الإصلاح بين الواقع والطموح في ضوء النهضة الحسينية
كتبه: رضا الخفاجي
حرر في: 2016/11/14
القراءات: 439

تبقى قضية الإيمان من أهم المشاكل في السلوك الإنساني على مر العصور، ونقصد هنا؛ الإيمان بالله - تعالى- وبمبادئه ودستوره السماوي الذي أرسله الى البشرية عن طريق أنبيائه وأصفيائه وأوليائه الصالحين.

وقضية الإيمان مبادئ نبيلة وسامية كهذه تتجسد من خلال التطبيق العملي، ولا يكفي التلفّظ بها فقط، فمعرفة الشيء لا تعني الإيمان به، والإنسان يساوي الموقف، والموقف فعلٌ وليس مجرد قول يُطلق في مناسبة أو بدون مناسبة، وكثيرون هم الذين «ينعقون مع كل ناعق».

بهذه المقدمة البسيطة والصادقة أردت أن أناقش موضوع الإصلاح الذي كثُر الحديث عنه في هذه الأيام بعد أن وصل الوطن (العراق) الى مرحلة خطيرة نتيجة تفشّي الفساد الأخلاقي الذي أدى الى هذا الانحدار الرهيب في القيم النبيلة والسامية، ومن ثمّ أدى الى إفلاس أثرى بلد في العالم؛ وهو العراق، ونحن لا نقول هذا القول جزافاً، لان هذه الحقيقة مثبتة بالأرقام ولا مجال للخوض فيها الآن.

ولكن؛ بمناسبة حلول شهر محرم الحرام، ولإحياء الذكرى السنوية لاستشهاد رائد الإصلاح الحقيقي، سيد الشهداء، الامام الحسين، عليه السلام، الذي قال: «إني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً؛ إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي...»، وهو القائل أيضاً: «من لحق استشهد ومن تخلّف لم يُدرك الفتح».

إذن؛ ليس كل من هبّ ودبّ، ينادي بالإصلاح! فالإصلاح؛ موقف خلّاق، وتضحية وإيثار، وفداء، ونكران ذات، ومروءة، وشجاعة، ونُبُل وأخلاق عظيمة، تتوفر صفات كهذه بالذين ينادون بالإصلاح الآن؟!

لقد وقف الامام الحسين، عليه السلام، وهو مضرج بالدماء في صحراء كربلاء، وقف وحيداً وهو يخاطب رب العالمين قائلاً: «اذا كان هذا يُرضيك فخذ حتى ترضى»!

إذن؛ الإصلاح؛ عطاء بلا حدود، وليس نهباً لأموال الشعب، وسرقة قوت الفقراء، وإخراج أموال الشعب من الوطن ووضعها في البنوك الأجنبية.

لقد خاطب الامام الحسين، عليه السلام، أصحابه في ليلة العاشر من المحرم قائلاً: «هذا الليل اتخذوه جملاً»، فقد أراد أن ينقذ أصحابه بعد أن علم أن الأعداء يريدون قتله هو فقط، فهل هناك قائد في هذه الدنيا يفعل ذلك؟ في حين نرى أعضاء الحكومة وأعضاء البرلمان قد تحصنوا بأفواج لا حصر لها من الحمايات المدججين بالأسلحة الفتاكة، والذين أصبحوا عبئاً على ميزانية الدولة، لأن جيشاً كهذا، إضافة الى رواتب البرلمانيين وأعضاء الحكومة وأصحاب الدرجات الخاصة، لا تكفيها ميزانية الدولة، لذلك لجأت الحكومة الى «الاقتراض».

تصوروا؛ أغنى بلد في العالم يقترض المال من الخارج!

أغنى بلدٍ في العالم، يطلب العون والمساعدة وحتى الصدقات من الدول الأخرى!

أغنى بلدٍ في العالم، ينتشر الملايين من أبناء شعبه في الداخل والخارج، ويموت الكثيرون منهم غرقاً في البحار في طريقهم لطلب اللجوء الى البلاد البعيدة!

أغنى بلد في العالم، يفتقر الى ابسط مقومات الحياة الكريمة التي تليق بالإنسان، والأدهى من ذلك كله؛ أن الشعب يعرف السارقين ويراهم كل يوم، ولا يستطيع القيام بأي فعل للدفاع عن حقوقه.

إذن؛ هذه هي الديمقراطية الأميركية التي جاء بها المحتل الى العراق، وهي الديمقراطية المزيفة التي رسخت الفتنة الطائفية وقسمت ثروات البلاد بين الأحزاب الحاكمة، وبعد كل ذلك تنادي هذه الأحزاب بالإصلاح! - والله إنها لقسمة ضيزى- ولكن؛ صدق الامام علي، عليه السلام، وهو سيد البلغاء عندما قال: «كيفما تكونوا يولَّ عليكم». لذا حان وقت المكاشفة الحقيقية، وحان وقت «جلد الذات»، علينا أن نعترف، نحن ايضاً، بتقصيرنا عندما ابتعدنا عن مبادئ الإسلام الأصيلة، واكتفينا بالشعارات المزيفة، واصبحنا بعيدين تماماً عن المبادئ التي ضحّى الامام الحسين، عليه السلام، من أجلها؛ فكفانا شعارات مزيفة، وكفانا كذباً ورياء!

ولكن؛ رغم هذا الواقع المؤلم، فان أملنا كبير في البارئ - جلّت قدرته - وبالمخلصين من قادة المجتمع النجباء، وفي مقدمتهم علماؤنا الأعلام، الذين مازالوا يقفون مع تطلعات وآمال الشعب المشروعة في تغيير هذا الواقع المزري، لأن «دوام الحال من المحال».

فهل يتم هذا بالمجان؟! تقول الآية الكريمة: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

السلام عليك يا سيدي ومولاي يا أبا عبدالله.

السلام عليك يا قائد الإصلاح الحقيقي، حيث قدمت له كل شيء من أجل أن يبقى دين الإسلام أصيلاً ومعبراً عن آمال وتطلعات الشعوب.

نعم؛ يا سيدي يا أبا عبد الله، يا رمز البطولة والفداء والتضحية والإيثار، علينا - ونحن نعيش ذكرى استشهادك - أن ننهل من معينك الذي لا ينضب، علينا أن نسير على مبادئك التي حققت لك «الفتح» والخلود.

لقد أعطيت لله كل ما تملك، فأعطاك العلي العظيم أعلى منزلة في الخلود. لذا علينا أن لا نكتفي بممارسة الشعائر الحسينية فقط، بل علينا أن نطبق المبادئ التي استشهد من أجلها سيد الشهداء، وذلك؛ في حياتنا اليومية؛ في البيت، وفي المدرسة، وخلال البيع والشراء، وفي السلوك المجتمعي العام، وعند ذاك سوف نرى النتائج الباهرة، سوف يعمّ الخير والرفاه والاستقرار والازدهار الحقيقي. إذن؛ القضية مرتبطة بالإيمان، والآية الكريمة تؤكد هذه الحقيقة: {قَالَتْ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلْ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}، (سورة الحجرات:3).


ارسل لصديق