 23).

4- (سورة الإنسان: في الآية 8) التي نزلت بعد إطعام أسرة الامام علي، عليه السلام، لليتيم والفقير والأسير، ثلاثة أيام متتالية، وقد آثروا إفطارهم كله لهؤلاء، وكان الامام علي، والصديقة الزهراء، عليهما السلام، قد صاما نذراً لشفاء الحسنين، فنزلت الآية الكريمة: {وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا}.

5- مقام السبط: {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، (سورة البقرة: 136). و{قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}، (سورة آل عمران: 84). و{إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا}، (سورة النساء: 136).

والى جانب القرآن الكريم، لنتأمّل الروايات الشريفة، ومنها حديث رسول الله، صلى الله عليه وآله، في وجوب إمامتهما وطاعتهما، وكأنه يحذر فيه من مواقف الناس السلبية من هدنة الإمام الحسن، عليه السلام، مع معاوية «ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا».

ومنها ايضاً هذه الرواية «...ثم أقبل علي، عليه السلام، على أصحابه فقال: يا معشر الصحابة! والله ما تقدمت على أمر إلا ما عهد إلي فيه رسول الله، صلى الله عليه وآله، فطوبى لمن رسخ حبنا أهل البيت في قلبه، الحسن والحسين سبطا هذه الأمة، وهما من محمد كمكان العينين من الرأس، وأما أنا فكمكان اليد من البدن، وأما فاطمة فكمكان القلب من الجسد، مثلنا مثل سفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق».

وعن أبي جعفر، عليه السّلام، قال: «واللَّه للذي صنعه الحسن بن علي كان خيرا لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس واللَّه لقد نزلت هذه الآية: [ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ] ...». إنما هي طاعة الإمام وطلبوا القتال [...فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ ...] مع الحسين، عليه السّلام، [... وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ...] نجب دعوتك ونتبع الرسل أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السّلام».

من هنا فان القارئ اللبيب مدعو للنظر في حقيقة وجود الإمامة الهادية لسبطي رسول الله، صلى الله عليه وآله، وأنَّ الله - جل جلاله - لن يترك الأمة بدون إمام تهتدي به إلى طريق الحق قط، {...وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}؛ (سورة الرعد: 7)، وشرط الإمامة {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}، (سورة البقرة: 124).

وفي وصية النبي محمد، صلى الله عليه وآله وسلم، بـ (الحسنين) عليهم السلام، ما يؤكد الرحمة والحكمة، كما جاء في حديث الثقلين : «أنى تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ألا وهما الخليفتان من بعدي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض». ولن يختلفا حتى في درجة الجنة في قول رسول الله، صلى الله عليه وآله: «الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما»، ثم كيف بأمير المؤمنين، عليه السلام، يذم الحسن، عليه السلام، - حاشاه من ذلك - ويثني على الحسين، عليه السلام، ثم يسلّم زمام أمور المسلمين للحسن من بعده ِ؟!

مسك الختام؛ الأئمة الإثنا عشر هم من نور واحد باطناً؛ أما في الظاهر فيختلفون في الأدوار وحسب الظروف المحيطة بهم؛ ومثلهم كمثل مصباح في زجاجة، ثم نغلف الزجاجة بألوان مختلفة، فالنور من حيث المصدر واحد، يبقى التنوع في الالوان.

وإذن؛ لو كان الإمام الحسين، عليه السلام، في زمن ظروف أخيه لقام بنفس العمل الحكيم الذي قام به أخوه الإمام الحسن، عليه السلام؛ ومن ثم أن الحسن، عليه السلام، كذلك لو كان في زمن ظروف أخيه الحسين، عليه السلام، لقام بنفس العمل الذي قام به يوم عاشوراء.

-------------------

(1)- العدد 27/ سنة 2014 م . 8 ك 2 / ص 111 - 112.


ارسل لصديق